يثير سؤال تقديم مائدة الرب للأطفال توترًا حقيقيًا داخل اللاهوت المصلح. فمن جهة، يؤكد الفكر المشيخي أن أبناء المؤمنين ليسوا غرباء عن جماعة العهد، بل ينتمون إلى الكنيسة المنظورة، وينالون علامة العهد في المعمودية. ومن جهة أخرى، جرى التقليد في الكنائس المصلحة على تأجيل مشاركة الأطفال في العشاء الرباني إلى أن يقدموا اعترافًا شخصيًا بالإيمان، ويظهروا قدرة على فحص النفس وتمييز جسد الرب. وينشأ السؤال من هذا التوتر: إن كان الأطفال داخل العهد، وإن كانت المعمودية قد حلت محل الختان من حيث كونها علامة الدخول، وإن كان العشاء الرباني مرتبطًا بالفصح ويمثل وليمة العهد الجديد، فلماذا لا يشترك الأطفال فيه كما اشترك أبناء إسرائيل في حياة العهد وولائمه؟
لا يمكن التعامل مع السؤال باعتباره مسألة رعوية صغيرة تتعلق بتحديد السن المناسب للمناولة. إنه سؤال يمس تعريف الكنيسة، وطبيعة الأسرار، والعلاقة بين العهدين، ودور الإيمان في الانتفاع بوسائل النعمة، وسلطة الكنيسة في قبول المتناولين أو منعهم. كما أنه يكشف خلافًا أعمق حول ما إذا كانت عضوية العهد تمنح الشخص حقًا مباشرًا في كل علامات العهد، أم أن بعض العلامات تفترض استجابة إيمانية واعية لا تفترضها علامات أخرى بالطريقة نفسها.
ومن الضروري منذ البداية تجنب افتراضين متقابلين. الافتراض الأول أن رفض مناولة الرضع يعني بالضرورة اعتبار الأطفال خارج العهد أو خارج الكنيسة. وهذا غير صحيح، لأن الموقف المشيخي التقليدي يجمع بين معمودية الأطفال وعدم قبولهم تلقائيًا إلى المائدة. أما الافتراض الثاني فهو أن كل من يدافع عن قبول الأطفال يدعو بالضرورة إلى وضع الخبز والخمر في فم الرضيع منذ يوم معموديته. فالواقع أن المواقف المعاصرة أكثر تنوعًا، وبعضها يرفض مناولة الرضع بالمعنى الصارم، لكنه يدافع عن قبول الطفل الصغير متى ظهر منه إيمان يتناسب مع سنه، دون انتظار بلوغه الثانية عشرة أو الرابعة عشرة.
لذلك ستستخدم هذه الدراسة ثلاث تعبيرات متميزة: يقصد بمناولة الرضع قبول كل طفل معمَّد إلى المائدة على أساس معموديته وعضويته العهدية، حتى إن لم يكن قادرًا على التعبير عن إيمان شخصي.
ويقصد بالمناولة المبكرة قبول الطفل المعمَّد في سن صغيرة بعد اعتراف بسيط وذي مصداقية بالإيمان، يناسب قدرته ونموه.
أما الموقف المصلح التقليدي فيقصد به اشتراط اعتراف بالإيمان وقدرة على فحص النفس وتمييز المائدة، مع ملاحظة أن الاعترافات المصلحة لم تحدد سنًا موحدًا لذلك.[1]
خريطة مختصرة لمواقف الكنائس المختلفة
تساعد المقارنة بين التقاليد الكنسية على إظهار أن السؤال لا يُطرح بالطريقة نفسها في كل كنيسة، لأن موقف كل تقليد من الأطفال والمائدة مرتبط بفهمه للمعمودية، والأسرار، والعضوية الكنسية، وسلطة الكنيسة.
الكنائس القبطية والروم الأرثوذكسية
تحافظ الكنائس الأرثوذكسية الشرقية، ومنها الكنيسة القبطية الأرثوذكسية وكنائس الروم الأرثوذكس، على وحدة طقوس التنشئة المسيحية. فالطفل يُعمَّد، ويُمسح بالميرون، ثم يُناول من الأسرار المقدسة، دون انتظار بلوغه سن التمييز أو اجتياز مرحلة تعليمية مستقلة. لا تُفهم المناولة هنا بوصفها مكافأة على القدرة العقلية أو المعرفة العقائدية، بل بوصفها اشتراكًا في حياة المسيح، وغذاءً روحيًا لمن صار عضوًا في جسده بالمعمودية.
في التعليم القبطي، كثيرًا ما توصف المعمودية والميرون والإفخارستيا بأنها نِعم مترابطة ينالها الطفل في بدء حياته الكنسية. فلا يُنظر إلى الرضيع باعتباره عاجزًا عن قبول النعمة، لأن فاعلية السر لا تتأسس على اكتمال إدراك المتلقي، بل على عمل الله في الكنيسة. ويشبه ذلك منطق معمودية الرضع نفسها، فكما يستطيع الطفل أن ينال الولادة الجديدة دون أن يقدم شرحًا عقائديًا لها، يستطيع أن ينال غذاء الحياة الجديدة دون أن يشرح سر الإفخارستيا.[2]
هذا الموقف متماسك داخل النظام الأسراري الأرثوذكسي، لكنه لا يمكن نقله آليًا إلى النظام المصلح دون مناقشة اختلاف فهم الطرفين لطبيعة الأسرار، وللعلاقة بين العلامة والنعمة، ولشروط الانتفاع الروحي بها.
