اللاهوت الإنجيلي

التعريف

اللاهوت الإنجيلي هو مجموعة العقائد التي حفظتها الكنيسة على مدار التاريخ وسلَّمتها بحسب التقليد عبر الأجيال. إنه لاهوت متجذِّر في الكتاب المقدَّس ويستحيل تَعَارضه مع أي ممَّا تعلِّمه الأسفار المقدَّسة. واللاهوتيُّون الإنجيليُّون بدورهم يميِّزون بين العقائد الجوهريَّة والأخرى ثانويَّة الأهميَّة؛ فهي جوهريَّة لأن اعتناقها محوري ليُعد المرء إنجيليًّا في إدراكه لله وعلاقة الله بعالمنا.

الموجَز

يشرح اللاهوت الإنجيلي الإيمانيَّات التي تعلِّمها الأسفار المقدَّسة عن الله وعن علاقته بالبشر والكون الذي نحيا فيه. فثمَّة عقائد بعينها (الجوهريَّة) لا بد من اعتناقها وفهمها كما حفظتها الكنيسة على مدار التاريخ إذا أراد المرء أن يُعَد إنجيليًّا؛ وأيضًا ثمَّة عقائد ثانويَّة الأهميَّة تتباين فيها وجهات نظر الإنجيليِّين. لكن يؤمن الإنجيليُّون بأنه من المستحيل أن يكون المرء مُتَّسقًا ومُتَّفقًا مع اللاهوت الإنجيلي إذا كانت العقائد الثانويَّة لديه تتعارض أو على نحوٍ ما لا تتَّسق مع العقائد الجوهريَّة. أما عن هذه المقالة، فهي تركِّز على العقائد الإنجيليَّة الأساسيَّة.


إن الكتاب المقدَّس لم يُدَوَّن بمنهجيَّة اللاهوت النظامي، رغم احتوائه على الكثير من الإعلانات اللاهوتيَّة. فبالتفسير الدقيق، التفسير الحرفي التاريخي واللغوي، الساعي إلى توضيح ما قصد الكاتب قوله، يستحيل استكشاف أهم الإيمانيَّات عن الله والبشر والعالم وعلاقة كل منهم بالآخر التي ينطقها الكتاب المقدَّس. وبمجرَّد تعريف هذه العقائد، يسهل نقلها في صيغة إقرار إيماني يعلن “حقائق إيمانيَّة” (أي أمور على المرء الإيمان بها ليكون مُتَّفقًا مع النظرة العالميَّة والإيمان اللذين يعلنهما الكتاب المقدَّس).

إقرارات إيمانيَّة إنجيليَّة عن الله والمسيح والروح القدس والكتاب المقدَّس

يبدأ اللاهوت الإنجيلي بعقيدة إيمانيَّة تأسيسيَّة وهي: ثمَّة إله قد أعلن نفسه بطرق متعدِّدة في عالمنا، وأبرزها تحديدًا بابنه، يسوع المسيح، وبأسفار الكتاب المقدَّس الستة والستين. كما يؤمن الإنجيليُّون بأن الروح القدس وجَّه وأشرف على كُتَّاب الأسفار المقدَّسة وهم يدوِّنونها. والنتيجة، كتاب إلهي وبشري المنشأ معًا، وإعلان من الله عمَّا يريد لكل إنسان أن يعرفه عنه. فهذا الوحي الكتابي يشمل كل كلمة في الكتاب المقدَّس، لذا فهو كله كلمة الله. وبما أنها كلمته، فهي صادقة في كل ما تقول. وعليه، فللكتاب المقدَّس وحده السلطان النهائي على كل أمور الإيمان والسلوك بين المؤمنين وغير المؤمنين. كما أنه صيغة الإعلان الفريدة الذي به يعلن الله عن هلاك البشر في خطاياهم، لكنه في الوقت ذاته يقدِّم ويوضِّح العلاج الإلهي بسبب عجزهم القائم.

