معركة الإرادة (1): بيلاجيوس وأوغسطينوس

التعريف

الجدل بخصوص الإرادة الذي نشأ بين أوغسطينوس وبيلاجيوس تمحور في المقام الأوَّل حول عقيدة الخطيَّة الأصليَّة، وحول طبيعة النعمة اللازمة ليعيش البشر حياة الإيمان والقداسة.

الملخَّص

كان بيلاجيوس وأوغسطينوس اثنين من أولى الشخصيَّات في المسيحيَّة المبكِّرة الذين تجادلوا بخصوص طبيعة الإرادة البشريَّة بعد سقوط آدم وحواء، وطبيعة النعمة اللازمة ليمارس البشر الإيمان. قال بيلاجيوس إنَّ خطيَّة آدم، التي تُدعَى الخطيَّة الأصليَّة، لم تنتقل بأيِّ حال من الأحوال إلى بقيَّة الجنس البشريِّ، أو تُحتَسَب عليهم. بل ببساطة، كان آدم وحواء مجرَّد نموذج سيِّئ احتذى به كلُّ نسلهما. وبسبب هذا الاعتقاد، رأى بيلاجيوس أنَّ النعمة فقط تساعد البشر ليعرفوا ما ينبغي أن يفعلوا حتَّى يعيشوا بالقداسة، وأنَّ البشر قادرون تمامًا على إطاعة الوصايا. في المقابل، قال أوغسطينوس إنَّ خطيَّة آدم أحدثت تأثيرًا في إرادة كلِّ إنسان جاء بعده، الأمر الذي جعل البشر عاجزين عن أن يتبعوا وصايا الله أو يحبُّوه. وبسبب ذلك، لا تؤدِّي نعمة الله فقط دورًا تنويريًّا، لكنَّها بالأحرى تعتق الإرادة، ممكِّنة إيَّاها من أن تحبَّ الله وتطيعه.


واحدٌ من أهمِّ الجدالات التي اندلعت في تاريخ الكنيسة هو الجدل بين البيلاجيَّة والأوغسطينيَّة. ربَّما استطعتَ أن تخمِّن بالفعل أنَّ هاتين التسميتين تمثِّلان شخصيَّتين، هما بيلاجيوس وأوغسطينوس، اللذان عاش كلاهما في القرن الرابع والقرن الخامس الميلاديِّ. كان هذا الجدل معقَّدًا، ومكوَّنًا من العديد من الطبقات، مثل البصلة. لكن، كانت جوانبه الرئيسيَّة تتعلَّق بطبيعة الإنسان، وضرورة النعمة الإلهيَّة.

بيلاجيوس

كان بيلاجيوس شديد الجدِّيَّة بشأن التقوى. وتجلَّت غيرته في ولائه للرهبنة. كما تجلَّى شغفه بالتقوى في الجهود التي بذلها في سبيل إحداث إصلاح أخلاقيٍّ. قد يبدو ذلك في حدِّ ذاته دافعًا وهدفًا جديرًا بالثناء، لكن إذ كان هذا الهدف مدفوعًا ومسوقًا بفكر لاهوتيٍّ وضع كل تركيزه على إمكانيَّات الإنسان الفطريَّة، فقد تبيَّن أنَّه كان مثيرٌ للجدل، على أقلِّ تقدير.

رفض الخطيَّة الأصليَّة

دعونا نبدأ بالخطيَّة، وتحديدًا بالخطيَّة الأصليَّة، أي الاعتقاد بأنَّ ذنب آدم وفساده قد توارثه الجنس البشريِّ بأكمله. رفض بيلاجيوس عقيدة الخطيَّة الأصليَّة، مؤكِّدًا أنَّ خطأ آدم أثَّر فيه وحده دون سواه، وأنَّ ذنبه وفساده لم ينتقلا إلى الجنس البشريِّ، أو يُحتَسَبا عليه. بل بالأحرى، كان آدم مجرَّد نموذج سيِّئ ومؤسف. والذين جاؤوا بعد آدم حذوا حَذْوَ أبيهم، متمثِّلين بعصيانه لله. وهكذا استمرَّت الخطيَّة إلى يومنا هذا.

وبرفض بيلاجيوس للقوَّة الاستعباديَّة التي تمارسها الخطيَّة الأصليَّة، نسب قوَّة كبيرة إلى إرادة الإنسان حتَّى بعد السقوط. فبحسب بيلاجيوس، ليست إرادة الله مائلة نحو الخطيَّة، أو واقعة تحت سيطرتها، كما لو أنَّ ميول الإنسان قد تلوَّثت من آدم. فليست إرادة الإنسان مستعبَدة لطبيعة آدميَّة فاسدة، كما لو كان الإنسان عاجزًا عن القيام بأعمال تستحقُّ البرَّ. لكن في المقابل، إرادة الإنسان حرَّة بالقدر نفسه، سواء بعد تكوين 3 أو قبله.

