الاكتئاب والخِدمة [2]: مُخاطرة القيادة

في المقال السابق، قَدم پول تريپ أدلة قاطعة عن أسباب تَفشي الاكتئاب في الأوساط الكنسيّة والرَعَويّة. واستكمالًا لهذه المُناقَشة، سيكون تَركيزنا في هذا المقال مُنصبًا على إجابة هذه الأسئلة: “ما هو الاكتئاب؟ ما هي التحديات الفَردية الشائعة بين الخُدّام والقسوس والتي تؤدي إلى الاكتئاب كَونها “مسؤوليات رعويّة “؟”

سيناريو شائع

كان للقِس بيل وزوجته ليزا كنيسة مزدهرة وكان زواجهما جيدًا، لكن كان هُنالِك مشكلة ما. فلأكثر من ستة أشهر، شَعر بيل بالضغط العصبيّ طيلة الوقت. ووجد نفسه ينفجر غضبًا في وجه اطفاله ويبتعد عن زوجته الحَبيبة. وأصبح تَحضيره للعِظات امرًا شاقًا. وشغفه المُعتاد للمَنبر قد فُقِد. بدأ يخشى أيام الآحاد ومواجهة رعيّته ومخدوميه وإلقاء العِظة. كما توقف حتى عن مُمارسة الرياضة المُفضلة له.

فَقَد بيل زوجته الأولى مُنذ عِدة سَنوات، ولكنه نجح في التعامُل مع ألم خُسارتها بشكل مُدهش جدًا. لقد استمر في الوعظ وخِدمة الآخرين، وكانت فترة حزنه قصيرة نسبيًا. وبعد رَحيل زوجته بعامين، تزوج مرة أخرى بامرأة تقيّة. فصرف النظر عمّا كان يتصارع معه في الفترة الأخيرة، كان بيل وزوجته الجديدة وعائلته في وضعٍ ممتاز. ولكن ابتدأ كلًا مِن زوجته وشيوخ الكنيسة في القلق بشأن الإرهاق الذي بَدى عليه. هل هو يعاني من أزمة مُنتَصف العُمر، أم يَمُر بفترة فِتور روحيّ، أم يُعاني من مشكلة جسديّة تَستَنزِف طاقته؟ لم يتمكن بيل من معرفة السبب. كانت حياته الروحية فاترة، لم يَستطع التركيز في الصلاة، وبسبب القلق لم يَنم في كثير من الليالي. لقد أتى لي بيل طالبًا للمشورة، مُتسائلًا عما يجتاز فيه، وكان يريد فقط أن تَعود حياته إلى طبيعتها.

أسباب الاكتئاب

لا شك أن الاكتئاب يمكن أن ينشأ بسبب خطية غير مُعترف بها كما نري في مزمور 51 مع داوُد الملِك. لكنه أيضًا ممكن أن يكون جزءًا من معاناة بسبب فقدان ما، أو بسبب الإرهاق الروحيّ. ومن المُمكِن أن يكون هناك أسباب طبيّة تؤدي لأعراض اكتئاب مثل: اضطراب الغدة الدرقيّة، أو توقف التنفس أثناء النوم، أو مرض السُكري. لِذا من المهم إجراء تقييم شامل واستبعاد أي عوامل طبيّة قبل التركيز على ما بداخل القلب الإنسان.

إن أعراض الاكتئاب قد تكون في بعض الأحيان كضوء وهمي على لوحة قيادة السيارة، لكن، إذا تم تجاهُلها، فقد يؤدي ذلك في النهاية إلى احتراق المُحرّك. فيما يلي بعض أعراض الاكتئاب الشائعة، فكّر فيها لترى ما إذا كانت موجودة في حياة بيل أو حياتك أنت.

أعراض الاكتئاب

صعوبة التَركيز وتذكُر التفاصيل واتخاذ القرارات

الإعياء وفقدان الطاقة

مشاعر اليأس و/ أو تشاؤم

الأرق أو النوم المُفرِط

الانفعال ونفاذ الصبر

فقدان الاهتمام بالأنشطة أو الهوايات التي عادةً ما كان يُستَمتَع بها

الإفراط في الأكل أو فقدان للشهية

ألم جسدي مستمر، أو صداع، أو تقلص بعض العضلات، أو مشاكل في الجهاز الهضمي

الشعور بالذنب، انعدام القيمة، و/ أو العجز

استمرار مشاعر الحزن أو القلق أو الفراغ

التفكير في الانتحار ومحاولة الانتحار

علينا التفكّر في الاكتئاب على أنه حلقات مُتصلة متنوعة تبدأ بالخفيف إلى أن تصل إلى الاكتئاب الحاد. الاكتئاب الخفيف يُصاحبه القليل من هذه الأعراض كالتعب، زيادة أو نُقصان الشَهية، الأرق، فترات الإحباط أو الحزن، صعوبة التركيز، و/أو فُقدان الشغف. وقد يكون الانفعال ونفاذ الصبر هم الأكثر انتشارًا.