يؤكِّد أيضًا اللاهوت الإنجيلي وجود الله وأنه ما من إله سواه. وينطوي كذلك على ما يعلنه الكتاب المقدَّس بأن لله ثلاثة أقانيم متمايزة (الآب والابن والروح القدس) متساوية في جوهر إلهي واحد. لهذا هو ثالوث. إن هذا المصطلح لا يعني ثلاثة آلهة، إنَّما ثلاثة أقانيم بجوهر إلهي واحد. وأي تبعية بين الأقانيم الثلاثة لا تستند سوى إلى أدوارهم الوظيفيَّة خارج الثالوث. ففي جوهر كينونة الثالوث (بعيدًا عمًا يقوم به أقانيمه)، هم أقانيم متساوية لكنهم يمثِّلون تجليَّات متمايزة لطبيعة إلهية واحدة.

بحسب اللاهوت الإنجيلي، إن يسوع المسيح، الأقنوم الثاني في الثالوث وابن الله، نزل منذ ألفي سنة تقريبًا إلى الأرض إلهًا متأنِّسًا. وعليه فهو يمتلك طبيعة إلهيَّة كاملة وطبيعة بشريَّة كاملة. فهاتان الطبيعتان في المسيح، طبيعتان متمايزتان لكن متَّحدتان بلا انفصال ولا امتزاج. فلم يحدث انتقال للكمالات الإلهيَّة إلى الطبيعة البشريَّة، ولم تنتقل الصفات البشريَّة إلى طبيعته الإلهيَّة. فقد عاش يسوع بين البشر، وصُلب وقام ثانيةً وصعد إلى السماوات حيث هو جالس الآن عن يمين الآب، وظل كما الآب والروح القدس حال في كل مكان، لذا ما من مكان في الكون هو غائب عنه.

إقرار إيماني إنجيلي عن البشر والخطية والخلاص

إن الجنس البشري، رجالًا ونساءً، مخلوقون على صورة الله. فما من مخلوق آخر يتميَّز بهذه الكمالة والكرامة التي ينطوي عليها البشر. وحين خُلِق آدم وحوَّاء (أول رجل وأول امرأة) كانا بارين، أي إنهما لم يقترفا أي خطيَّة. لكن للأسف، سقطا في غواية إبليس، وأضحيا خطاةً، وأزلقا الجنس البشري برمَّته إلى الخطيَّة معهما. ونتيجة لذلك، كل إنسان مولود مذنب بخطيَّتهما وتلطَّخت طبيعته بالفساد الأخلاقي، وصار البشر أيضًا ميَّالين للخطيَّة والسقوط في غواية إبليس، ومذنبين أمام الله بسبب خطاياهم. وعلى الرغم من أن البشر يدركون ذنبهم، لكنهم عاجزون عن محوه بأنفسهم حتى يُقامون في علاقة خلاص مع الله. ولن يَعْلموا فداء الله إلَّا بالإعلان الإلهي وحده في المكتوب، ولن يستطيعوا اختيار قبول فداء المسيح لخطاياهم من أجلهم إلَّا بقوَّة الروح القدس.

فالله، من محبته العظيمة للبشر خليقته، أرسل يسوع إلى الأرض ليحقِّق خلاصهم. ففي حياة يسوع، أظهر ماهيَّة الحياة التقيَّة الكاملة. لكن الكتاب المقدَّس واضح بشأن أن أجرة الخطيَّة موت، لا عيش حياة مثاليَّة بلا خطيَّة. فلا موت أي إنسان بمقدوره دفع ثمن خطاياه نفسه، نحِّ جانبًا خطايا الآخرين، ليرفع عن ذاته العقوبة. لكن المسيح بصفته كاملًا بلا خطيَّة ونائبًا عنَّا، استطاع دفع الثمن عن خطايا كل إنسان. لذا بإمكان أي إنسان نيل غفران الخطايا وتأسيس علاقة خلاص مع الله إذا اختار بالإيمان قبول فداء المسيح عن خطاياه.

