هل قام المسيح بالجسد؟

التعريف

إن التأكيد على قيامة يسوع بالجسد هو تأكيد محوري بالنسبة للإيمان المسيحي، باعتباره حجر الزاوية لكل تأكيد على ألوهيته والفاعلية الخلاصية لِعَمله، وعلى الرغم من أنه تأكيدٌ يَتعرَّض إلى مُنازعة ساخنة مِن قِبَل الافتراضات الطبيعانية المُسبَقة، إلا أن البيانات التاريخية تَدعَم تأكيد المسيحية على القيامة.

المُوجز

إن التأكيد على قيامة يسوع بالجسد هو تأكيد محوري بالنسبة لرسالة الإنجيل. بدون قيامته بالجسد، سيُعتبر تصريحه بألوهيته تصريحًا فارغًا، وسيكون التصريح بأن رسالة الإنجيل هي قوة الله للخلاص تصريحًا كاذبًا. على الرغم من أن العديد من الافتراضات الطبيعانية المُسبَقة تَحدَّتْ صحةَ التأكيد على قيامة يسوع، إلا أنه توجد ستة عوامل تَدعم مصداقية هذا التأكيد التاريخي. أولًا، لم يَكُن الموت بالصَّلب شيئًا قد يؤلِّفه أتباع يسوع. ثانيًا، تَتفق قِصص الدَّفن مع كل الأدلة التاريخية التي لدينا. ثالثًا، كان من السهل التأكُّد من الادعاء بِكون القبر فارغًا، لكن لا توجد قِصصٌ مُخالِفة. رابعًا، صرَّح الرُسل بأنهم تقابلوا مع يسوع المُقام من الأموات وجهًا لوجه. خامسًا، كان هؤلاء الرُسل مُستعدين للمُعاناة والموت من أجل هذه التصريحات. سادسًا، إن الذين لم يَكن مُحتملًا أن يَهتدوا إلى الإيمان المسيح اهتدوا رُغم ذلك إلى الإيمان بواسطة مُقابلات شخصية مع المسيح المُقام من الأموات.


تأتي قيامة يسوع في “المقام الأول” بالنسبة لرسالة الإنجيل (١ كورنثوس ١٥: ١-٣). من خلال هذا الحَدث، يَتبرَّر المؤمنون أمام الله (رومية ٤: ٢٥) ويُمَكَّنوا من السَير في جِدَّة الحياة (رومية ٦: ٤؛ ٢ كورنثوس ٥: ١٥؛ أفسس ٢: ١-١٠؛ كولوسي ٣: ١). بالإضافة إلى ذلك، فإن نَفس القوة التي أقامت يسوع من الأموات ستُقيم المؤمنين (رومية ٦: ٥؛ ٨: ١١؛ ١ كورنثوس ٦: ١٤؛ ٢ كورنثوس ٤: ١٤؛ فيلبي ٣: ٢٠، ٢١؛ ١ تسالونيكي ٤: ١٣، ١٤). لكن بدون القيامة، سنبقي في خطايانا، وسنكون قد شهدنا زورًا عن الله، ويكون إيماننا بلا قيمة، ونكون أشقى جميع الناس (١ كورنثوس ١٥: ١٢-١٩، ٣٢-٣٤).

في ضوء محوريتها بالنسبة للإيمان المسيحي، ليس من الغريب أن قيامة يسوع تَرد في جميع العِظات في سِفر أعمال الرُسل (٢-٥، ١٠، ١٣، ١٧). في هذه العِظات، أشار الرُسل إلى أنهم كان شهودًا ليسوع المُقام من الأموات (٢: ٣٢؛ ٣: ١٥). أشار بولس إلى القيامة باعتبارها الدليل على أنه تم تحديد يومٍ فيه سيُحاسَب البشر (١٧: ٣١؛ قارن مع ١٠: ٤٢) وأن الذين يؤمنون بيسوع ويَتبعونه سينالون غُفران الخطايا (١٠: ٤٣؛ ١٣: ٣٨).

