التَعْرِيفٌ
دَعْوَةُ الله دَعْوَةٌ عامَّة، هي دَعْوَةُ الإنجيل التي تَدْعُو الكلَّ بلا تمييزٍ، وأيضًا دَعْوَةٌ خاصَّةٌ، فَعَّالَةٌ، دَعْوَةٌ رُوحِيَّةٌ فيها يَدْعُو الله الآبُ المختارِين لابْنِهِ بقوَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ.
المُوجَزٌ
دَعْوَةُ الإنجيلِ عامَّةٌ وخاصَّةٌ. الدَّعْوَةُ العامَّةُ هي دَعْوَةُ الإنجيلِ المكروزُ به إلى الكُلِّ دون تمييزٍ، بينما الدَّعْوَةُ الخاصَّةُ هي دَعْوَةُ الله الداخِلِيَّةُ، الرُّوحِيَّةُ للمختارين، المتزامِنَةُ مع التَّجْدِيدِ. جميعُ من اختارَهُم الله أزلاً مدْعُوُّون بشكلٍ خاصٍّ من الله، وهذه الدَّعْوَة فَعَّالَةٌ في قوِّتِها ونتيجتها. عن طريقِ دَعْوَةِ الله، يَتَجَدَّدُ قلبُ الخاطئِ وَتَتَحَرَّرُ إرادَتُهُ؛ ولهذا السَّبَبِ، تَسْبِقُ الدَّعْوَةُ الفَعَّالَةُ منطقيًّا التَّوبَةَ، أي الإيمان بالمَسِيحِ. كلُّ من يُدْعَى بهذِهِ الطَّرِيقَةِ سوف يُبَرَّرُ، ويُمَجَّدُ، وفي النهايَةِ، يعودُ كلُّ المجدِ لله الذي يَعْمَلُ هذا التغييرَ فينا بدعوَتِهِ.
عندما نتأمَّلُ نطاقَ خلاصنا – ما يُطلق عليه اللاهوتيون أوردو سالوتِس ordo salutis أي “نظام الخلاص” – من أين نَشَأَ وما هي نقطةُ الانْطِلاقِ الأُولَى؟ الجوابُ هو دَعْوَةُ الله. كلُّ شيءٍ ينْبُعُ من الدَّعْوَةِ الِإلَهِيَّةِ الأُولَى، المُخلِّصَةِ للخاطئِ، والفَعَّالَةِ ليؤمِنَ بِيَسُوعَ المَسِيحِ. يمكِنُ تصوُّرُ الأَمْرِ على هذا النحو:

يحبِّذُ الپيوريتانز أي التطهيريون، مثل وِليام پيركنز، الإشارة إلى نظام الخلاص بـ “السِّلْسِلَةِ الذَّهَبِيَّةِ”. كلُّ حلْقَةٍ من هذه السِّلْسِلَةِ لا تنفصل عن الحلْقَةِ التَّالِيَةِ لها، وهكذا تُشَكِّلُ الحَلَقَاتُ معًا سِلْسِلَةً لا يمكن قطعها. إن النداءَ الإلهي أو دَعْوَةَ الله الفَعَّالَةَ هي الحَلْقَةُ الأُولَى، التي نتكلَّمُ عنها أحيانًا كمرادِفٍ للتجديدِ (الولادة الجديدة)، هي الوالِدَةُ لكلِّ شيءٍ يأتي بعدها. في هذه الدَّعْوَةِ، يُوحِّدُ الرُّوحُ القُدُسُ الخاطئ أولاً بِيَسُوعَ المَسِيحِ؛ وفي حقيقة الأَمْرِ، يُدْعَى الخاطئُ إلى المَسِيحَ، لِيَنْعَمَ بكلِّ بركاتِ الخلاصِ الموجودةِ فيه، بما في ذلك الإيمانِ، والتَّوبَةِ، والمكانَةِ الجديدَةِ من جِهَةِ البِّرِّ (التَّبْرِير)، والتَّبَنِّي في عائلة الله، والتغيُّر على صورَةِ المَسِيحِ (التَّقْدِيسِ)، وفي يومٍ من الأيامِ سيَنْعَمُ بالتمجيدِ ذَاتِه.