يمكنك أن تتخيَّل، إذًا، الغضب العارم الذي شعر به بيلاجيوس عندما قرأ صلاة أوغسطينوس، التي وردت في كتاب “الاعترافات” الخاص به، والتي تقول: “أمنحنا ما أمرتنا به، ثم أأمرنا بما تشاء”. توحي تلك الصلاة ضمنًا بعجز الإنسان، واعتماده على الله. كما توحي بحاجة الإنسان الماسَّة إلى نعمة الله حتَّى يفعل الأمر نفسه الذي يوصيه الله بأن يفعله. قال بيلاجيوس: هذا غير صحيح، لأنَّه إذا أعطى الله وصيَّة -ومثل تلك الوصايا منتشرة عبر الكتاب المقدَّس- فلا بُدَّ أن يكون الإنسان قادرًا من تلقاء نفسه على تنفيذها. فالله لا يمكنه البتَّة أن يوصي الإنسان بفعل شيء يعجز الإنسان عن فعله.

إعادة تعريف النعمة وعمل المسيح

وإذا كانت إرادة الإنسان حرَّة بالقدر الذي يظنَّه بيلاجيوس، فهل تكون النعمة الإلهيَّة ضروريَّة؟ الإجابة المختصرة عن ذلك هي: “كلاَّ”. فنعمة الله تستطيع مساعدة الخاطئ، وهي تساعده بالفعل، لكنَّها فعليًّا غير ضروريَّة. فلو كانت ضروريَّة، لقوَّض ذلك من حريَّة الإنسان، ولما حُسِب الإنسان مسؤولاً عن أفعاله. فلا بدَّ أن يكون الإنسان قادرًا على اختيار الخير تمامًا بقدر قدرته على اختيار الشرِّ. وإن قدَّم الله للإرادة أيَّة مساعدة في هذا الشأن، لن يكون الإنسان حرًّا بحقٍّ.

كان لرفض ضرورة النعمة تأثيرٌ على مفهوم بيلاجيوس لدعوة الله، بل وللنعمة نفسها. ففي تفسير بيلاجيوس للرسالة إلى رومية، قال عن إشارة الكتاب المقدَّس إلى دعوة الله لأولئك الذين سبق فعيَّنهم (رومية 8: 28-30) إنَّ بولس كان يقصد فقط أنَّ الله “يجمع كلَّ الراغبين، دون غير الراغبين”. وبالتبعيَّة، عرَّف بيلاجيوس النعمة لا بأنَّها شيء فائق للطبيعة، وفعَّال، ولا يمكن مقاومته، وضروريٌّ؛ بل على النقيض من ذلك، عرَّف بيلاجيوس النعمة بأنَّها الشيء الذي يكشف للإنسان الفرق بين الصواب والخطأ، معطيًا إيَّاه مزيدًا من الاستنارة فيما يتعلَّق بواجباته بأن يطيع ناموس الله ويتمثَّل بالمسيح. كذلك، رأى بيلاجيوس أنَّ المسيح لم يأتِ ليكفِّر عن خطايانا، بل ليقدِّم لنا نموذجًا اخلاقيًّا يُحتذَى به، نستطيع من خلاله الوصول إلى السماء. وقال أيضًا إنَّ الإنسان قادر من تلقاء ذلك أن يفعل ذلك. يعني ذلك أنَّ بيلاجيوس كان يؤمن بالعمل الأحاديِّ [أو المونورجيزم]، أي بأنَّ الخلاص هو عملُ طرفٍ واحدٍ فحسب، لكنَّه آمن بأنَّ هذا الطرف ليس هو الله بل الإنسان.

ومع أنَّه كان لبيلاجيوس بعض الأتباع المخلِصين، كان الكثير منهم أكثر فصاحة وإقناعًا من بيلاجيوس نفسه من الناحية اللاهوتيَّة (على سبيل المثال، سيليستيوس Caelestius، وجوليان أسقف إكلانوم Julian of Eclanum)، وقد أُدينت تعاليمه من قِبَل عديد من المجامع (مثل مجمع قرطاجنة ومجمع مليف في عام 418 ميلاديًّا، ومجمع أفسس في عام 431 ميلاديًّا)و.