الكنيسة الكاثوليكية
ينبغي التمييز داخل الكاثوليكية بين التقليد اللاتيني والتقاليد الكاثوليكية الشرقية. فبعض الكنائس الكاثوليكية الشرقية تحتفظ، في صور متعددة، بوحدة المعمودية والميرون والمناولة، وقد يُناول فيها الأطفال بعد المعمودية. أما الكنيسة اللاتينية وبعض الكنائس الشرقية كالقبطية فتؤجل المناولة الأولى عادة إلى ما يسمى “سن استعمال العقل” أو “سن التمييز”.[3]
ينص القانون الكنسي اللاتيني على ضرورة أن يكون الطفل قد حصل على معرفة كافية واستعداد دقيق، بحيث يفهم سر المسيح بحسب قدرته ويستطيع أن يتناول جسد الرب بإيمان وتقوى. ولا يحدد القانون سنًا عدديًا مطلقًا، لكن سن السابعة يُعامل عادة بوصفه السن الذي يُفترض فيه بدء استعمال العقل، مع إمكان اختلاف الحالة من طفل إلى آخر.[4]
لذلك فإن التصوير الشائع للموقف الكاثوليكي على أنه يمنع الأطفال إلى سن الثانية عشرة ليس دقيقًا. فقد تتم المناولة الأولى في السابعة أو الثامنة، بحسب استعداد الطفل وسياسة الأبرشية. كما أن مجمع ترنت، مع رفضه القول بضرورة مناولة الرضع، لم يدن ممارسة الكنيسة القديمة، بل أقر بأنها كانت موجودة دون اعتبارها أمرًا لازمًا للخلاص.[5]
الكنائس المعمدانية
الموقف المعمداني أبسط من الناحية البنيوية، لأن المعمدانيين يرفضون معمودية الأطفال أصلًا، ويرون أن المعمودية يجب أن تتبع اعتراف الشخص بإيمانه. وفي الصياغة المعمدانية التقليدية، تكون معمودية المؤمن شرطًا للعضوية الكنسية والتمتع بامتيازات الكنيسة، ومنها العشاء الرباني.[6]
بناء على ذلك، يرفض المعمدانيون مناولة الرضع والأطفال الذين لم يعترفوا بالإيمان، لا لأنهم توصلوا أولًا إلى تفسير مستقل لنص “ليمتحن الإنسان نفسه”، بل لأن نظامهم الكنسي يبدأ أصلًا بعدم اعتبار الطفل غير المؤمن أو غير المعترف بإيمانه عضوًا معمَّدًا في الكنيسة. ولذلك لا تمثل المقارنة مع المعمدانيين لبّ السؤال المشيخي. فالسؤال الأكثر إلحاحًا داخل المشيخية ليس: هل يتناول شخص غير معمَّد؟ بل: لماذا لا يتناول طفل معمَّد تعترف الكنيسة بأنه عضو في جماعة العهد؟
ومع ذلك، توجد اختلافات معمدانية حول المائدة المفتوحة أو المغلقة، وحول ضرورة أن تكون المعمودية قد تمت في الكنيسة نفسها، لكن هذه الاختلافات لا تغير رفض مناولة الرضع في الإطار المعمداني المعتاد.
الكنائس اللوثرية
لا يوجد موقف لوثري معاصر واحد. ففي الكنائس اللوثرية المحافظة، مثل المجمع اللوثري لكنيسة ميسوري، يرتبط القبول إلى المائدة عادة بالتعليم المسيحي، والاعتراف بالإيمان، والقدرة على فحص النفس وتمييز جسد المسيح، ولذلك لا تُمارس مناولة الرضع في المعتاد.[7] ويتفق هذا مع التشديد اللوثري على أن المتناول ينبغي أن يؤمن بكلمات المسيح المتعلقة بالجسد والدم المعطيين لمغفرة الخطايا.
في المقابل، تسمح بعض الكنائس اللوثرية الأخرى، مثل الكنيسة الإنجيلية اللوثرية في أمريكا، بقبول الأطفال إلى المائدة على أساس المعمودية، دون فرض سن موحد، وقد تتيح بعض الجماعات المناولة للأطفال الصغار جدًا أو حتى بعد المعمودية مباشرة.[8] ويكشف هذا التنوع أن الموقف من الأطفال لا ينتج تلقائيًا عن الاعتراف بحضور المسيح في العشاء، بل يتأثر أيضًا بفهم علاقة المعمودية بالمائدة، وبطريقة تفسير فحص النفس.
الكنيسة الأنجليكانية
عُرفت الأنجليكانية تاريخيًا بربط التناول بالتثبيت أو الاستعداد له، لكن كنيسة إنجلترا تسمح حاليًا، وفق لوائح أبرشية محددة، بقبول الأطفال المعمَّدين إلى المناولة قبل التثبيت. وتتم العملية عادة بعد إعداد رعوي وموافقة كنسية، وليست مناولة تلقائية لكل رضيع.[9]
يمثل هذا الموقف نموذجًا للمناولة المبكرة، لا لمناولة الرضع بالضرورة. فالمعمودية تُعد أساس الانتماء إلى الكنيسة، لكن الجماعة تمارس تمييزًا رعويًا وتعليمًا يناسب سن الطفل قبل قبوله إلى المائدة.
الكنائس الميثودية
تميل الكنيسة الميثودية المتحدة إلى مائدة مفتوحة نسبيًا، وتؤكد أن دعوة المسيح لا ينبغي تقييدها بسن معين. وتشير موادها الرسمية إلى أن الأطفال، بل الرضع، يمكن أن يُدعوا إلى المائدة، لأن العشاء وسيلة نعمة لا مكافأة على الفهم الكامل.[10]
ومع ذلك، ينبغي ألا يُنقل هذا الموقف مباشرة إلى الإطار المشيخي، لأن مفهوم “فتح المائدة” في بعض التقاليد الميثودية أوسع من المفهوم الاعترافي المشيخي المتعلق بعضوية الكنيسة وفحص المتناولين.
الكنائس المشيخية والمصلحة
تتراوح المواقف المصلحة المعاصرة بين ثلاثة اتجاهات:
١. الموقف الاعترافي التقليدي، ويشترط اعترافًا بالإيمان وقدرة على فحص النفس، كما في معظم الكنائس المشيخية المحافظة.
٢. موقف المناولة المبكرة، ويقبل الأطفال المعمَّدين عندما يظهرون إيمانًا وطاعة مناسبين للسن والقدرة، دون اشتراط اعتراف علني رسمي أو سن ثابت.
٣. موقف مناولة أطفال العهد، ويعتبر المعمودية والعضوية العهدية أساسًا كافيًا للقبول إلى المائدة، ويشمل في بعض صوره الرضع.
هذا التعدد المعاصر يجعل من الضروري العودة إلى الأدلة الكتابية، ثم إلى تاريخ الكنيسة والإصلاح، قبل تقييم المواقف الحالية.