دَعْوَةُ الإنْجِيلِ
لكن لِفَهْمِ دَعْوَةِ الله، ينبغي إدراكُ وُجِودِ نوعين من الدَّعْوَةِ منذ البدايَةِ. أولاً، دَعْوَةُ الإنجيل، التي تَتَمَثَّلُ في رسالَةِ الإنجيلِ التي يُنادَى بها لِتَصِلَ إلى الخُطاةِ. تَنْطَلِقُ هذه الدَّعْوَة أثناء الوعظِ المِنْبَرِيِّ، بِيَسُوعَ المَسِيحِ، بصلْبِهِ وقيامتِهِ، أو بالمشاركة في أيَّةِ حواراتٍ كرازيَّةٍ. ودَعْوَةُ الإنجيلِ هي للكلِّ دون تمييزٍ، والمقصودُ بها أن تَصِلَ إلى كلِّ من يسمعُها. هي دَعْوَةٌ لا تعرِفُ الحواجِزَ، بل تنطَلِقُ بحرِيَّةٍ، وعلى نحو عالمِيٍّ إلى كلِّ من يسمعها. ولذلك، تتمُّ الإشارةُ إليها أحيانًا باسم دَعْوَةِ الله العَامَّةِ. ودَعْوَةُ الإنجيلِ العَامَّةُ تَدْعُو الخطاةَ بالفعلِ إلى التَّوبَةِ والثِّقَةِ بالمَسِيحِ (مَتَّى 28:11؛ لُوقَا 23:14)، وَاعِدَةً بأنَّ أيَّ إنسانٍ يُؤمِنُ به يَنْعَمُ بغفرانِ الخطايا، وينالُ الحياةَ الأبديَّةَ، التي لا يُمْكِنُ لأحدٍ أن يَمْنَحَها إلا المَسِيحُ نفسُه.
عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ، يُعْلِنُ المَسِيحُ لسامِعِيهِ: “تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ وَأَنَا أُرِيحُكُمْ ” (مَتَّى 28:11). وفي مَرَّةٍ أخرى يقول: “إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ” (يوحنَّا 37:7). إنها دَعْوَةُ الإنجيل الموصوفَةُ بالنص الشَّهِيرٍ للبَشِيرِ يُوحَنَّا: “لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ” (يُوحَنَّا 16:3).
ومع ذلك، يُمكِنُ مقاومةُ هذه الدَّعْوَةِ العَامَّةِ، وذلك عندما يقاوِمُها كلُّ من يَسْمَعُ الإنجيل ولا يُؤْمِنُ بالمَسِيحِ. هذا ما ردَّدَه اسْتِفَانُوس كثيرًا، قَبْلَ استشهادِهِ: “يَا قُسَاةَ الرِّقَابِ وَغَيْرَ الْمَخْتُونِينَ بِالْقُلُوبِ وَالآذَانِ أَنْتُمْ دَائِمًا تُقَاوِمُونَ الرُّوحَ الْقُدُسَ. كَمَا كَانَ آبَاؤُكُمْ كَذَلِكَ أَنْتُمْ” (أَعْمَال الرُّسُلِ 51:7). لم يكُنْ هذا جديدًا على اسْتِفَانُوس، لأن الرَّبَّ يَسُوع نفسَه قد وَاجَه هذا الرفض: “يَا أُورُشَلِيمُ يَا أُورُشَلِيمُ يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا وَلَمْ تُرِيدُوا!” (مَتَّى 37:33).
الدَّعْوَةُ الفَعَّالَةُ
إلا أن دَعْوَةَ الإنجيلِ لَيْسَتْ النَّوعَ الوحِيدَ الذي يَصِفُهُ الكِتَابُ المُقَدَّسُ. هناك أيضًا دَعْوَةٌ فَعَّالَةٌ، أو ما يُشَارُ إليه أحيانًا بدَعْوَةِ الله الخاصَّةِ. عندما تُعْلَنُ الكلمة (دَعْوَة الإنجيل العَامَّة) وتَصِلُ لآذانِ سامِعِيها، يَعْمَلُ اللهُ في قُلُوبِ مختارِيهِ، إذ يَدْعُوهُم الآبُ إلى ابْنِهِ بقوَّةِ رُوحِه القُدُّوس. ولهذا النَّوعِ الثَّاني من الدَّعْوَةِ عنصران جديران بالانْتِبَاهِ.
