تُعد عقيدة البدليّة العقابيّة ركيزة أساسية في اللاهوت الإنجيلي منذ أمد بعيد، غير أنها تعرّضت في السنوات الأخيرة لانتقادات حادة. ويزعم منتقدوها أنها ابتكار متأخر نسبيًّا لا سند له يُذكر قبل عصر الإصلاح الإنجيليّ، وأنها تُصوّر الرب على نحوٍ يجعله شبيهًا بآلهة الوثنيّة. ويسعى هذا المقال لإثبات أن جوهر هذه العقيدة قد عُلِّم به منذ الأيام الأولى للكنيسة، وأن هذه العقيدة نابعة مباشرة من قراءة متأنية ومتعمقة للأسفار المقدسة، التي تشير من أولها إلى آخرها إلى ذبيحة المسيح.
لطالما أثارت عقيدة الكفارة قدراً كبيراً من الجدل عبر التاريخ المسيحي. ولعل ذلك أمر متوقع؛ إذ إن ما أنجزه المسيح على الصليب يمثل الجوهر الذي يفهم من خلاله المؤمنون الإنجيل. غير أن منظور “البدليّة العقابيّة” نال قسطًا خاصًّا من النقد. ويُعرّف اللاهوتي البريطاني جي. آي. باكر هذا الرأي بأنه الإيمان بأن الكفارة تتضمن ” أن يحلّ البريء محلّ المذنب، وباسم المذنب ولأجله تحت قضاء الله العادل.”[1] وبالمثل، يُعرّفها ويليام لين كريج بأنها “العقيدة التي مؤداها أن الله وضع على المسيح الآلام التي كنا نستحقها عقابًا على خطايانا، ونتيجة لذلك لم نعد نستحق العقاب.”[2]
ورغم أن أنصار هذا الرأي يحاججون بأنه كتابي وتاريخي بامتياز، فقد تعرض لهجوم عنيف من منتقديه من جهتين معًا. إذ يزعم طيف من الرافضين لنموذج «البدليّة العقابيّة» أنه ليس سوى بدعة استحدثت في عصر الإصلاح، أو في أحسن تقدير، ابتكاراً يعود إلى العصور الوسطى يفتقر إلى أي سند طيلة الألفية الأولى من عمر الكنيسة. فعلى سبيل المثال، يزدري رئيس أساقفة بيرث الأنجليكاني السابق، بيتر كارنلي، هذا المفهوم واصفاً إياه بأنه “قاصر”، ومؤكداً أنه “ظل عرضة للنقد في مسار تاريخ اللاهوت المسيحي منذ اللحظة الأولى التي صاغه فيها القديس أنسلم في العصور الوسطى.”[3]
علاوة على ذلك، فقد انتُقدت هذه العقيدة بوصفها تحريفاً للكتاب المقدس، إذ يزعم منتقدوها أنها غير مُعلَّم بها بوضوح في أي موضع من العهدين القديم أو الجديد.[4] كما هوجمت بشدة واعتُبرت تشويهاً همجياً لجوهر الله وشخصيته، مما يضعه في زمرة الآلهة الوثنية كالإله مولوخ، ويصوره في هيئة “إله مُفترس” لا يهدأ غضبه ولا يسترضى إلا من خلال تضحية دمويّة وحشية.[5]
كما ادعى المعارضون أن هذه العقيدة لا يمكن التوفيق بينها وبين تعاليم المسيح التي توجب على تلاميذه محبة أعدائهم.[6] ويحاجج هؤلاء بأنه إذا كان المسيح قد دفع ثمن خطايا البشرية بالفعل، فإن الله لم يغفر حقاً لأي خاطئ غفراناً مجرداً كما يتوقع من المؤمنين أن يفعلوا عندما يُساء إليهم.[7] ويرون أن يسوع يصور الآب في الأناجيل كمن يغفر للأفراد ببساطة دون أي ذكر لذبيحة. فكيف يمكن إذًا القول إنه يشترط ذبيحة ابنه النيابية من أجل إتمام الفداء؟[8] وحتى القارئ العادي يدرك أن هذه اعتراضات بالغة الجدية.