الأطفال في العهد ووحدة تدبير النعمة
تنطلق الحجة الأقوى لصالح مناولة الأطفال من وحدة عهد النعمة. فالتقليد المصلح يؤكد أن المؤمنين في العهدين نالوا الخلاص من خلال الوسيط نفسه، وأن الاختلاف بين العهد القديم والجديد يتعلق بصورة التدبير ووضوح الإعلان، لا بوجود طريقين مختلفين للخلاص. وقد شملت جماعة العهد القديم المؤمنين وأبناءهم، وكانت علامة الختان توضع على أطفال الذكور قبل قدرتهم على الإيمان الواعي أو فحص النفس. وفي العهد الجديد، يرى المشيخيون أن المعمودية أخذت موضع الختان بوصفها علامة الدخول إلى جماعة العهد.[11]
يسأل مؤيدو مناولة الأطفال: إن كان الطفل قد نال علامة الانضمام إلى جسد الكنيسة، فلماذا يُمنع من الوجبة التي تعبر عن وحدة هذا الجسد؟ وإن كان الله قد قال للمؤمن: “أكون إلهًا لك ولنسلك من بعدك” (تك ١٧: ٧)، وإن كان بطرس قد أعلن أن الموعد للمؤمنين ولأولادهم (أع ٢: ٣٩)، فهل من المنطقي اعتبار هؤلاء الأولاد أعضاء في الكنيسة عند جرن المعمودية، ثم معاملتهم كغرباء عند المائدة؟
تكشف هذه الحجة مشكلة حقيقية في بعض الممارسات المشيخية. فقد يُقال للطفل إنه عضو في العهد، وإنه يحمل علامة انتمائه إلى المسيح وكنيسته، ثم يُمنع من المائدة سنوات طويلة دون تفسير واضح، وربما دون برنامج تعليمي يقوده نحوها. ويمكن أن يتحول المنع المؤقت، الذي يفترض أن يكون تربويًا، إلى حالة كنسية شبه دائمة تجعل الطفل يعيش في منطقة غامضة بين العضوية وعدم العضوية.
لكن وحدة العهد لا تعني أن كل علامة عهدية تُعطى بالطريقة نفسها، أو أن كل أعضاء جماعة العهد يمارسون كل امتيازاتها دون تمييز. فالختان لم يكن الفصح، والمعمودية ليست العشاء. والسؤال ليس فقط: هل الطفل عضو في العهد؟ بل أيضًا: ما طبيعة العشاء؟ وما الاستجابة التي ربطها المسيح ورسله به؟
يؤكد التقليد المصلح أن العضوية في الكنيسة المنظورة حقيقية، لكنها لا تساوي تلقائيًا الاتحاد الخلاصي بالمسيح أو الانتفاع بكل علامة دون إيمان. فالأسرار لا تعمل عملًا آليًا بمجرد أدائها، بل تصبح وسائل خلاص فعالة بعمل الروح القدس والإيمان في الذين يقبلون الوعد. ولذلك لا تكفي عضوية الطفل في العهد وحدها لحسم قضية المائدة، مع أنها تجعل استبعاده منها بحاجة إلى تفسير لاهوتي جاد.
الفصح وعشاء الرب، الاستمرارية وحدود القياس
ترتبط مائدة الرب بالفصح ارتباطًا لا يمكن إنكاره. فقد أسس المسيح العشاء في سياق وجبة الفصح، وقدم نفسه بوصفه ذبيحة العهد، ويصف بولس المسيح بأنه «فصحنا» الذي ذُبح لأجلنا (١ كو ٥: ٧). كما تستدعي كلمات «اصنعوا هذا لذكري» بنية التذكار الفصحي الذي يستحضر عمل الله الخلاصي ويعلنه للأجيال.
يرى المدافعون عن مناولة الأطفال أن الفصح كان وليمة عائلية وعهدية. فقد أُخذ الخروف «بحسب بيوت الآباء» (خر ١٢: ٣)، واشتركت الأسرة في الاستعداد للأكل، وكان سؤال الطفل عن معنى الخدمة جزءًا من نقل الإيمان بين الأجيال (خر ١٢: ٢٦، ٢٧). كما تشدد نصوص الأعياد على فرح الرجل مع ابنه وابنته وبقية بيته أمام الرب (تث ١٢: ٧، ١٢، ١٨؛ ١٦: ١١، ١٤). فإذا كان الأطفال يشتركون في حياة العهد وولائمه، يبدو منعهم من وليمة العهد الجديد محتاجًا إلى نص واضح.[12]
غير أن هذه الحجة، مع قوتها، لا تثبت كل ما يراد إثباته بها. لا يصرح خر ١٢ بأن كل رضيع كان يأكل من لحم الخروف، ولا يقدم تعليمًا عن الحد الأدنى لقدرة الطفل على المشاركة الفعلية. حضور الأطفال في البيت وفي الاحتفال مؤكد، وانتماؤهم إلى الشعب غير مشكوك فيه، لكن الانتقال من ذلك إلى القول إن كل طفل مختون، مهما كان عمره، تناول الفصح، يتجاوز ما يقوله النص صراحة.[13]
كذلك لا يعني ارتباط الفصح بالعشاء تطابق كل قواعدهما. فتحقيق الرمز في العهد الجديد يحفظ الاستمرارية، لكنه يصنع أيضًا تحولًا. لم تعد المائدة سنوية، ولا تؤكل مع خروف حرفي، ولا تُمارس في أورشليم، ولا تحكمها كل الشروط الطقسية الخاصة بالفصح. لذلك لا يمكن القول ببساطة: الختان يساوي المعمودية، والفصح يساوي العشاء، ومن ثم يجب أن تكون قائمة المتناولين واحدة تمامًا.
المقارنة بين الفصح والعشاء تقدم قرينة عهدية قوية على ضرورة إدماج الأطفال في حياة العبادة، وتعليمهم أن المائدة تخص الشعب الذي ينتمون إليه. لكنها لا تحسم وحدها سؤال ما إذا كان الانتماء عن طريق المعمودية كافيًا للتناول دون استجابة إيمانية ظاهرة.
شهادة ١ كورنثوس ١٠، جماعة واحدة وطعام روحي واحد
يمثل ١ كو ١٠ نصًا أساسيًا عند مؤيدي مناولة الأطفال. يذكّر بولس الكنيسة بأن “آباءنا جميعهم كانوا تحت السحابة، وجميعهم اجتازوا في البحر، وجميعهم اعتمدوا لموسى في السحابة وفي البحر، وجميعهم أكلوا طعامًا واحدًا روحيًا، وجميعهم شربوا شرابًا واحدًا روحيًا” (١ كو ١٠: ١–٤). ويلاحظ المؤيدون أن جماعة الخروج كانت تضم الأطفال، وأن لفظ “الجميع” يشمل شعب العهد كله. فإذا كان الأطفال اشتركوا في المعمودية التي كانت مثالا والطعام الروحي الذي كان مثالا، فلماذا يُستبعدون من العلامة الجديدة؟
كما يربط بولس الكأس والخبز بالشركة في دم المسيح وجسده، ثم يقول: “فإننا نحن الكثيرين خبز واحد، جسد واحد، لأننا جميعنا نشترك في الخبز الواحد” (١ كو ١٠: ١٦، ١٧). ويرى المؤيدون أن الطفل المعمَّد عضو في الجسد الواحد، ومن ثم يبدو منعه من الخبز الواحد الذي يعلن وحدة الجسد تناقضًا رمزيًا.
