إنَّ الادعاء بأنَّ المسيحية لم تنتشر إلا بفضل الاستعمار الأوروبي ادعاء يحتاج إلى مراجعة تاريخية ولاهوتية دقيقة. فصحيح أنَّ صعود الإمبراطوريات الأوروبية في العصر الحديث فتح أبواباً جديدة أمام بعض النشاطات التبشيرية، ووفّر في أحيان معيّنة ظروفاً سهّلت حركة المُرسلين، إلا أنَّ الإرساليات التبشيرية المسيحية في جوهرها لم تنشأ من المشروع الاستعماري، ولم تستمد شرعيتها منه، ولم تعتمد عليه في انتشارها.
فالدعوة إلى إعلان الإنجيل وتلمذة الأمم أقدم بكثير من عصر الاستعمار الأوروبي الحديث. وهي متجذرة في وصية المسيح نفسه لكنيسته، كما أنها كانت حاضرة في حياة الكنيسة منذ القرون الأولى. لذلك، لا يصح اختزال تاريخ الإرساليات المسيحية في علاقتها بالإمبراطوريات الأوروبية، لأن هذه العلاقة كانت معقدة، ومتغيرة، وأحياناً متوترة، وليست دائماً علاقة تعاون أو تبعية.
وقد نبّه نورمان إيثرينجتون في كتابه Missions and Empire إلى هذه النقطة حين أوضح أن تاريخ الإرساليات داخل الإمبراطورية البريطانية لا يمكن فهمه على أنه مجرد قصة إرساليات بريطانية، لأن كثيراً من المرسلين البريطانيين عملوا خارج حدود الإمبراطورية، كما أن عدداً كبيراً من الإرساليات العاملة داخل الإمبراطورية لم تكن بريطانية الأصل.[1] ومن هنا، يسعى هذا المقال إلى بيان أن انتشار المسيحية في الحقبة الاستعمارية كان في كثير من الأحيان متزامناً مع التوسع الإمبراطوري، لا ناتجاً عنه بالضرورة. فالعلاقة بين الإرساليات المسيحية والاستعمار علاقة تاريخية معقدة، تقوم على التداخل أحياناً، وعلى التوتر أحياناً أخرى، لكنها لا تلغي الأصل الكتابي والكنسي المستقل للعمل المُرسلي.
أولاً: الأساس الكتابي للعمل المُرسلي
لم تبدأ فكرة الإرساليات المسيحية في القرن السادس عشر أو السابع عشر مع توسع القوى الأوروبية، بل بدأت من وصية المسيح لتلاميذه. ففي الإرسالية العظمى قال الرب يسوع: «اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم» متى 28: 18-20. وهذه الوصية جعلت إعلان الإنجيل لجميع الشعوب جزءاً أساسياً من دعوة الكنيسة ورسالتها. كما يقدّم سفر أعمال الرسل أول نموذج عملي لطاعة الكنيسة لهذه الوصية، حيث انطلقت الكرازة من أورشليم إلى اليهودية والسامرة ثم إلى أقصى الأرض، بحسب وعد المسيح في أعمال الرسل 1: 8. وهذا يعني أن العمل المُرسلي بدأ قبل ظهور الاستعمار الأوروبي بقرون طويلة.
فقد عبر الرسل والمؤمنون الأوائل الحدود الجغرافية والإثنية والثقافية منذ القرن الأول. فقد كرز بولس في آسيا الصغرى واليونان وروما، وتشهد التقاليد المسيحية القديمة أن توما وصل إلى الهند، كما انتشرت المسيحية في شمال أفريقيا وبلاد الشام وبلاد فارس ومناطق واسعة من حوض البحر المتوسط. وهذا كله يؤكد أن الدافع الحقيقي للإرسالية لم يكن سياسياً، بل كتابياً ولاهوتياً. فالكنيسة لا تبشر لأنها تمثل دولة أو إمبراطورية، بل لأنها تخضع لسلطان المسيح. ومن منظور كتابي، المرسلون يُرسَلون باسم المسيح ومن خلال الكنيسة، لا بوصفهم أدوات في يد الحكومات.
لذلك، فإن العصر الاستعماري الحديث لم يكن سوى ظرف تاريخي واحد من ظروف كثيرة مارست الكنيسة من خلالها دعوتها الإرسالية. فالإرسالية وُجدت قبل الإمبراطوريات الأوروبية، واستمرت بعد زوال كثير منها.