أوغسطينوس

كما ذكرنا آنفًا، شجب بيلاجيوس صلاة أوغسطينوس التي وردت في كتابه “الاعترافات”، لأنَّها عبَّرت عن اعتماد المؤمن التامِّ على الله ليتمكَّن من تنفيذ وصاياه. وظهرت وجهات نظر بيلاجيوس في كتاباته، ومنها كتاب بعنوان On Nature (“عن الطبيعة”)، وكذلك كتاب بعنوان On Free Will (“عن حريَّة الإرادة”). لكن لم يلتزم أوغسطينوس الصمت إلى الأبد. وفي البداية، قدَّم ردودًا على سيليستيوس. لكن في عام 415 ميلاديًّا، ردَّ أوغسطينوس على بيلاجيوس نفسه في كتابه بعنوان On Nature and Grace (“عن الطبيعة والنعمة”).

محور الجدل: الخطيَّة الأصليَّة وعبوديَّة الإرادة

تُظهِر كتابات أوغسطينوس أنَّ الجدل بأكمله تمحور حول رفض بيلاجيوس للخطيَّة الأصليَّة. فطالما حُسِب الإنسان حرًّا من قبضة الخطيَّة، لن تكون النعمة ضروريَّة على الإطلاق. ولذلك، قدَّم أوغسطينوس دفاعًا تفصيليًّا ومطوَّلاً عن عقيدة الخطيَّة الأصليَّة، اشتمل على تفسيرات لنصوص من قبيل المزمور 51 ورومية 5. وأثبت أوغسطينوس أنَّ الجنس البشريَّ تأثَّر بالفعل بذنب آدم وفساده. وما الذي ترتَّب على ذلك؟ “لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ ٱللهَ” (رومية 3: 11).

علاوةً على ذلك، ليست الخطيَّة الأصليَّة قاصرة في نطاقها على بعض البشر فحسب، لكنَّها بالأحرى شاملة في مداها. أيضًا، لا تؤثِّر الخطيَّة الأصليَّة فقط على جزء من الإنسان، بل قد توغَّل سُمَّها إلى كلِّ جانب من جوانب الإنسان. فما من جزء في طبيعة الإنسان استطاع الإفلات منها. يعني ذلك أنَّ إرادة الإنسان أيضًا سقطت تحت لعنة الخطيَّة.

قبل السقوط، لم تكن إرادة الإنسان مستعبَدة للخطيَّة، بل كانت قادرة على اختيار الخير. وكانت الخطيَّة مجرَّد احتماليَّة متاحة. لكن بعد السقوط، تغيَّرت طبيعة إرادة الإنسان. وإذ تلوَّثت بفعل الخطيَّة، فإنَّ الشيء الذي كان في ما سبق مجرَّد احتماليَّة صار الآن ضرورة. ووصف أوغسطينوس هذا التحوُّل مستخدمًا العبارات اللاتينيَّة التالية:

posse peccare: بمعنى أنَّه قبل السقوط، كان بإمكان الإنسان ارتكاب الخطيَّة.

posse non peccare: بمعنى أنَّه قبل السقوط، كان بإمكان الإنسان ألاَّ يرتكب الخطيَّة.

لكن بعد السقوط …

non posse non peccare: لم يعد بإمكان الإنسان ألاَّ يرتكب الخطيَّة.

صحيح أنَّ الإنسان ظلَّ بعد السقوط كائنًا أخلاقيًّا مسؤولاً (فضرورة ارتكابه للخطيَّة لم تلغِ مسؤوليَّته عن ارتكابها)، لكن قدرته الأخلاقيَّة صارت مائلة بالضرورة نحو الخطيَّة والشرِّ. فلا يتوقَّف الأمر عند كون الإنسان عاجزًا عن اختيار ما يرضي الله، لكنَّه أيضًا غير راغب في ذلك. ومن ثَمَّ، إنَّ عبوديَّته متعمَّدة وإراديَّة. عبَّر أوغسطينوس عن ذلك قائلاً إنَّ الإنسان صارت لديه بعد السقوط إرادة حرَّة مستعبَدة (liberum arbitrium captivatum). وفقط بنعمة الله، يحظى الإنسان بإرادة حرَّة محرَّرة (liberum arbitrium liberatum). إذًا، توجد حاجة إلى نعمة تكون قويَّة وفعَّالة لدرجة تمكِّنها من تحرير إرادة مستعبَدة للخطيَّة. فالنعمة ضروريَّة. ولسنا بحاجة إلى أيِّ نوع كان من النعمة، بل إلى نعمة قادرة على تحرير الإرادة المستعبَدة.

ضرورة النعمة المحرِّرة

هذا النوع من النعمة لا بُدَّ أن يكون مختلفًا عن النعمة التي أشار إليها بيلاجيوس. فهي ليست مجرَّد نعمة تنويريَّة أو تثقيفيَّة للذهن، تزيد من وعي الخاطئ بمثال المسيح. فهذا النوع من النعمة هو الناموس متنكِّرًا، لأنَّ ما من خاطئ يستطيع في واقع الأمر أن يفعل ما فعله المسيح. فتوجد حاجة ماسَّة إلى نعمة ليست فقط تنير، بل تلد ثانيةً، وتجدِّد، أي إلى نعمة تعمل في الخاطئ الفاسد خالقةً فيه طبيعة جديدة.