هذه الحجة تلفت النظر إلى البعد الكنسي والجماعي للعشاء، وتصحح النزعة التي تجعل المائدة علاقة فردية بين النفس والمسيح فقط. لكن سياق ١ كو ١٠ نفسه يحذر من الاستنتاج الآلي. فقد اشترك الجميع في الامتيازات التي كانت مثالًا، “لكن بأكثرهم لم يسر الله” (١ كو ١٠: ٥). فالاشتراك الخارجي في العلامات لا يضمن الانتفاع الخلاصي بها. كما أن النص لا يقدم تعليمات مباشرة عن شروط قبول الأشخاص إلى العشاء، بل يحذر المعمدين والمتناولين من الوثنية والثقة الكاذبة بالامتيازات العهدية.[14]
ولهذا يستطيع الطرفان استخدام ١ كو ١٠. المؤيد يقول إن الطعام الروحي يخص جماعة العهد كلها، والمعارض يقول إن اشتراك الجماعة في العلامات لا يلغي ضرورة الإيمان والتحذير والتمييز. ويظل ١ كو ١١ النص الأكثر مباشرة في تنظيم المائدة.
“ليمتحن الإنسان نفسه”، ماذا يطلب بولس من المتناول؟
يكتب بولس: “ولكن ليمتحن الإنسان نفسه، وهكذا يأكل من الخبز ويشرب من الكأس. لأن الذي يأكل ويشرب بدون استحقاق يأكل ويشرب دينونة لنفسه، غير مميز جسد الرب” (١ كو ١١: ٢٨، ٢٩). وقد صار هذا النص الأساس الرئيس للموقف المصلح التقليدي.
يرى هذا الموقف أن العشاء يتضمن أفعالًا لا تنسب إلى الرضيع بالطريقة نفسها التي تنسب بها إليه المعمودية. فالمتناول يتذكر المسيح، ويخبر بموته، ويمتحن نفسه، ويميّز الجسد، ويأكل ويشرب بالإيمان. وليس المقصود أن يكون المتناول قد بلغ كمال المعرفة، بل أن يمارس استجابة شخصية حقيقية إلى الوعد الذي تقدمه العلامة.[15]
لكن ينبغي تصحيح فهم شائع لفحص النفس. لم يكن مؤمنو كورنثوس مرفوضين لأنهم لم يجروا تأملًا نفسيًا معقدًا، أو لأنهم لم يستطيعوا شرح عقيدة الحضور الروحي. كانت المشكلة أنهم حولوا المائدة إلى مكان للانقسام والإذلال، فكان الواحد يجوع والآخر يسكر، وكان الأغنياء يخجلون الذين ليس لهم. لذلك يرتبط “تمييز الجسد” على الأرجح بتمييز جسد المسيح المعطى في المائدة، وبتمييز الكنيسة التي هي جسده وعدم احتقار أعضائها.[16]
تؤدي هذه الملاحظة إلى نتيجتين. أولًا، لا يجوز تحويل فحص النفس إلى امتحان أكاديمي يفحص قدرة الطفل على تعريف الأسرار أو شرح الخلاف بين التحول الجوهري والحضور الروحي. فبولس يهتم بإيمان يميز قداسة المائدة، وتوبة ترفض الانقسام، ومحبة تعترف ببقية الجسد.
ثانيًا، لا يختفي البعد الشخصي تمامًا. فبولس يقول: “ليمتحن الإنسان نفسه، وهكذا يأكل”. يوجد فعل تمييز واستجابة وطاعة. وحتى إن كان “الجسد” يشمل الكنيسة، فإن المتناول يُطلب منه ألا يأكل مثلما يأكل الطعام العادي، وألا يأتي في عدم توبة أو احتقار للجماعة. ولذلك يصعب استخدام السياق الاجتماعي لنفي كل شرط يتعلق بالإيمان الشخصي.
السؤال الدقيق إذن ليس: هل يستطيع الطفل أن يفحص نفسه بالطريقة التي يفعلها لاهوتي بالغ؟ بل: هل يستطيع الطفل، بحسب سنه وقدرته، أن يدرك أنه يأتي إلى مائدة المسيح لا إلى طعام عادي، وأن يثق بالمسيح المصلوب، وأن يعترف بحاجته إلى الغفران، وأن يرغب في أن يعيش عضوًا محبًا لشعبه؟ قد يعجز الرضيع عن إظهار ذلك، لكن طفلًا في الخامسة أو السادسة قد يظهره بصورة صادقة، في حين قد يعجز بالغ مثقف عن إظهاره في حياته.
المعمودية والعشاء، علامتان للعهد لكن بوظيفتين مختلفتين
يقوم الرد المصلح التقليدي على التمييز بين المعمودية والعشاء. فكلاهما سر من أسرار العهد الجديد، وكلاهما يعلن المسيح ونعمة الإنجيل، لكنهما لا يؤديان الوظيفة نفسها.
المعمودية علامة الدخول إلى الكنيسة المنظورة، وتُمارس مرة واحدة، ويكون المتلقي فيها سلبيًا بصورة واضحة. أما العشاء فهو علامة متكررة للتغذي على المسيح، وإعلان موته، وتجديد الشركة معه ومع شعبه. وفيه يأكل المتناول ويشرب ويتذكر ويعلن ويمتحن. لذلك لا يرى التقليد المصلح تناقضًا في إعطاء الطفل علامة الدخول، ثم انتظار ظهور الإيمان الذي يستطيع به استخدام علامة التغذي استخدامًا ملائمًا.[17]
عبّر دليل وستمنستر الكبير عن هذا التمييز بوضوح، فقال إن المعمودية تُجرى مرة واحدة، وتُمنح أيضًا للأطفال، بينما يُمارس العشاء مرارًا، ولا يُعطى إلا لمن بلغوا من السن والقدرة ما يجعلهم قادرين على فحص أنفسهم.[18] كما يصف تعليم هايدلبرج المدعوين إلى المائدة بأنهم يحزنون على خطاياهم، ويثقون بأن خطاياهم مغفورة لأجل المسيح، ويرغبون في تقوية إيمانهم وإصلاح حياتهم.[19]
هذه التفرقة ذات قوة لاهوتية حقيقية. فالقول إن علامتين تنتميان إلى العهد نفسه لا يثبت أنهما تخضعان للشروط نفسها. لكن الخطر يظهر عندما تتحول عبارة “بلغوا من السن والقدرة” إلى سن كنسي ثابت لم يحدده الكتاب، أو عندما يُطلب من الطفل نضج معرفي يفوق ما يطلب من البالغ الجديد في الإيمان.
