لماذا وُصِف السَّيّد المسيح بأنه كلمة الله؟

YouTube player


1. لقب حصري للمسيح

القرآن بيلقّب السَّيّد المسيح بأنه “كلمة الله” في سورة النساء 171، وسورة آل عمران 45، لما بيقول إن المسيح “رسول الله وكلمته” وأنه “كلمة منه [أي من الله]”. والحقيقة إن القرآن مش بيوضّح هو يقصد إيه من تعبير “كلمة الله”. لكن اللي نقدر نفهمه هو أن اللقب ده محدش تاني لقّب بيه غير المسيح. وده اللي بنشوفه مثلًا في صحيح مسلم، كتاب الإيمان، في حديث الشفاعة، لما الناس يجو يطلبوا شفاعة النبي موسى، فيقول لهم: اذهبوا إلى عيسى–كلمة الله وروحه.

2. اختلاف تفسير العلماء المسلمين

حتى المفسرين المسلمين اختلفوا في التفسير. فمنهم اللي قال: أن المسيح دُعي كلمة الله، لأن الله بشّر العذراء مريم بولادة المسيح. ولكن الله بشّر أيضًا إبراهيم بميلاد إسحاق (في سورة الصافات 112)، وبشّر زكريا بميلاد يحيى (في سورة آل عمران 39). ورغم كده اللقب ده لا يقال سوى على المسيح.

ومجموعة تاني من المفسرين المسلمين قالوا لأن المسيح، زيه زي آدم، خُلق بكلمة كُن، فسُميّ كلمة الله!

ولكن برضو، هل كل حاجة خلقها الله بكلمة كُن، نقدر نلقبها بكلمة الله؟ يعني هل نقدر نقول إن آدم كلمة الله؟ وإيه الدليل؟ الله كمان خلق الأرض بكلمة “كن”، وخلق الحيوانات بكلمة “كن”، بل وخلق الشيطان بكلمة “كن”، هل أي حاجة من دول نقدر نطلق عليها أنها “كلمة الله”؟

3. أصل معنى مصطلح كلمة الله

والشيء المحزن إن رغم إن المفسرين المسلمين اختلفوا في تقديم رأي منطقي لمصطلح “كلمة الله”، إلا أنهم اتفقوا على حاجة واحدة، وهي رفض التفسير المسيحي للتعبير ده! طب إيه هو التفسير المسيحي؟ وصف المسيح بأنه كلمة الله أصله موجود في بشارة الرسول يوحنا الأصحاح الأول. طب وهو إيه معنى أن المسيح كلمة الله؟

أولًا: الكلمة بتُعلِن عن صاحبها

الفليسوف اليوناني سقراط قال كده: تكلّم حتى أراك. فالشخص بيعلن عن ذاته عن طريق كلامه. ولأن الله أعلى من استيعاب البشر، ولأن البشر عاجزين أنهم يوصلوا لله تعالى أو يعرفوه بالعقل؛ كان لازم إن الله تعالى يتنازل ويتكلم لينا. بيقول الرسول يوحنا في مطلع بشارته:

“اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ”. (يوحنا 18:1)

الله ما اكتفاش أنه يتكلم لينا عن طريق الأنبياء والكتب السماوية، لكن الإعلان الأعظم والأكمل كان لما أتكلم لينا في شخص ابنه–الكلمة، فقدّم لينا أصدق وأكمل إعلان عن مين هو الله.

ثانيًا: الكلمة بتحمل نفس سُلطان قائلها

أنت ما تقدرش تفصل ما بين ملك أو رئيس وكلامه اللي بيقوله. فكلامه هو تعبير عن سُلطانه. فلو عندك ملك جه يأمر بشيء ما، إزاي ها يأمر إن مكنش يعلن الأمر بكلمة. نفس الشيء بالنسبة للمسيح! هو كلمة الله اللي بيحمل نفس سُلطان الله. وده نفس اللي بيقوله البشير يوحنا تاني في مطلع بشارته، لما بيقول:

“فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ… كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ.” (يوحنا 1:1، 3)

خد بالك معايا هنا من كلمات يوحنا، هو بيقول أن كل شيء خُلق بواسطة “الكلمة”–المسيح. وهنا يوحنا بيفصل ما بين كل شيء خُلق، وبين كلمة الله اللي مش ممكن تكون مخلوقة، بل ان شخص الكلمة هو اللي بيه أتم الله الخلق:

“كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ.”

ثالثًا: أزلية الكلمة

في التاريخ الإسلامي كان في جدال كبير ما إذا كان القرآن (باعتباره كلام الله) مخلوق ولا لاء، وانتصر الرأي القائل إن مش ممكن كلام الله يكون مخلوق. نفس الشيء بتقوله المسيحية عن المسيح–كلمة الله، إنه أزليّ. لأنه مش ممكن تكون هناك لحظة في الوجود يكون الله موجود بدون كلمته أو صامت. لأننا لو قلنا كده يبقى الله كان صامت ثم تكلّم عند الخلق، ولو ده حصل، يبقى الله طرأ عليه تغيير، والله منزه عن التغيير. المسيح لأنه كلمة الله هو أزلي بأزليّة الله! وده اللي بيقوله برضو يوحنا في نفس الجزء من بشارته، لما بيقول:

“فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ.” (يوحنا 1:1)

،قبل ما يوحنا يوصل للنتيجة المنطقيّة بتاعة “وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ،” ابتدأ كلامه بحقيقة أن “فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ”. وهنا في البدء مش معناها في بداية التاريخ، أو بداية الخلق، لأنه بيرجع بعدها ويقول أن الكلمة ده هو اللي بيه اتخلق كل شيء، فوجوده أسبق من وجود المخلوقات والخليقة كلها وجوده خارج الزمن، لأنه قبل خلق الزمن، وجوده أزليّ!

رابعًا: تجسد الكلمة

وده يقودنا للنقطة الأخيرة، وهي تجسّد كلمة الله! أحنا حتى في كلامنا العادي ممكن تقول عن شخص مُبدع بيكتب روايات جميلة ونقول أنه بيجسّد قدامك الأفكار. بس في المسيحية ده مش مجرّد صيغة مبالغة، لكنها حقيقة حصلت من أكتر من 2000 سنة. كلمة الله الأزلي صار بشرًا:

وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا (يوحنا 14:1).

الله ما اكتفاش بأنه يقرّب أفكاره للبشر بشوية قوانين ووصايا، لكنه اقترب إليهم في حضور خاص، في تجلي كلمته في شخص المسيح. كل اللي يجي النهارده بصدق يطلب من المسيح الكلمة أنه يُظهر له أكتر عن الله، ويفهمه مين هو الله، المسيح لأنه حيّ قادر أنه يوريه مجده. وده اللي قاله يوحنا هنا عن الكلمة: “وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا”. أطلبه بصدق وهو هايكشف لك هو مين.


تم النشر بإذن من قناة المجد.

شارك مع أصدقائك

مينا م. يوسف

يدرس حاليًا درجة الدكتوراة (Ph.D) في الإرساليات والأديان المقارنة في الكليّة المعمدانيّة الجنوبيّة، بولاية كنتاكي الأمريكيّة. كما حصل على درجة الماجستير (M.A) في الدراسات الإسلاميّة من جامعة كولومبيا الدوليّة، بولاية ساوث كارولاينا الأمريكيّة. ويعمل كمدير مشروعات الشرق الأوسط في خدمات الألفيّة الثالثة، وكمساعد أستاذ للدراسات العربيّة والإسلامية بالكليّة المعمدانية الجنوبية. كما شارك في تأليف كتاب Medieval Encounters باللغة الإنجليزيّة.