يؤمن أيضًا اللاهوت الإنجيلي بأن الروح القدس، الأقنوم الثالث في الثالوث، يبكِّت العالم على خطيَّة وعلى بر وعلى دينونة (يوحنا 16: 8). إذ عليه تحريك إرادة البشر لقبول المسيح مخلِّصًا شخصيًّا من الخطيَّة. فحين يولدهم الروح القدس ثانيةً ويهبهم طبيعة جديدة (طبيعة تستجيب لطاعة الله)، يقبلون المسيح مخلِّصًا، ويحل فيهم، وكلما يُخضِعون مشيئتهم لطاعة المسيح، ينمون في إيمانهم مع تقديس الروح القدس لهم. كما يُوصَى المؤمنون بالامتلاء بالروح القدس، لكن هذا الامتلاء لا يعني استحالة السقوط في الخطيَّة، إنما يمكِّنهم من طاعة الله واتِّباعه، طاعة لم يكن بمقدورهم تقديمها كاملةً من ذاتهم. كما أن الروح القدس يُعلِّم المؤمنين ما يريد الله منهم أن يصنعوه في العموم وفي مواقف بعينها، بل يُمكِّنهم ويمنحهم القدرة لفعل ذلك.

أيضًا يؤمن الإنجيليُّون بأن كل من آمنوا بالمسيح مخلِّصًا قد اعتمدوا في جسده، الكنيسة. وهذا يشمل كل المؤمنين بالمسيح في الحاضر وكذلك طوال تاريخ الكنيسة. كما يؤمن الإنجيليُّون بأن على المؤمنين تأسيس كنائس حيث يقطنون. فهذه كنائس للطعام الروحي وللنمو الروحي وللعناية بأهلها. وأمر آخر وهو أن المؤمنين مُلزمون بربح غير مؤمنين للمسيح. وأيضًا قد أرسى يسوع للمؤمنين أن يحفظوا سِرَّيْن وهما المعموديَّة وعشاء الرب؛ فهما شعائر بها يُظهر المؤمنون ارتباطهم بالمسيح واتِّحادهم به متذكِّرين موته ودفنه وقيامته.

إقرار إيماني إنجيلي عن الأيام الأخيرة

على مدار التاريخ، تؤمن الكنيسة بأن مخلِّصها، يسوع المسيح، سيعود إلى الأرض ليُؤسِّس ملكوته ويتسيَّد على كل الشعوب. مع ذلك، ثمَّة أراء متباينة حيال موعد عودة المسيح، والماهيَّة الدقيقة لطبيعة ملكوته، ومتى سيبدأ. فيؤمن “بعد الألفيِّين” بأنه إبان زمننا الحالي، سيؤمن بالمسيح ربوات وربوات من البشر، كما ستصبح الثقافات مسيحيَّة تدريجيًّا. وفي لحظة ما غير مُدرَكة، سيدخل العالم إلى زمن الملكوت، الذي في نهايته سوف يعود المسيح إلى الأرض بجسده مرئيًّا من كل البشر (فعلى هذا صُنِّفوا بعد الألفيِّين)، وستحدث دينونة واحدة أخيرة (رؤيا 20: 15-20؛ متى 25: 31-46)، حينها سيؤسِّس الله المُلك الأبدي.

أما اللا ألفيُّون، الذين يفضِّلون مصطلح الألفيَّة المُحققة، يؤمنون بأن المجيء الأول للمسيح قد جلب ملكوته إلى العالم وقَدَّم نفسه ملكًا. وبالرغم من أن غالبيَّة البشر يرفضون المسيح مُخلِّصًا، لكن بانتشار الإنجيل والتجاوب الإيجابي معه، يوَسِّع المسيح ملكوته. فهذا الملكوت في غالبيته ملكوت روحي الطبيعة، إذ بالطبع، حين يقبل الناس المسيح، يجعلون العالم أكثر صلاحًا ممَّا هو عليه. لكن، خلافًا لبعد الألفيِّين، لا يرى “اللا ألفيُّون” أن العالم يصير أكثر صلاحًا أو مسيحيَّةً أو أيهما. إنما يؤمنون بأن الزمن الحالي يرتفع نحو ذروة فساده، وعليه فالظروف على الأرض روحيًّا أو أيًّا كانت تغدو أكثر شرًّا وأقل صلاحًا. وفي نهاية الزمن الحالي، سوف يعود المسيح إلى الأرض بجسده وستراه كل الأمم، وسيقيم دينونة واحدة أخيرة ويتبعها تأسيس المُلك الأبدي.