كما يجب ألا تُستخدم التفرقة بطريقة تجعل المعمودية بلا نتيجة كنسية عملية. فإذا كانت الكنيسة قد وضعت اسم المسيح على الطفل واعترفت بأنه عضو فيها، فعليها أن تربيه باعتباره مدعوًا الآن إلى الإيمان والتوبة، وأن تقوده نحو المائدة، لا أن تضعه في انتظار سلبي حتى يقرر يومًا أنه يريد أن يصبح مسيحيًا.
مناولة الأطفال في الكنيسة القديمة
يستند مؤيدو مناولة الرضع إلى شهادة تاريخية مهمة. فمن القرن الثالث على الأقل توجد أدلة صريحة على أن الأطفال، ومنهم الرضع، كانوا يتناولون. يروي كبريانوس القرطاجي في كتابه عن الساقطين حادثة رضيعة أُخذت إلى طقس وثني، ثم ظهرت عليها علامات رفض واضطراب عندما حاول الشماس أن يناولها كأس الرب. وبغض النظر عن تفسير الحادثة، فإن النص يفترض أن مناولة الرضع كانت ممارسة معروفة في شمال أفريقيا في منتصف القرن الثالث.[20]
كما دافع أغسطينوس عن ضرورة إدخال الأطفال في حياة المسيح بالأسرار المقدسة، وربط في بعض كتاباته بين معمودية الأطفال ومشاركتهم في جسد الرب ودمه، مستندًا إلى يو ٦: ٥٣. وقد أسهمت قراءته الواقعية القوية لهذا النص في دعم مناولة الأطفال في الغرب القديم.[21]
ولا تزال الكنائس الشرقية تحتفظ بهذه الممارسة، مما يدل على أنها ليست ابتكارًا حديثًا. لكن الدقة التاريخية تقتضي التمييز بين ثلاثة أحكام مختلفة:
أولًا، توجد شهادة واضحة على ممارسة مناولة الأطفال في الكنيسة القديمة.
ثانيًا، لا توجد شهادة صريحة من القرن الأول تثبت أن الرسل ناولوا الرضع أو أمروا بذلك.
ثالثًا، انتشار ممارسة ما في القرنين الثالث والرابع لا يجعلها وحدها ملزمة للكنيسة، لكنه يمنع وصفها بسهولة بأنها فكرة حديثة أو خروج واضح عن كل التقليد القديم.[22]
لذلك تمثل الكنيسة القديمة شاهدًا مهمًا، لكنها لا تحسم المسألة دون فحص كتابي ولاهوتي. ويصدق الأمر نفسه على ممارسة معمودية الأطفال، مع فارق أن المُصلحين رأوا لها أساسًا عهديًا وكتابيًا أقوى وأكثر مباشرة.
كيف انحسرت مناولة الأطفال في الغرب؟
لم يحدث توقف الغرب عن مناولة الرضع في قرار واحد مفاجئ. بل انفصلت بالتدريج طقوس المعمودية والتثبيت والمناولة التي كانت مرتبطة في القديم. ومع تطور الممارسة الغربية، صار التثبيت مرتبطًا بصورة أكبر بخدمة الأسقف، وتأخرت المناولة، وازداد التشديد على التعليم والاعتراف والقدرة على التمييز.
ربط مجمع اللاتران الرابع سنة ١٢١٥ واجبات الاعتراف والتناول ببلوغ “سن التمييز”، وأسهم ذلك في تثبيت النموذج الغربي الذي يؤجل المناولة إلى حين قدرة الطفل على التعليم والاعتراف. ثم أكد مجمع ترنت أن الأطفال الذين لم يبلغوا استعمال العقل غير ملزمين بالتناول، مع إقراره بأن الكنيسة القديمة كانت تمارس مناولة الأطفال دون أن يدينها.[23]
وفي أوائل القرن العشرين، شدد البابا بيوس العاشر على عدم تأخير المناولة الأولى إلى سن متقدمة، واعتبر أن معرفة الطفل لا يلزم أن تكون كاملة، بل يكفي أن يميز الخبز الإفخارستي عن الخبز العادي بحسب قدرته. وهكذا استقر النموذج الكاثوليكي اللاتيني المعاصر عادة حول السابعة، لا حول الثانية عشرة بالضرورة.[24]
هذه الخلفية مهمة لتقييم العلاقة بين الإصلاح والممارسة الكاثوليكية. فقد وُلد المُصلحون داخل كنيسة غربية كانت قد تركت مناولة الرضع منذ قرون. ومن ثم يوجد بلا شك عنصر استمرارية تاريخية وثقافية. لكن هذا لا يثبت أن موقف الإصلاح كان مجرد تقليد غير مفحوص، لأن كالفن كان يعرف الممارسة القديمة وناقشها صراحة ورفضها لأسباب كتابية ولاهوتية.
جون كالفن ومناولة الأطفال
يُعد موقف كالفن من أوضح المواقف بين المُصلحين. فقد واجه اعتراضًا يقول إن الأطفال كانوا قديمًا يشتركون في العشاء، وإن منعهم يضعف الحجة المصلحة لمعمودية الأطفال. ورد بالتفريق بين طبيعة المعمودية وطبيعة العشاء.[25]
يرى كالفن أن المعمودية لا تتطلب من الطفل فعل التذكر والإعلان، لأنها علامة تبني ووعد إلهي يسبق استجابة الطفل الواعية. أما العشاء فقد أسسه المسيح للمؤمنين الذين يستطيعون تمييز جسده ودمه، وفحص ضمائرهم، وإعلان موته، والتأمل في قوته، وتقديم الشكر. لذلك اعتبر كالفن أن تعليم بولس عن الفحص يضع حدًا لا ينبغي تجاوزه.[26]
لم يكن رفضه قائمًا على أن الأطفال غير قادرين على تلقي نعمة الله، لأن دفاعه عن معمودية الأطفال يفترض العكس. ولم يكن قائمًا على أن العشاء مجرد تذكار عقلي، لأن كالفن أكد بقوة أن المسيح يغذي المؤمنين فيه تغذية روحية حقيقية. بل كان منطقه أن طريقة استقبال النعمة في العشاء تتضمن ممارسة إيمان متكرر وفاعل.
يظهر الموقف نفسه في نظام جنيف الكنسي. فقد ارتبط قبول الشباب إلى المائدة بالتعليم في أصول الإيمان والقدرة على تقديم اعتراف مناسب. وكانت دراسة التعليم المسيحي جزءًا من انضباط الكنيسة وتكوين أعضائها، لا مجرد امتحان نظري.[27]
وهنا ينبغي رفض عبارتين مبالغتين. الأولى أن كالفن منع الأطفال لأنه تبع الكاثوليكية الغربية دون نقد. فهو كان يعرف ممارسة القدماء ورفضها بوعي. والثانية أن موقفه حسم كل سؤال متعلق بسن الطفل. كالفن يضع معيارًا وظيفيًا، التمييز والفحص والإعلان، لكنه لا يقدم سنًا إلهيًا ثابتًا. ولذلك يمكن أن يتفق شخص مع منطقه الأساسي، ثم ينتقد تأخير أطفال قادرين على الاعتراف البسيط إلى سن المراهقة.