أولًا، هذه الدَّعْوَةُ لَيْسَتْ عَالَمِيَّةً بل خَاصِّةً. فقد اخْتَارَ الله مختارِيهِ أَزَلاً، لا لأيِّ شيءٍ فِيهِم، ولا حَتَّى إيمانِهِم. وفي الوقْتِ المُنَاسِبِ، يَدْعُو الله مَن اختارهم لِخَلاصِ ابْنِهِ، مُتمِّمًا ما قَضَى به أزلاً. بخلافِ دَعْوَةِ الإنجيل العَامَّةِ، المُوجِّهَةِ إلى جميعِ النَّاسِ، فإن الدَّعْوَةَ الفَعَّالَةَ محدَّدَةً، تتحقَّقُ في قُلُوبِ مختارِيِّ الله وَحْدَهم. في هذه الدَّعوةِ، يشبه الرُّوحُ على حَدِّ تعبير الرَّبُّ يَسُوع الرِّيحَ التي “تَهُبُّ حَيْثُ تَشَاءُ وَتَسْمَعُ صَوْتَهَا لَكِنَّكَ لاَ تَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ تَأْتِي وَلاَ إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ” (يُوحَنَّا 8:3)، مُسَلِّطًا الضَّوءَ على سِيادَةِ الله.
ثانيًا، هذه الدَّعْوَةُ لَيْسَتْ خَاصَّةً بمختارِيَّ الله فقط، بل هي فَعَالَةٌ في قُوَّتِها ونتيجَتِها. بتعبيرٍ آخر، دَعْوَةُ الله لِمُختارِيهِ تنجَحُ في عَمَلِها. كما أن قرارَ اختيارِ الله في الأزل لا يَتَوَقَّف على إرادَةِ الخاطئِ، كذلك دَعْوَتَهُ الخاصَّةَ لا تعتَمِدُ على إرادَةِ الخاطئِ. في وَاقِعِ الأَمْرِ، إرادَةِ الخَاطئِ مُقيَّدَةٌ بالخَطِيَّةِ (رُومِيَة 7:8-8)، كما يَتَّسِمُ الخاطئُ في انشغالُهُ بأمُورِ الله بالعجزِ الرُّوحِيِّ.
لكن عندما يَدْعُو الله الخاطئَ ويجدِّدُهُ بِدَعْوَتِهِ الفَعَّالَةِ، تَتَحَرَّرُ إرادَتُهُ ومن ثمَّ يمكِنُهُ التَّوبَةُ والثِّقَةُ في المَسِيحِ. وهذا يعني، إذن، أن دَعْوَةَ الله الفَعَّالَةَ في نظامِ الخَلاصِ وترتِيبِهِ، بما يصاحِبُها من تجدِيدٍ، لا بُدَّ أن تَسْبِقَ منطقيًّا الاهتداءَ إلى المَسِيحِ (أي التَّوبَة إليه والإِيمان بِهِ). إن لم يَدْعُ الله مختارِيهِ بنعمَةٍ مقتَدِرَةٍ وَفَعَّالَةٍ، لا يُمْكِنُهِم أن يؤمنوا أو حتى تكون لَدَيهم الرَّغْبَةُ في أن يُؤْمِنُوا.
يَسُوعُ والدَّعْوَةُ الفَعَّالَةُ: يُوحَنَّا 6
في يُوحَنَّا 6، وَضَعَ الرَّبُّ يَسُوع في اعتباره هذه الدَّعْوَةَ الفَعَّالَةَ. بغضِّ النَّظَرِ عن كَمِّ الآياتِ التي صَنَعَها المَسِيحُ، لم يؤمِنْ به اليهودُ السَّامِعِين. لقد كانوا عُمْيَانًا رُوحيًّا. ومع أنهم ظَنُّوا أنفسَهم أحرارًا، كانوا مستعبدين. لقد استاءوا من الرَّبِّ يَسُوع، وعندما قال لهم الرَّبُّ: “أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ” (41:6)، بدأوا يَتَذَمَّرون، كأجدادهم في البرية، فأجابهم الرَّبُّ: “لاَ تَتَذَمَّرُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ. لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْبِلَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ” (يُوحَنَّا 43:6-44).