وقد يُصاحِب الاكتئاب المتوسط أيضًا فترات من اليأس، مشاكل جسدية مزعجة، الشعور بالوحدة، وفقدان المتعة في معظم الأشياء التي عادةً ما كانت في قائمة الاهتمامات.

أما الاكتئاب الحاد، فمِن المُحتمَل أن يُصاحبه الشعور بالذنب وانعدام القيمة، بُكاء غير مُنضَبط والميل للعُزلة غير المُنضَبطة، وصعوبة في العَمل وحتى في الاهتمام بالاحتياجات الأساسية، الإرهاق، والخمول الجسدي. وإذا تُرِك دون اتخاذ الخطوات اللازمة، فقد يؤدي إلى أفكار وسلوكيات انتحارية.

الضعف الخاص بالخُدّام والقسوس

في قصة بيل، يُمكِننا أن نَري العديد من أعراض الاكتئاب المتوسط. لقد تَجاهل بيل الأعراض السابقة ولم يعط نفسه الفرصة للحزن حقًا على فقدان زوجته. وبرغم أنه كان يبدو كما لو أنه يتأقلم بشكل جيد مع الفُقدان والضغط المتزايد عليه بسبب كونه أب وحيد، كان في الواقع يَنحدِر ببطء نحو الاكتئاب الذي أثّر عليه روحيًا وجسديًا وعقليًا. وبدأ بيل في الاعتماد على سنوات خبرته كراعٍ مدفوعًا برغبة ألا يخزل الآخرين. فلم يَكُن يَخدُم مِن فيض علاقته الحية مع الرَب، ولم يَستَنِد على جماعة المؤمنين للحصول على الدعم والمساءلة المطلوبة.

مِثل بيل، يُصارع الكثير من القادة والخُدّام مع الشفافيّة لأسباب مختلفة. قد يبدو الأمر غريبًا أو غير منطقيًا، لكن في الأغلب القِس العادي ليس لديه نوعيّة الصَديق المذكور في أمثال 17:17. لقد سمعت منهم مرارًا وتكرارًا عبارات مثل: “مَن الذي يمكنني ان اُخبره؟” “من الذي يمكنني أن ائتمنه على هذا؟” “مَن الذي يمكنني الوثوق به؟” “أخشى أن أفقد خِدمتي.” وقد يردد القسوس بداخلهم ما قاله داوُد في الماضي: “لَيْسَ مَنْ يَسْأَلُ عَنْ نَفْسِي” (مز4:142).

مسألة أخرى يواجهها الخُدام والقسوس وهي الحرب الروحية. الشيطان عدوّ حقيقيّ، وهو يُجيد عَزل واستهداف القسوس وعائلاتهم. يشعُر العديد منهم بأنه مُنهَك وأنه منفصل عمّن حوله. وسرعان ما يخدمون من خارج مكانتهم في المسيح، مدفوعين بالخوف من آراء الآخرين، عوضًا عن الاعتماد والاستناد على جماعة المؤمنين.

عندما توقف بيل عن المثابرة، بدأ يصطنع الخدمة. فأصبح أكثر عُرضة للهجمات الروحية، والشعور بأنه مُنافِق، والركض وراء السَراب. يمكن أن تؤدي هذه “العاصفة العارمة” إلى اليأس الذي غالبًا ما تكون نهايته هو أن ترك القسوس والقادة للخِدمة.

من الهام أن تفكر ما إذا كان الاكتئاب قد أثر على خدمتك بالفعل، أم إن كنت بحاجة فقط إلى إجراء بعض تعديلات الآن، حتى تتجنب هذا المزلق في المستقبل.


تم نشر هذا المقال أولًا على موقع TGC: U.S Edition

شارك مع أصدقائك

غاريت هيغبي

حاصل على الدكتوراة في علم النفس، وهو المدير التنفيذي لخدمات "Biblical Soul Care" التابعة لكنيسة Harvest Bible في شيكاغو. وأيضًا مؤسس ورئيس خدمات Twelve Stones، في مقاطعة براون بولاية إنديانا. تَدرب هيجبي كطبيب نفسي متخصص في المشورة الأسرية. ولديه أكثر من 25 عامًا من الخبرة مع الأزواج والعائلات والشباب كمُشير ومدرب لأولئك الذين يقودون ويقدمون المشورة للآخرين.