مارتن بوسر والتعليم السابق للمائدة
أسهم مارتن بوسر في تشكيل تصور مُصلح للتثبيت يختلف عن الفهم الكاثوليكي له بوصفه سرًا مستقلًا. فقد رأى في التثبيت فرصة للتعليم، وتجديد الاعتراف بالمعمودية، والالتزام العلني بالكنيسة. وكان الهدف أن يعترف من عُمِّدوا في طفولتهم بالإيمان الذي يشير إليه سر معموديتهم، ويشاركوا بصورة مسؤولة في حياة الجماعة.[28]
أثّر هذا التركيز على تطور الممارسة المصلحة التي ربطت المائدة بالتعليم والاعتراف. ومع ذلك، يجب عدم الخلط بين أمرين: ضرورة أن تنشئ الكنيسة الطفل في الإيمان، وضرورة تأجيل المائدة إلى سن اجتماعية أو ثقافية بعينها. فالتعليم المسيحي عملية مستمرة، وليس مرحلة تنتهي قبل أن يصبح الشخص مؤهلًا لتلقي النعمة.
اعترافات الكنائس المصلحة
لا تقدم الاعترافات المصلحة المبكرة دفاعًا مطولًا ضد مناولة الرضع في كل موضع، لكنها تصف المتناول بطريقة تفترض إيمانًا وتوبة وتمييزًا.
يقول تعليم هايدلبرج إن مائدة الرب مخصصة لمن يكرهون أنفسهم بسبب خطاياهم، ويثقون أن خطاياهم مغفورة وأن ضعفهم مستور بآلام المسيح وموته، ويرغبون في أن يقوى إيمانهم وتتحسن حياتهم. ولا يقصد التعليم اشتراط كمال التوبة أو قوة الإيمان، بل يوجه المائدة إلى المؤمن الضعيف الذي يأتي محتاجًا إلى التقوية.[29]
ويصف الإقرار البلجيكي العشاء بأنه غذاء روحي للمؤمنين، يتناولون فيه المسيح بالإيمان، ويشتركون معًا في جسد واحد. فالمؤمن لا يستقبل المسيح بفمه الجسدي، بل بالإيمان، مع أن العلامة الخارجية حقيقية ومهمة.[30]
أما دليل وستمنستر الكبير فيقدم أكثر الصياغات صراحة. فهو يطالب المتقدمين إلى العشاء بأن يفحصوا أنفسهم من جهة معرفتهم بتمييز جسد الرب، وإيمانهم للتغذي عليه، وتوبتهم، ومحبتهم، وطاعتهم الجديدة. كما يمنع من المائدة الجاهل والفاجر، ويضع الفرق بين المعمودية والعشاء في أن الأولى تُعطى مرة واحدة حتى للأطفال، بينما الثاني يُعطى مرارًا لمن يستطيعون فحص أنفسهم.[31]
ينبغي قراءة هذه النصوص باعتبارها معايير روحية لا اختبارات للنضج الأكاديمي. فكلمات مثل “المعرفة” و”التمييز” لا تعني أن على المتناول شرح لاهوت الأسرار على مستوى متخصص. ويشير دليل وستمنستر نفسه إلى أن العشاء يقوي الضعفاء، لا أنه يكرم من وصلوا إلى النضج الكامل.
هل أخذ الفكر المصلح موقفه من الكنيسة الكاثوليكية؟
يمكن تقديم إجابة مركبة في عبارتين: نعم من الناحية التاريخية، ولا من الناحية اللاهوتية المباشرة.
نعم، لأن الإصلاح الغربي نشأ في بيئة كانت قد فصلت منذ قرون بين معمودية الرضع والمناولة الأولى. لم يبدأ المُصلحون من فراغ، ولم تكن مناولة الرضع جزءًا حيًا من خبرتهم الكنسية المعتادة. ومن الطبيعي أن يؤثر هذا الميراث في الأسئلة التي طرحوها وفي الممارسة التي اعتبروها عادية.
لكن لا يصح القول إنهم أبقوا الموقف الكاثوليكي كما هو. فقد رفضوا فهم التثبيت بوصفه سرًا يمنح نعمة مستقلة، ورفضوا التحول الجوهري والذبيحة المتكررة للقداس، وأعادوا بناء شروط المائدة على الإيمان وكلمة التأسيس وتعليم ١ كو ١١. وكان كالفن مدركًا أن الكنيسة القديمة ناولت الرضع، ومع ذلك حكم بأن هذه الممارسة لا تتفق مع غرض العشاء وتعليم الرسول.
كما يختلف الأساس المصلح عن الأساس الكاثوليكي اللاتيني. فالكاثوليكية تربط المناولة بالقدرة على التمييز في إطار نظامها الأسراري والكهنوتي ومفهومها للحضور الجوهري. أما التقليد المصلح فيربطها بالتغذي على المسيح بالإيمان، وبالفحص، وبسلطة شيوخ الكنيسة في حراسة المائدة.
لذلك فالأدق وصف العلاقة بأنها استمرارية تاريخية مع إعادة تأسيس لاهوتية. وقد يرى الناقد أن المُصلحين لم يذهبوا بعيدًا بما يكفي في مراجعة الميراث الغربي، لكن لا يستطيع أن يقول إنهم لم يراجعوه أصلًا.