يُسَلِّطُ الرَّبُّ يَسُوعُ المَسِيحُ الضَّوءَ على عجْزِهِم عن المجيءِ إليه، وعلى فَعَالِيَّةِ دَعْوَةِ الله، إذ لا يَقْدِر أَحَدٌ أن يَأْتِي إن لم يجتَذِبُه الآبُ. إن وُجودَ نَبْرَةِ تعيينٍ مُسْبَقٍ في كلماتِ الرَّبِّ يَسُوع هو أَمْرٌ واضحٌ فيما قاله الرَّبُّ قَبْل هذه النُّقْطَةِ: وَلَكِنِّي قُلْتُ لَكُمْ إِنَّكُمْ قَدْ رَأَيْتُمُونِي وَلَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ. كُلُّ مَا يُعْطِينِي الآبُ فَإِلَيَّ يُقْبِلُ وَمَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا” (يُوحَنَّا 36:6-37). لاحِظْ أن الرَّبَّ لم يَقُلْ “من يَأتِي إليَّ يُعطيني الآبُ”، بل قال: “كُلُّ مَا يُعْطِينِي الآبُ فَإِلَيَّ يُقْبِلُ”. إن قَرارَ اختيارِ الله يُنْجُم عنه مجيءُ الخطاةِ إلى الرَّبُّ يَسُوعَ. ما لم يَجْذِبْ الله الخطاةَ، لن يَأتِيَ أيٌّ منهم إلى الرَّبِّ على الإطلاقِ. إزاءَ استمرارِ اليهودِ في عَدَمِ الإيمانِ، قال لهم الرَّبُّ مُجَدَّدًا: “لِهَذَا قُلْتُ لَكُمْ إِنَّهُ لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يُعْطَ مِنْ أَبِي” (يُوحَنَّا 65:6).
في ضَوءِ يُوحَنَّا 6، لا عَجَبَ أن يَصِفَ اللاهوتيين هذه الدَّعْوَة بأنها “فَعَّالَةٌ”. في هذه الدَّعوَةِ لا يتعاونُ الإنسان مع الله (كما لو أن الخَلاصَ سينِرْچيًّا أي بالشَّرَاكَةِ)، كما أنه لا يَقْدِرُ على مقاومَتها أو صَدِّ نِعْمَةِ الله فيها – لأنه كيف يَتَأَتَّى للإنسانِ الخاطئِ ذلك وهو مُسْتَعْبَدٌ رُوحِيًّا، وتحتَ سِيادَةِ المَوتِ؟ بالأحرى، هذه الدَّعْوَةُ نداءٌ لا يَمْنَحُ فقط حياةً جديدةً، بل يخلق الحياةَ من جديدٍ داخل الخاطئِ، وعلى الأكثرِ، يشبِهُ الأَمْرُ كلماتِ الرَّبِّ يَسُوع القويَّةَ: “لِعَازَرُ هَلُمَّ خَارِجًا!” (يُوحَنَّا 43:11). لهذا السَّبَبِ، هذه الدَّعْوَةُ، بحسبِ نوعها، لا، ولن يُمْكِنَ لها أن تَخِيبَ في تحقيقِ مَهَمَّتِها في الإتْيانِ بمختارِيِّ الله ليتَّحِدوا بالمَسِيحِ. إنها دَعْوَةٌ إلهيَّةٌ فَعَّالَةٌ. ولذلك رأى بعضُ اللاهوتيين أن الدَّعْوَةَ الفَعَّالَةَ والتجديدَ (أي الولادَةَ الثانِيَةَ الجديدَةَ) هما وجهان لِعُمْلَةٍ واحِدَةٍ.
الرَّسُول بُولُس والدَّعْوَة الفَعَّالَة
نَتَعَلَّمُ عن الطَّبيعَةِ الفَعَّالَةِ لهذه الدَّعْوَة، ليس فقط من الرَّبِّ يَسُوع، بل من الرَّسُول بُولُس أَيْضًا. في حَقِيقَةِ الأمْرِ، يُسَلِّمُ الرَّسُول بُولُس بها في مواضِع كِتَابِيَّة كثيرة، لكن لنأخُذ مثالاً واحِدًا فقط في (رُومِيَة 28:8-30)، حيث يكتبُ الرَّسُول هذه الكلماتِ:
- وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ. لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ لِيَكُونَ هُوَ بِكْرًا بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ. وَالَّذِينَ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ فَهَؤُلاَءِ دَعَاهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ دَعَاهُمْ فَهَؤُلاَءِ بَرَّرَهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ بَرَّرَهُمْ فَهَؤُلاَءِ مَجَّدَهُمْ أَيْضًا.