يُمكننا إذن أن نَرى لماذا تُعد قيامة يسوع ضرورية للغاية للمؤمنين، وأن نَرى أنه تَنبع عدة استنتاجات هامة منها. تُقدِّم القيامة رجاءً، وتعزيةً، وسلامًا، وفرحًا هائلين. بما أن كل هذه في غاية الأهمية، فمن الضروري على المؤمنين أن يَظلوا مُتذكِّرين الأدلة على إيمانهم بالقيامة لكي يكونوا مُستعدين أن يُعطوا سببًا للرجاء الذي فيهم عندما يُسألوا (١ بطرس ٣: ١٥). إن المواقف التي قد يُطلَب مِنَّا فيها أن نُقدم ردًا ستظهر في سياق الكرازة (أعمال الرسل ١٧: ١٨-٢٠، ٣٢-٣٤) أو في وسط الألم الشخصي والمُعاناة (١ تسالونيكي ٤: ١٣، ١٤؛ ١ بطرس ١: ٣-٩).

سنُقدِّم أدناه سِت حقائق لا تَدعم فقط قيامة يسوع، بل تُجادل بقوة ضد النظريات الطبيعانية. بالإضافة إلى ذلك، ستكون كل واحدة من هذه الحقائق مدعومة بِعدة معايير تاريخية.

١. موت يسوع بالصَّلب

تَشهد إلى تلك الحقيقة عدةُ مصادر عبر العهد الجديد، وكذلك مصادر غير مسيحية (يوسيفوس، تاسيتوس، وآخرين)، ومصادر مسيحية خارج العهد الجديد (إكليمندس الروماني، وإغناطيوس، وآخرين). عندما توجد عدة مصادر مُستقلة تَشهد إلى صحة حدثٍ ما، فإن المؤرخين يعتقدون أن هذا يُزيد من احتمالية أن ذلك الحدث وَقَعَ. وهكذا، فإن هذه المصادر المُستقلة العديدة التي تَذكُر موت يسوع بالصَّلب تُزيد من احتمالية صَلبه.

كان الصَلب حدثًا مُهينًا، وليس شيئًا قد يؤلِّفه التلاميذ الأوائل. بالنسبة لليهود، كان يُنظَر إلى مَن يُصلَب بصفته واقعًا تحت اللعنة (تثنية ٢١: ٢٢، ٢٣؛ غلاطية ٣: ١٣). كان الرومان أيضًا ينظرون إلى الصليب باعتباره “جهالةً” بما أنه كان يُعتبر عقابًا يَقتصر على العبيد (١ كورنثوس ١: ٢٣).  

إنه من المُتوقَّع أن الذين أرادوا أن يُعدَم يسوع كانوا سيتأكَّدون من أن إعدامه اكتملَ. في الواقع، تم توجيه ضربة قاتلة أخيرة لضمان أن يسوع كان ميتًا بالفعل (يوحنا ١٩: ٣٣، ٣٤).

٢. الدَّفن

توجد عدة مصادر تَذكُر دَفن يسوع. يَرِد أقدم التقاليد في قانون إيمانٍ ردَّده بولسُ في ١ كورنثوس ١٥: ٤، والذي يُرجِع العديد من الباحثين تاريخه إلى أوائل الثلاثينيات من القرن الأول الميلادي. بالإضافة إلى كتابات بولس، يُذكَر دَفن يسوع في كل واحد من الأناجيل الأربعة وكذلك في سِفر أعمال الرُسل.

الأهم من ذلك، إن الدليل الإيجابي الوحيد الذي لدينا بخصوص دَفن يسوع هو إجماعٌ على أن يسوع دُفِنَ فعلًا. لا توجد شهادات مُعارِضة بخصوص الدَفن. بالإضافة إلى ذلك، يُقدِّم عِلم الآثار دليلًا على أن ضحايا الصَّلب نالوا دَفنًا مُناسبًا. في عام ١٩٦٨، عُثِرَ على مصلوبٍ اسمه يهوحانان في صندوقٍ (يَحوي عظام الميت) والذي تم تحديد أن تاريخه يعود إلى ثلاثينيات القرن الأول الميلادي، وهو نَفس العقد الذي صُلِبَ ودُفِنَ فيه يسوع.

٣. القبر الفارغ

إن القبر الفارغ، مثل الدَّفن، يُذكَر في الأناجيل الأربعة. يوجد ضمنيًا في قانون الإيمان المذكور في ١ كورنثوس ١٥: ٣ وما بعده، وكذلك في العِظة في ٢: ٢٢-٣٢ (قارن مع لوقا ٢٤: ١-١٢). اعترفَ خصوم يسوع عن غير قصدٍ بأن القبر كان فارغًا عندما ادَّعوا أن التلاميذ سرقوا جسدَ يسوع (متى ٢٨: ١١-١٥). كان هذا الادعاء يسعى إلى تفسير لماذا كان القبر فارغًا لا إلى إنكار أن القبر كان فارغًا فعليًا.