الموقف المشيخي التقليدي المعاصر
الكنيسة الإنجيلية المشيخية في مصر، كما يظهر في دستور الكنيسة الإنجيلية في مصر، فهي تسير في الخط المشيخي المصلح التقليدي، لا في اتجاه مناولة الأطفال أو الرُّضَّع. فالدستور يقرر أولًا أن المعمودية “ختم العهد الجديد”، ولذلك “تمارس للذين يعترفون بإيمانهم اعترافًا موثوقًا به ولأولادهم”، مما يثبت أن الكنيسة المصرية تقبل معمودية أطفال المؤمنين ضمن الإطار العهدي المشيخي. لكنه، في المقابل، لا يجعل معمودية الطفل أساسًا كافيًا لتناوله العشاء الرباني تلقائيًا، بل يربط العشاء بالإيمان المعلن والفحص الشخصي. ففي مادة العقيدة عن الفرائض، يقرر الدستور أن الذين يتناولون الخبز والخمر “بالإيمان” يشتركون في جسد الرب ودمه روحيًا، ثم ينص بوضوح على أنه لا يجوز لأحد أن يتقدم إلى هذه الفريضة “بدون سبق امتحان لنفسه” من جهة الرغبة في التطهير من الخطية، والإيمان الحي بالمسيح، والمحبة الأخوية، وأن “جميع الذين اعترفوا بإيمانهم بالمسيح ويعيشون عيشة مسيحية يدعون إلى عشاء الرب”. كما تنص مادة تنظيم العشاء الرباني على أن المتناولين هم “المقرون بإيمانهم بالمسيح” والأعضاء الذين لم تصدر ضدهم أحكام كنسية، وتؤكد مادة الاستعداد أن المطلوب من المتناولين أن “يمتحنوا أنفسهم” قبل الإتيان إلى المائدة. ومن ثم، فالموقف الدستوري للكنيسة المشيخية في مصر يميز بوضوح بين حق أطفال المؤمنين في المعمودية، وبين الاشتراك في العشاء الرباني الذي يُربط بالاعتراف الشخصي بالإيمان، والحياة المسيحية، وفحص النفس. واللافت أن الدستور لا يحدد سنًا معينًا للتناول، مثل ٨ أو ١٢ سنة، بل يضع معيارًا رعويًا ولاهوتيًا هو الاعتراف بالإيمان والقدرة على الفحص، وهو ما ينسجم مع التقليد الوستمنستري والمشيخي العام أكثر من انسجامه مع ممارسة مناولة الرضع في الكنائس الشرقية أو بعض الاتجاهات المصلحة الحديثة.[32]
نحو موقف مشيخي أكثر دقة
لا يبدو أن الدليل الكتابي والتاريخي يكفي لفرض مناولة كل رضيع معمَّد على الكنيسة. فتعليم العهد يثبت انتماء الطفل إلى الجماعة، لكنه لا يثبت بمفرده أن كل علامة عهدية تعطى دون تمييز. كما أن أفعال الذكر والإعلان والفحص في ١ كو ١١ تجعل من الصعب القول إن الرضيع هو النموذج المقصود للمتناول.
لكن عدم ثبوت مناولة الرضع لا يبرر تأجيل كل الأطفال إلى سن ثابتة. فالموقف المصلح نفسه لا يشترط نضجًا كاملًا، بل إيمانًا قادرًا على تلقي المسيح في الوعد. وإذا استطاع طفل صغير أن يعترف، بلغته البسيطة، بأنه خاطئ يحتاج إلى المسيح، وأن يسوع مات وقام لأجله، وأن هذه المائدة ليست طعامًا عاديًا بل علامة على جسد الرب ودمه، وأنه يريد أن يعيش مع شعب المسيح في التوبة والمحبة، فلا يوجد سبب كتابي واضح لرفضه لمجرد أنه في السادسة أو السابعة.
يمكن أن يقوم نموذج مشيخي مسؤول على المبادئ الآتية:
- الطفل المعمَّد عضو حقيقي في الكنيسة المنظورة، ولا يُعامل كوثني صغير أو كمرشح بعيد للعضوية.
- لا تمنح المعمودية وحدها حقًا آليًا في التناول، لأن المائدة تستدعي ممارسة إيمان فعلي.
- لا يُشترط سن عددي موحد، لأن القدرات والنمو الروحي يختلفان.
- لا ينبغي أن يكون فحص الطفل امتحانًا أكاديميًا، بل حوارًا رعويًا مع الشيوخ والوالدين.
- يكفي اعتراف إيمان بسيط وذو مصداقية، يتناسب مع السن والقدرة.
- ينبغي أن يعرف الطفل أن المائدة تخص المسيح وكنيسته، وأنها تعلن موته، وأن الآتي إليها يأتي في توبة وإيمان ومحبة.
- لا تنتهي عملية التعليم بقبول الطفل، بل تبدأ مرحلة أعمق من التنشئة المستمرة.
- ينبغي تطبيق المبادئ نفسها برحمة وحكمة على ذوي الإعاقات الذهنية، بحيث لا يصبح التعبير اللفظي المتقدم شرطًا لا يستطيعون تحقيقه.
هذا الموقف ليس مناولة رضع بالمعنى الصارم، لأنه لا يجعل المعمودية وحدها كافية. وهو أيضًا ليس تأجيلًا تقليديًا قائمًا على العمر، لأنه يقبل إمكان الإيمان الحقيقي والتمييز المناسب في سن صغيرة. ويمكن اعتباره تطبيقًا أكثر اتساقًا للمبدأ المصلح القائل إن العشاء للمؤمنين القادرين على الفحص، إذا فُهمت القدرة بحسب واقع الشخص، لا بحسب نموذج فكري واحد.
خاتمة
يكشف سؤال الأطفال ومائدة الرب عن صعوبة حقيقية داخل اللاهوت المشيخي. فالطفل المعمَّد داخل العهد، لكنه ليس لذلك مستفيدًا آليًا من كل علامة دون إيمان. والعشاء وليمة شركة ووسيلة نعمة، لكنه أيضًا ممارسة يطلب فيها الرسول الذكر والإعلان والفحص والتمييز.
يقدم التقليد الأرثوذكسي نموذجًا متماسكًا لمناولة الرضع داخل فهمه لوحدة الأسرار وفاعليتها. ويقدم التقليد الكاثوليكي اللاتيني نموذج سن التمييز والاستعداد. أما المعمدانيون فيرفضون مناولة الرضع نتيجة طبيعية لرفضهم معموديتهم. وتتراوح بقية التقاليد البروتستانتية بين التعليم السابق للمائدة، والمناولة المبكرة، والدعوة المفتوحة.
داخل التقليد المصلح، يمثل كالفن والاعترافات التاريخية موقفًا واضحًا يميز بين المعمودية والعشاء ويشترط إيمانًا فاعلًا في المتناول. ولم يكن هذا الموقف مجرد نسخة من الممارسة الكاثوليكية، رغم تأثره بالسياق الغربي. وفي المقابل، أجبر المدافعون المعاصرون عن مناولة الأطفال الكنائس المشيخية على مواجهة أسئلة أهملتها، خاصة معنى عضوية الطفل، واعتباطية الأعمار، وتحويل الفحص إلى امتحان، وإهمال المائدة بوصفها وسيلة لتغذية الإيمان لا جائزة على نضجه.