عندما تطرَّق أوغسطينوس إلى نصٍّ مثل رومية 8: 28-30 أو يوحنَّا 6: 45، لم يفسِّره مثلما فسَّره بيلاجيوس، قائلاً إنَّ الله فقط “يجمع الراغبين، دون غير الراغبين”. فهذا ليس فقط سوء تفسيرٍ لكلام بولس ويسوع، لكنَّه لا يضع في اعتباره أيضًا مدى عمق تأثير الخطيَّة الأصليَّة، حتَّى أنَّ إرادة الإنسان نفسها لم تستطع الإفلات منها. بل في المقابل، قال أوغسطينوس، مستشهدًا بنصِّ يوحنَّا 6: 45، إنَّ “كلَّ مَن تعلَّم مِن الآب، ليس فقط تتاح له إمكانيَّة الإقبال إليه، لكنَّه يقبل إليه حتمًا!” (On Rebuke and Grace، “عن التبكيت والنعمة”). فالآب يدعو مختاريه إلى ابنه، ودعوته هذه خاصَّة وفعَّالة على حدٍّ سواء. وفقط نعمة لا تُقاوَم (gratia irresistibilis) هي التي ستتمكَّن من تحرير إرادة مستعبَدة للخطيَّة، والعالم، وإبليس.

الإيمان: عطيَّة بالنعمة

علَّم أوغسطينوس أيضًا أنَّه حتَّى الإيمان نفسه، الذي بواسطته يؤمن الإنسان بالمسيح، ينبغي أن يُحسَب عطيَّة من الله بالنعمة (gratia dei gratuita). فالإنسان لا يقدر حتَّى أن يدَّعي أنَّه هو مَن يبادر بالإيمان. بل إنَّ بداية الإيمان (initium fidei) من الله. فما لم يعطِ الله الإيمان في المقام الأوَّل، لن يؤمن الإنسان البتَّة، بل سيمكث في عدم إيمانه المعاند، والمتعمَّد، والإراديِّ.

ثمَّ انتقالاً إلى كتابات الرسول بولس (أفسس 1: 13-16؛ فيلبِّي 1: 28-29؛ 1تسالونيكي 2: 13)، خلص أوغسطينوس إلى أنَّ إتاحة النعمة للإنسان أمر غير كافٍ، لأنَّ الإنسان، في ضوء عبوديَّته الإراديَّة، لا يريدها. ففي المقابل، توجد حاجة إلى إيمانٍ يجعله الله ليس فقط ممكنًا أو متاحًا، بل واقع ملموس، منشئًا هذا الإيمان بداخل الإنسان. قال أوغسطينوس في كتابه بعنوان Revisions: “ينشئ الله الإرادة نفسها في داخلنا”. هل يعني ذلك أنَّ الله يرغم غير المؤمن؟ كلاَّ البتَّة. قال أوغسطينوس في كتابه بعنوان The Grace of Christ and Original Sin (“نعمة المسيح والخطيَّة الأصليَّة”) إنَّ قوَّة النعمة التي لا تقاوَم تَكمُن في “عذوبتها وجاذبيَّتها التي لا توصَف”.

الجدل البيلاجيُّ كان جدلاً نبويًّا

إنَّ دفاع أوغسطينوس عن الخطيَّة الأصليَّة وعن ضرورة النعمة مثَّل أهميَّة حيويَّة للكنيسة في أيَّام أوغسطينوس، لكن تبيَّن أيضًا أنَّه كان حيويًّا لحقبة مستقبليَّة، وهي حقبة الإصلاح. فربَّما قوبِلت البيلاجيَّة بالرفض من اللاهوتيِّين الكاثوليك الرومانيِّين، لكن على الصعيد الشعبيِّ، ثبَّتت البيلاجيَّة أقدامها بين جموع الناس.

لكن، عندما رجع المصلِحون من قبيل مارتن لوثر وجون كالفن إلى المكتوب، مستعينين بكتابات أوغسطينوس، حرَّرتهم مجَّانيَّة نعمة الله من نظام الخلاص بالأعمال. ونتيجةً لذلك، تنبَّهوا من غفلتهم، وأعادوا اكتشاف النعمة السياديَّة، فملأوا المنابر بأخبارٍ سارَّة تنادي للخطاة المستعبَدين بالحريَّة. وترتَّب على ذلك ليس فقط إصلاح أخلاقيٌّ، بل أيضًا إصلاحٌ في العقيدة والعبادة.

شارك مع أصدقائك

ماثيو باريت

أستاذ اللاهوت المسيحي في كليّة ميدويسترن المعمدانية للاهوت.