أولًا، لا يَضَعُ الرَّسُول بُولُس في اعتباره الكلَّ أو أيَّ شخصٍ (كما هو الحال مع دَعْوَةِ الإنجيل العامَّة). نَعْلَمُ أنه يَقْصِدُ مختارِيَّ الله لأنه يقولُ إن المدْعُوِّين هم أيضًا المُعَيَّنون سَابِقًا. يقينًا، لا يجوزُ هذا القَوْلُ على غيرِ المختارِين. (لِفَهْمِ هذه الصِّلَةِ بين التَّعْيين المُسْبَقِ والدَّعْوَةِ الفَعَّالَةِ بشكلٍ أَكْبَرٍ، انْظُرْ: رُومِيَة 11:9-12، 23-26؛ 1 كُورِنْثُوس 9:1؛ 2 تِيمُوثَاوُس 9:1؛ 1 تَسَالُونِيكِي 23:5-24؛ 2 تَسَالُونِيكِي 13:2-14).
ثانيًا، ثَمَّة حَلْقَةٌ أو سِلْسِلَةٌ لا تنقَطِعُ في فِكْرِ الرَّسُول بُولُس. لقد سَبَقَ اللهُ وَعَرَفَ وعيَّنَ مُسْبَقًا منذ الأَزَلِ، ثم دعا من سَبَقَ وَعَيَّنَهُم. ومن يَدْعُوهُم الله، بعد ذلك يتبرَّرُون، والمتبرِّرون سَوفَ يمُجِّدُهم الله أيضًا. فقط إن كانتْ الدَّعْوَةُ فَعَّالَةً، يُمْكِنُ للرَّسُول بُولُس أن يكونَ على يَقِينٍ من أن التَّبْرِيرِ والتَّمْجِيدِ تاليان للدَّعْوَةَ.
القُوَّةُ المُوَّحِدَّة للكَلِمَةِ والرُّوح
ثَمَّة مقاطِعٌ كتابِيَّةٌ أخرى كثيرةٌ تَدْعَمُ هذه الدَّعْوَةَ الفَعَّالَةَ في رَسائِلِ الرَّسُول بُولُس (١ كُورِنْثُوس 18:1-31؛ غَلاطِيَّة 15:1-16؛ أَفَسُس 1:4-6؛ كُولُوسِّي 15:3؛ 1 تِيمُوثَاوُس 12:6؛ وغيرها)، وفي رِسَالَتَيِّ الرَّسُول بُطْرُس (١ بُطْرُس 14:1-15؛ 9:2-10، 21؛ 10:5؛ 2 بُطْرُس 3:1-5، 10). لكن جَدِيرٌ بالانتباهِ أنه لا ينبغي اعتبارُ الدَّعْوَةَ الفَعَّالَةَ مناقِضَةً لدَعْوَةِ الإنجيل العَامَّة. صحيحٌ أنهما متميِّزان، لكن عندما يَدُعُو الله مختارِيهِ دَعْوَةً فَعَّالَةً، فإنه يفعلُ ذلك عن طريقِ دَعْوَةِ الإنجيلِ العَامَّةِ. عندما يُكْرَزُ بكَلِمَةِ الإنجيل، يعمَلُ الله فيها لِيَدْعُوَ مختارِيهِ إليه، إلى من هو موضوعُ الإنجيل، إلى يَسُوعَ المَسِيحِ. بإيجازٍ، هذه الدَّعْوَة ليسَتْ دَعْوَةً إلى الله على نحوٍ مجرَّدٍ من الشَّخْصِيَّة، بل هي دَعْوَةُ الآبِ لِمُخْتارِيهِ إلى ابْنِهِ بِقُوِّةِ رُوحِهِ ذي القُدْرَةِ المُطْلَقَةِ.
ونتيجةً لذلك، لَيْسَ لنا فَضْلٌ في هذه الدَّعْوَةِ. بل يعودُ كلُّ الفَضْلِ والمَجْدِ إلى إلهنا الثالوثِ القدُّوسِ. فإن لم يَدْعُنا الله بقوِّتِهِ التي لا تُقَاوَم، لَصِرْنَا هالكِين رُوحِيًّا، مُنْسَاقِين بِصَوتِ الحَيَّةِ القَدِيمَةِ.