لذلك لا ينبغي اختزال البدائل في خيارين فقط: إما مناولة الرضيع بلا أي اعتراف، أو منعه حتى الثانية عشرة أو الرابعة عشرة. يمكن للكنيسة المشيخية أن تتمسك بأن المائدة للذين يتغذون على المسيح بالإيمان، وفي الوقت نفسه تعترف بأن الطفل يستطيع أن يؤمن ويعترف ويميز بحسب سنه، وأن إيمانه البسيط ليس أقل حقيقة من إيمان البالغ الضعيف.
السؤال الحاسم ليس: هل بلغ الطفل سنًا وضعتها العادة الكنسية؟ بل: هل يظهر، بحسب سنه وقدرته، إيمانًا ذا مصداقية بالمسيح، وتمييزًا لمائدته، ورغبة في التوبة والشركة مع جسده؟ إن كانت الإجابة نعم، فإن منع الطفل لمجرد صغر سنه يصبح أصعب دفاعًا من قبوله تحت رعاية الكنيسة وتعليمها المستمر.
[1] Cornelis P. Venema, Children at the Lord’s Table? Assessing the Case for Paedocommunion (Grand Rapids: Reformation Heritage Books, 2009), 1–18.
[2] الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، «يوم النعم الثلاث»، تعليم للبابا تواضروس الثاني عن المعمودية والميرون والإفخارستيا؛ أنطونيوس فكري، شرح طقس سر المعمودية، موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
[3] Catechism of the Catholic Church, 2nd ed. (Washington, DC: United States Catholic Conference, 2000), §§1233, 1244.
[4] Code of Canon Law, Latin English Edition (Washington, DC: Canon Law Society of America, 1983), canons 97, 913–914.
[5] Council of Trent, Session XXI, chap. 4, in Norman P. Tanner, ed., Decrees of the Ecumenical Councils, vol. 2 (Washington, DC: Georgetown University Press, 1990), 727–728.
[6] Southern Baptist Convention, The Baptist Faith and Message (Nashville: Southern Baptist Convention, 2000), art. 7.
[7] Commission on Theology and Church Relations, Knowing What We Seek and Why We Come: Questions and Answers Concerning the Communing of Infants and Young Children (St. Louis: Lutheran Church, Missouri Synod, 2014).
[8] Evangelical Lutheran Church in America, The Use of the Means of Grace: A Statement on the Practice of Word and Sacrament (Chicago: Evangelical Lutheran Church in America, 1997), principles 37–39.
[9] Church of England, Admission of Baptised Children to Holy Communion before Confirmation: Regulations and Guidelines (London: Church House Publishing).
[10] United Methodist Church, “Can Children Take Communion?” ,“The Meaning of Holy Communion,”
[11] Westminster Confession of Faith, 7.5–6, 25.2, 28.4؛ The Heidelberg Catechism, Q. 74.
[12] Tim Gallant, Feed My Lambs: Why the Lord’s Table Should Be Restored to Covenant Children (Grande Prairie, AB: Pactum Reformanda, 2002), 39–82.
[13] Venema, Children at the Lord’s Table?, 41–76.
[14] Gordon D. Fee, The First Epistle to the Corinthians, rev. ed., New International Commentary on the New Testament (Grand Rapids: Eerdmans, 2014), 445–463؛ Anthony C. Thiselton, The First Epistle to the Corinthians, New International Greek Testament Commentary (Grand Rapids: Eerdmans, 2000), 726–758.
[15] David E. Garland, 1 Corinthians, Baker Exegetical Commentary on the New Testament (Grand Rapids: Baker Academic, 2003), 547–552.
[16] Roy E. Ciampa and Brian S. Rosner, The First Letter to the Corinthians, Pillar New Testament Commentary (Grand Rapids: Eerdmans, 2010), 549–552؛ Richard B. Hays, First Corinthians, Interpretation (Louisville: John Knox Press, 1997), 199–200.
[17] John Calvin, Institutes of the Christian Religion, ed. John T. McNeill, trans. Ford Lewis Battles, 2 vols. (Louisville: Westminster John Knox Press, 1960), 4.16.30, 4.17.1–5.
[18] The Westminster Larger Catechism, Q. 177.
[19] The Heidelberg Catechism, Q. 81.
[20] Cyprian of Carthage, The Lapsed, 25, in The Ante-Nicene Fathers, vol. 5, ed. Alexander Roberts and James Donaldson (Buffalo, NY: Christian Literature Publishing, 1886).
[21] Augustine, On the Merits and Forgiveness of Sins and on the Baptism of Infants, 1.20.26–27, in Nicene and Post-Nicene Fathers, first series, vol. 5, ed. Philip Schaff (Buffalo, NY: Christian Literature Publishing, 1887).
[22] Odd Magne Bakke, When Children Became People: The Birth of Childhood in Early Christianity (Minneapolis: Fortress Press, 2005), 218–246؛ Robert A. Meyers, “Infant Communion: Reflections on the Case from Tradition,” Worship 62 (1988): 520–535.
[23] Fourth Lateran Council, canon 21, in Tanner, Decrees of the Ecumenical Councils, 1:245؛ Council of Trent, Session XXI, chap. 4.
[24] Sacred Congregation for the Discipline of the Sacraments, Quam Singulari (1910)؛ Sacred Congregation for the Sacraments and Divine Worship, “First Confession and First Communion” (1980).
[25] جون كالفن، أسس الدين المسيحي، تحرير وتقديم جورج صبرا، ترجمة أديب عوض ووليد هرموش وفيكتور مكاري، تنقيح سهيل سليمان، مجلدان (بيروت والقاهرة: دار منهل الحياة ودار الثقافة، ٢٠١٩)، الكتاب الرابع، الفصل السادس عشر، الفقرة ٣٠.
[26] المرجع السابق
[27] Philip Schaff, History of the Christian Church, vol. 8, Modern Christianity: The Swiss Reformation (New York: Charles Scribner’s Sons, 1892), §119؛ John Calvin, “Draft Ecclesiastical Ordinances,” in Calvin: Theological Treatises, ed. J. K. S. Reid (Philadelphia: Westminster Press, 1954), 58–72.
[28] Amy Nelson Burnett, “Confirmation and Christian Fellowship: Martin Bucer on Commitment to the Church,” Church History 64, no. 2 (1995): 202–217.
[29] The Heidelberg Catechism, Q. 81؛ تعليم هايدلبرج المسيحي، ترجمة عربية منشورة من خدمات ليجونير.
[30] The Belgic Confession, art. 35.
[31] The Westminster Larger Catechism, Q. 171, 173, 177؛ دليل وستمنستر المختصر، الأسئلة ٩٦، ٩٧، ترجمة عربية منشورة من خدمات ليجونير.
[32] الكنيسة الإنجيلية في مصر، دستور الكنيسة الإنجيلية في مصر، مادة ٩٥.