ثانياً: الأساس التاريخي للعمل المُرسلي
يشهد تاريخ الكنيسة بأن العمل المُرسلي لم يكن وليد الاستعمار الحديث. ففي القرون الأولى والوسطى، انتشرت المسيحية في مناطق كثيرة لم تكن خاضعة لقوة أوروبية استعمارية. ففي القرن الخامس، حمل باتريك رسالة الإنجيل إلى أيرلندا، وكانت أيرلندا آنذاك خارج السيطرة الرومانية. وفي عام 597م، أرسل غريغوريوس الكبير أوغسطينوس الكانتربري إلى إنجلترا لتبشير الأنجلوسكسونيين. كذلك انتشرت المسيحية في أرمينيا، وإثيوبيا، وجورجيا، والنوبة، وبلاد فارس، وبعض مناطق الجزيرة العربية، بوسائل مختلفة مثل التجارة، والهجرة، والرهبنة، والشهادة المحلية. ولم يكن هذا الانتشار نتيجة استعمار أو نفوذ إمبرياليّ.
وهنا تظهر أهمية النظر إلى الصورة التاريخية الواسعة. فالمسيحية لم تكن ديانة أوروبية في أصلها، ولم يكن انتشارها العالمي مرتبطاً حصراً بالقوة الأوروبية. بل إن مناطق كثيرة خارج أوروبا عرفت المسيحية مبكراً جداً، وبعضها طوّر تقاليد مسيحية عريقة ومستقلة. ولهذا، فإن تزامن الإرساليات الحديثة مع التوسع الأوروبي لا يعني أن الإرساليات كانت مجرد نتيجة للاستعمار. فالعمل المُرسلي سبق الإمبراطوريات والمستعمرات، ثم استمر في أثنائها، ثم نما وازدهر في كافة أرجاء المعمورة بعد انهيارها.
ثالثاً: الإرساليات الحديثة لم تكن تابعة لمشروعٍ استعماري
حتى في العصر الحديث، بدأت بعض الحركات الإرسالية قبل فجر الاستعمار الأوروبي بوقت طويل. فقد بدأ المورافيون نشاطهم الإرسالي العالمي في ثلاثينيات القرن الثامن عشر، وأرسلوا مرسلين إلى الكاريبي وجرينلاند وغرب أفريقيا. كما ذهب وليم كاري إلى الهند عام 1793م، قبل أن تكتمل السيطرة السياسية البريطانية على الهند بالصورة التي عُرفت لاحقاً. ومع أن كاري عاش في سياق مرتبط بالقوة البريطانية، إلا أن رسالته لم تنبع من برنامج استعماري، بل من قناعة كتابية بضرورة إعلان الإنجيل للأمم.
كذلك أرسلت جمعيات تبشيرية مثل جمعية لندن التبشيرية، وجمعية الكنيسة التبشيرية، والمجلس الأمريكي للمفوضين للإرساليات الأجنبية مرسلين إلى مناطق كثيرة مثل تاهيتي، وهاواي، والصين، والشرق الأوسط. وكثير من هذه المناطق لم تكن في ذلك الوقت خاضعة لحكم استعماري مباشر. وهذا يبيّن أن المرسلين لم يكونوا دائماً يسيرون خلف الجيوش أو الإدارات الاستعمارية، بل كانوا يتحركون بحسب الفرص المتاحة لهم، وأحياناً وسط مقاومة سياسية شديدة.
رابعاً: توتر العلاقات بين المُرسلين والسلطات الاستعمارية
من الخطأ تصوير العلاقة بين الإرساليات والاستعمار كأنها علاقة تعاون دائم. ففي حالات كثيرة، نظرت السلطات الاستعمارية إلى المرسلين بريبة وخوف، لأنها كانت تخشى أن يؤدي النشاط التبشيري إلى اضطراب سياسي أو اجتماعي. ومن الأمثلة المعروفة أن شركة الهند الشرقية البريطانية عارضت العمل التبشيري في الهند لفترة طويلة، لأنها خافت أن تثير الكرازة المسيحية غضب السكان المحليين وتؤثر في مصالحها التجارية والسياسية.