والسؤال الجوهري هنا هو: هل لهذه الاتهامات نصيب من الصحة؟ هل الكفارة البديلية العقابية محض اختراع حديث العهد نسبياً؟ وهل ترسم حقاً صورة لله كإله وثنيّ؟ وهل تجافي حقيقة إله المحبة كما أعلنها الكتاب المقدس في شخص يسوع المسيح؟ ورغم أن هذه المطاعن تستحق التأمل والفحص، إلا أن هذا المقال سيسعى في نهاية المطاف إلى إثبات تهافتها وزيفها. وسيقيم المقال الحجة على أن جوهر هذه العقيدة قد استقر في وجدان الكنيسة وتعاليمها منذ مهدها، مبرهناً على حضورها القوي والمؤثر عبر التاريخ المسيحي، وكونها تعبيراً كتابياً أصيلاً ودقيقاً عما أنجزه المسيح فوق خشبة الصليب.
1. عقيدة الكفارة عند الآباء
بغية تفنيد الاتهام الأول القائل بأن عقيدة البدليّة العقابية اختراع حديث نسبيًا، وإنها كانت غريبة عن الكنيسة الأولى، لا بد من فحص الكيفية التي فهم بها آباء الكنيسة الكفارة، وما إذا كانت أقوالهم عن عمل المسيح على الصليب تشبه موقف الكفارة البديليّة. ونظرًا لعِظَم تأثير أثناسيوس في تلك الحقبة، فربما لا يوجد موضع أفضل للبدء من شخصه ومن كتابه الشهير “تجسّد الكلمة”. ففي الفصل الرابع من حديثه عن موت المسيح، يورد أثناسيوس عدة عبارات تمنح القارئ رؤية واضحة ومهمّة للاهوت الكفارة لديه.[9] فيصف أثناسيوس الغرض من مجيء المسيح إلى الأرض على النحو التالي:
يكمن السبب الثاني لحلول الكلمة بيننا؛ ألا وهو أنه، بعد أن أثبت لاهوته بأعماله، يقدم الذبيحة نيابة عن الجميع، مسلماً هيكله الخاص للموت عوضاً عن الكل، ليفي حساب الإنسان للموت ويحرره من التعدي الأول.[10]
ومن المتفق عليه عمومًا أن أثناسيوس، بخلاف بعض آباء الكنيسة الآخرين مثل أوريجانوس الإسكندري وغريغوريوس النيسي، قد رفض النظرية القائلة إن ذبيحة المسيح كانت ثمنًا دُفع للشيطان لتحرير البشر.[11] غير أنه، حين يتحدث عن المسيح بوصفه ذبيحة عوضًا عن الآخرين واستيفاء حسابهم، يبدو أنه كان يفهم الكفارة على أنها أكثر من مجرد انتصار كوني على الشيطان[12]–وإن كانت بالتأكيد لا تقل عن ذلك.[13]
فمن الجلي أن أثناسيوس كان يضع في نصْب عينيه فكرة أن المسيح قد سار إلى الصليب بدلاً عن الآخرين، وأنه أسلم نفسه عوضاً عن أولئك الذين كانوا هم المستحقين فعلًا لذلك الحكم. ثم يعلّق قائلًا:
لقد جاء ليحمل اللعنة التي كانت واقعة علينا؛ وكيف له أن “يصير لعنة” بغير قبوله الموت الملعون؟ وهذا الموت هو الصليب، لأنه مكتوب: “ملعون كل من عُلِّق على خشبة”. وفضلاً عن ذلك، فإن موت الرب هو فدية الجميع، وبه نقض “حائط السياج المتوسط”.[14]
لاحظ أن المسيح هنا لم يكتفِ ببذل نفسه ذبيحةً نيابةً عن الآخرين، والموت عوضاً عنهم، وتسوية حساب خطاياهم فحسب، بل إنه صار “لعنة”؛ حاملًا ما كان ينبغي أن يقع على البشرية الخاطئة. وهذا هو مكمن الجوهر في عقيدة البدليّة العقابيّة؛ حيث يحتمل البريء العقوبة المستوجبة على المذنب، في حين ينال المذنب الصفح المستحق للبريء. ومما يعزز من قيمة شهادة أثناسيوس هو كونه أحد آباء الكنيسة الشرقية؛ وهو أمرٌ بالغ الأهمية في ظل اتهام بعض النقاد لنظريات الكفارة عموماً بأنها محض نتاج للفكر اللاهوتي الغربي.[15] ومع الإقرار بأن أقواله لا ترقى لتكون نظرية متبلورة كما نجدها في اللاهوت النظامي الحديث، إلا أنه يستخدم لغة البدليّة عند حديثه عن الصليب.