ولدينا “القبل ألفيِّين” المؤمنون بأن العالم في رمقه الأخير، وسيدخل بعدها إلى حقبة خاصة من التجارب والضيقات لمدَّة سبعة أعوام. كما يؤمنون بأن المسيح سوف يعود من أجل كنيسته سواء في مقتبل الضيقة أو إبانها أو في نهايتها ليُعيد المؤمنين إلى موطنهم معه (1 تسالونيكي 4: 13-18؛ 1 كورنثوس 15: 50-57). ويطلق على هذا الحدث “اختطاف الكنيسة”؛ الذي إن وقع، لن يعود فيه المسيح بجسده ليقف على كوكب الأرض، إنما سيصعد المؤمنون الأحياء وسيُقام الأموات منهم لملاقاته على السحاب. وفي نهاية الضيقة، سوف يعود الرب من السماء إلى الأرض، ومن خلفه أجناد السماء (رؤيا 19: 11-21)، ليُهلك الأمم التي اضطهدته واضطهدت شعبه، وسيبدأ مُلك ملكوته. وهذا المُلك الألفي سيستمر لألف سنة، وفي نهايته، سَيُحَل إبليس (الذي كان مسجونًا طوال الألف سنة هذه) ليقود لمرَّة أخيرة تمرُّدًا ضد الله وشعبه. لن يفلح هذا التمرُّد، وسيُلقى إبليس في بحيرة النار (رؤيا 20: 1-10). وفي نهاية الملكوت، سوف يُدمِّر الله السماوات والأرض الحاليين، وسيُقيم كل الأموات، وستُقام دينونة العرش الأبيض العظيم (رؤيا 20: 11-15). فعقب الدينونة، سيُلقى الهالكون في بحيرة النار ليُعذَّبوا إلى الأبد. في المقابل، سيقضي المؤمنون الأبديَّةَ مع الله (الآب والابن والروح القدس). وبعد انتهاء دينونة العرش الأبيض العظيم، سيخلق الله سماءً جديدة وأرضًا جديدة (رؤيا 21-22؛ 2 بطرس 3: 10-13) ويؤسِّس المُلك الأبدي.

بالرغم من اختلاف الآراء المذكور أعلاه حيال الأيام الأخيرة، يؤمن كل الإنجيليِّين بقيامة الأموات. فالذين آمنوا بالله وصدَّقوه سيحيون معه إلى الأبد لينعموا ببركات خلاصهم. أمَّا الذين خارج علاقة الخلاص مع الله سيُلقون في بحيرة النار ليتعذَّبوا عذابًا أليمًا حقيقيًّا وواقعيًّا إلى الأبد. فالإنجيليُّون لا يؤمنون بفرصة ثانية بعد الموت لغير المؤمنين لكي يعودوا إلى الله ويخلصون. فوقت قبول المسيح وإقامة علاقة خلاص مع الله قائمة هنا على الأرض خلال حياتنا الحالية.

الخِتام

إن الشرح الموجَز أعلاه للَّاهوت الإنجيلي يبرز عقائده الجوهريَّة والمحوريَّة. لكن بالطبع يؤمن الإنجيليُّون بالكثير من العقائد الثانويَّة في شتَّى الموضوعات مثل عدد شيوخ الكنيسة المحليَّة وأدوارهم، وكيفيَّة نقل الشِق الروحي للبشر من جيل إلى آخر، وتوقيت اختطاف الكنيسة، وإلى آخره. ثمَّة مداولات لوجهات النظر حيال تلك المعتقدات الثانويَّة، طالما لا يؤمن المرء بما قد يتعارض أو ينكر المعتقدات الإيمانيَّة المركزيَّة كما يعلِّمها الكتاب المقدَّس.

شارك مع أصدقائك

رئيس قسم اللاهوت النظاميّ في كليّة ترينتي الإنجيليّة للاهوت.