أُعلِنتْ الرسالة المُبكرة للقيامة في أورشليم، مما جَعَلَ تصريح الرُسل قابل للفَحص حيث أن القبر كان في نفس هذه المدينة. بما أنها أُعلنتْ في أورشليم، كان بإمكان أي شخصٍ مُهتم أن يَذهب ويَفحص القبر بِنَفسه.

٤. كان للرُسل مُقابلات آمنوا أنها كانت مع يسوع المُقام من الأموات

تَرِد أقدم قائمة للظهورات في ١ كورنثوس ١٥: ٥-٩. إن الظهورات التي تُذكَر هي ظهورات يسوع لأفراد (بطرس، ويعقوب، وبولس) وكذلك لمجموعات (الاثني عشر، وخمسمئة شخصًا، وجميع الرُسل). يُعتقَد أن بولس “استلمَ” قانون الإيمان هذا (١٥: ١، ٣) في أثناء رحلته إلى أورشليم، ثلاثة سنوات فقط بعد اهتدائه للمسيحية (غلاطية ١: ١٨، ١٩). من المُثير للاهتمام، كان الاثنان اللذين قابلهما بولس في أثناء هذه الرحلة هما بطرس ويعقوب، أخو الرب (نفس الشخصيْن المذكوريْن في قانون الإيمان). لكن، إذا كانا قد سلَّماه إلى بولس في هذه المُقابلة، فإن ذلك يعني أنه كان موجودًا مِن قَبْلها. لذلك، يُرجِع العديد من الباحثين تاريخ قانون الإيمان هذا إلى أوائل الثلاثينيات من القرن الأول الميلادي، بعد صَلب يسوع (حوالي ٣٠ م) بفترة قصيرة.

على الرغم من أن قائمة بولس تُعتبر الأقدم، إلا أن العِظات المُسجَّلة في سِفر أعمال الرسل التي تَذكُر أن بطرس وآخرين كانوا شهودًا هي عِظات مُبكرة أيضًا (أعمال الرسل ٢: ٣٢؛ ٣: ١٥). بالتأكيد، تُذكَر الظهورات أيضًا في متى، ولوقا، ويوحنا (وكذلك في أسفار ليست ضمن قانونية الكتاب المُقدَّس). الأهم من ذلك، في قانون الإيمان المُبكر، تُذكَر ثلاث ظهورات لمجموعات. إن الظهورات للمجموعات تُذكَر في أسفار أخرى (متى ٢٨: ١٦-٢٠؛ لوقا ٢٤: ١٣-٤٩؛ يوحنا ٢٠: ١٩-٢٤؛ أعمال الرسل ٢: ٣٢). تُعتبر الظهورات للمجموعات هامة لأنها تُجادل بقوة ضد إمكانية أن الظهورات كانت هلاوس.

٥. الاستعداد للمُعاناة

بينما مات الكثيرون من أجل شيءٍ اعتقدوا أنه صحيح (بما في ذلك المسيحيين اليوم)، إلا أن المسيحيين الأوائل كانوا مُستعدين للمُعاناة والموت من أجل ما عَلِموا أنه صحيح. لذلك، فإن استعدادُ المسيحيين الأوائل للمُعاناة والموت من أجل مُعتقداتهم يُسلِّط الضوء على صِدقهم بطريقة فريدة بما أنهم عَلِموا أن ما هُم مُستعدين للمُعاناة من أجله كان إما صحيحًا أو زائفًا (على عكس الشهداء المسحيين المُعاصرين الذين يَبنون مُعتقداتهم على تصريحات الرُسل).

يُقدِّم بولس شهادات مُباشرة عن استعداده للمُعاناة. إن ما هو جديرٌ بالمُلاحظة هو أنه يُقدِّم في ٢ كورنثوس ١١: ٢٣-٢٩ قائمةً بالصعاب التي احتملها شخصيًا، والتي تَتضمَّن تَعرُّضه للجَلد خمس مرات. بالإضافة إلى ذلك، تُقدِّم المصادر المسيحية (إكليمندس) وغير المسيحية (يوسيفوس) شهادات مُبكرة بخصوص موت بطرس، وبولس، ويعقوب أخي الرب.