وفي جنوب أفريقيا، وقف بعض المرسلين إلى جانب السكان الأصليين ضد ظلم المستوطنين واستغلالهم، مما وضعهم في مواجهة مع المصالح الاستعمارية. وفي مناطق أخرى، تعرّض المرسلون للتقييد أو الطرد أو الضغط، خاصة عندما دافعوا عن الضعفاء أو انتقدوا العبودية والعمل القسري والاستغلال.
هذا لا يعني أن جميع المرسلين كانوا بعيدين عن أخطاء زمنهم، ولا يعني أن الحركة التبشيرية كانت دائماً نقية من التأثر بالثقافة الغربية أو المواقف الاستعمارية. لكن التعميم بأنهم جميعاً كانوا أدوات للاستعمار لا ينسجم مع الوقائع التاريخية. فالصورة أكثر تعقيداً، وفيها تعاون أحياناً، وتوتر أحياناً، ومعارضة صريحة أحياناً أخرى.
ومن الناحية اللاهوتية، يجب التمييز بين ملكوت المسيح وممالك هذا العالم. فالرسالة المسيحية لا تقوم على القوة السياسية، ولا ينبغي أن تُخلط بأي مشروع إمبراطوري. وكلما ارتبطت الكنيسة بالسلطة السياسية ارتباطاً غير صحيح، تضررت شهادتها أمام الشعوب.
خامساً: انتشار العمل المُرسلي في بُلدان لم تُستعمر قط
من أقوى الأدلة ضد فكرة أن العمل المُرسلي لم ينتشر بفضل الاستعمار، أن الإيمان المسيحي نما في بلاد لم تخضع للاستعمار الأوروبي أو لم تكن تحت سيطرة أوروبية مباشرة. فكوريا مثلاً شهدت نمواً مسيحياً كبيراً، وكان للمؤمنين المحليين دور رئيسي في هذا النمو. كما أن اليابان، مع أنها لم تقع تحت استعمار أوروبي مباشر، عرفت وجوداً مسيحياً وإرسالياً رغم القيود والمقاومة. أما إثيوبيا وليبيريا فقد حافظتا على استقلالهما السياسيّ، ومع ذلك ازدهر فيهم العمل المُرسليّ. وكذلك تايلاند استقبلت مرسلين من دول متعددة دون أن تصبح مستعمرة أوروبية.
هذه الأمثلة تبيّن أن انتشار المسيحية عبر العمل المُرسلي لا يمكن تفسيره تفسيراً استعمارياً بسيطاً. ففي كثير من الحالات، كان المؤمنون المحليون هم الأداة الأهم في نشر الإنجيل بين شعوبهم. فقد كان المرسلون الأجانب في كثير من الأحيان عوامل مساعدة أو محفزة، بينما كان السكان المحليون أكثر تأثيراً في تبشير جيرانهم.
وهذا مهم جداً لفهم تاريخ المسيحية العالمية. فالنمو المسيحي الكبير في أفريقيا، والصين، وأمريكا اللاتينية، وأجزاء واسعة من آسيا، حدث في معظمه بعد تراجع القوى الاستعمارية أو زوالها. وهذا يؤكد أن المسيحية لم تكن معتمدة على الإمبراطوريات لكي تبقى أو تنمو.
الخلاصة
إن القول بأن المسيحية انتشرت فقط بسبب الاستعمار الأوروبي تبسيط شديد للتاريخ، وتجاهل للأصل الكتابي للإرساليات، وإغفال لشهادة الكنيسة عبر القرون. فالإرسالية المسيحية بدأت من وصية المسيح، ومارستها الكنيسة منذ القرن الأول، وانتشرت في مناطق كثيرة قبل قيام الاستعمار الأوروبي الحديث.
نعم، وُجدت في بعض الأزمنة علاقة بين الإرساليات والقوى الاستعمارية، وأحياناً استفادت الإرساليات من طرق السفر والحماية التي وفرتها الإمبراطوريات. كما لا يمكن إنكار أن بعض المرسلين تأثروا بثقافة عصرهم، أو أخطأوا في الخلط بين الإنجيل والثقافة الغربية. لكن هذا لا يبرر اختزال العمل المُرسلي كله في المشروع الاستعماري.
[1] Norman Etherington, “Introduction,” in Missions and Empire (New York: Oxford University Press, 2007), 3.