٦. اهتداء غير المؤمنين (بولس ويعقوب)

بالإضافة إلى الشهادات الموجودة في أعمال الرسل ٩، و٢٢، و٢٦، يُقدِّم بولس شهادته الخاصة لتَحوُّله من مُضطهد للكنيسة إلى تابعٍ ليسوع (١كورنثوس ١٥: ٨-١٠؛ غلاطية ١: ١٢-١٦؛ فيلبي ٣: ٦، ٧؛ ١ تيموثاوس ١: ١٢-١٧). كان يعقوب، أخو الرب، يُعتبر مُتشككًا في أثناء خدمة يسوع (مرقس ٣: ٢١؛ ٦: ٢-٤، ٦؛ يوحنا ٧: ٥). مع ذلك، أصبح يعقوب لاحقًا قائدَ الكنيسة الأولي (أعمال الرسل ١٥: ١٣ وما بعدها) وكان من “أعمدة” الكنيسة والذي تَقابل معه بولس بينما كان في رحلته إلى أورشليم (غلاطية ١: ١٨، ١٩؛ ٢: ٩). كذلك أشار بولس تحديدًا إلى أن يعقوب رأى الرب المُقام من الأموات (١ كورنثوس ١٥: ٧؛ أعمال الرسل ١: ١٤).

إن هذه الحقائق الست مشهودٌ لها تاريخيًا بقوة، ولم تَستطِع النظريات الطبيعانية أن تَنفيها. على سبيل المِثال، خُذ الادعاء المُشار إليه أعلاه بأن التلاميذ سرقوا الجسد. أولًا، كانوا مُستعدين للمُعاناة والموت من أجل هذا المُعتقَد. يُروِّج الكاذبون للأكاذيب ليَجعلوا حياتهم أكثر راحةً لا ليُواجهوا مُعاناةً أكبر. ثانيًا، لو أن التلاميذ سرقوا الجَسد، لن يُفسِّر هذا اهتداءَ بولس ويعقوب. قبل اهتدائه، ربما اعتقدَ بولسُ أن التلاميذ سرقوا الجسد بالفعل! مع ذلك، بالنسبة لبولس، كانت مُقابلته مع يسوع هي التي حوَّلته إلى المسيحية.

تُعتبر نظرية الهَلْوَسة مِثالًا آخر على كيف تَتحدَّى الحقائقُ النظريات الطبيعانية. مثلما أُشيرَ أعلاه، توجد عدة ظهورات لمجموعات مما يُجادل بقوة ضد نظرية الهَلْوَسة. بالإضافة إلى ذلك، لم يَكُن من المُرجَّح أن بولس سيُهلوِس بصفته مُضطهدًا للكنيسة. أخيرًا، لم يَكُن القبر ليكون فارغًا إذا كان التلاميذ يُهلوسون. إن أصدقاء التلاميذ وعائلاتهم أو السُلطات نفسها كانت ستُشير إلى أن الجسد ما زال في القبر! لكن ذلك لم يَحدث. لذلك، نَرى مُجددًا كيف تستطيع هذه الحقائق أن تُجادل ضد النظريات الطبيعانية.

لم نَستطِع أن نُقدِّم سوى نظرة مُختصرة للأدلة على كلٍ من هذه الحقائق الست المُتعلِّقة بقيامة يسوع. بما أن العهد الجديد هو مجموعة من الكتابات، فإن كل كاتب يُقدِّم تفاصيله الخاصة. يُسلِّط العهدُ الجديد الضوءَ على محورية القيامة بالنسبة للمسيحية. الأهم من ذلك، تستطيع الأدلة أن تُساعد المؤمنين على المُشاركة برسالة الإنجيل، عن طريق الإبقاء على التركيز المحوري على يسوع وعلى القيامة. بالإضافة إلى ذلك، تُعد القيامة الأساس لتغيير المؤمنين، أن يُميتوا أعمال الجسد ويَسلكوا في جِدة الحياة (رومية ٦: ٤). يستطيع المؤمنون أيضًا، في أثناء أوقات الشك والمُعاناة، أن يُذكِّروا أنفسهم بحقيقة القيامة وما يَنبع منها (١ بطرس ٣: ٩). إن قيامة يسوع، إذن، هي حدثٌ مركزي للتعاليم والمُمارسات المسيحية، والتي تَشهد لها أيضًا الأدلةُ بقوة.

شارك مع أصدقائك