ولم يكن أثناسيوس وحده بين آباء الكنيسة الذي عبّر عن أفكار تقترب كثيرًا من عقيدة البدليّة العقابية. ففي القرن الرابع، برز غريغوريوس النزيانزي[16]–وهو أيضًا أحد أعلام الدفاع عن الإيمان القويم، ويُوصَف كثيرًا بأنه “الثالوثي”[17]–بوصفه من أشد المؤيدين لاستخدام لغة الفدية عند حديثه عن كفارة المسيح، لكنه في الوقت نفسه نأى بنفسه عن الرأي القائل إن ذبيحة المسيح كانت ثمنًا دُفع للشيطان.[18] فقد استهجن غريغوريوس أيما استهجان فكرة أن الله مدينٌ للشيطان بدَيْنٍ لقاء افتداء الجنس البشري؛ ومع إقراره بأن العدالة الإلهية اقتضت فديةً لاسترداد البشرية، إلا أنه رأى أن بعض آباء الكنيسة قد أخطأوا حين أوحوا بأن هذا الثمن كان مستحقًا لأحد غير الله نفسه.[19]
ومع أنه أقرّ بأن قبول فكرة أن الله قد طلب ذبيحة ابنه عوضًا عن الخطاة ليس أمرًا هيّنًا، فإنه رأى فيها النتيجة المنطقية والكتابية للغة الفدية الواردة في الأسفار المقدسة، تمامًا كما يقول أنصار النيابة العقابية. وإضافة إلى ذلك، فعندما يشير العهد الجديد إلى أن المسيح صار لعنة، يرى غريغوريوس أن المقصود بذلك أنه وقف مكان المذنبين وحمل خطيتهم على نفسه. وفي تعليقه على 2 كورنثوس 5:21 يقول:
لقد دُعي لعنةً من أجلي… فهو يجعل من عصياني عصيانه هو، بوصفه رأسًا للجسد كلّه؛ فطالما كنتُ عاصيًا متمرّدًا… فإن المسيح أيضًا يُدعى عاصيًا من أجلي.[20]
وباستخدامه هذه اللغة، يؤكد غريغوريوس جوهر البدليّة العقابية. فالمسيح يحمل خطية البشرية، وبذلك يصير ملعونًا، ويتحمّل العقوبة التي كانوا يستحقونها هم؛ وفي المقابل يتحرر شعبه من دَينهم، بل ويتحدون بالمسيح أيضًا، كما يمضي غريغوريوس في القول.[21] ومن الواضح أن هذا يختلف اختلافًا كبيرًا عن الفكرة القائلة إن الكفارة كانت فدية دُفعت للشيطان.
غير أن رسالة إلى ديوغنيتوس قد تكون، من بين جميع النصوص التي كتبتها الكنيسة الأولى والمتصلة بهذه المناقشة، أعظمها أثرًا وأشدها أهمية. ففي هذا الدفاع المسيحي المبكر الذي يعود تاريخه إلى القرن الثاني، يستخدم الكاتب لغة نيابية واضحة لا لبس فيها عند حديثه عن عمل المسيح على الصليب. ومع أن هوية الكاتب ما تزال غير مؤكدة،[22] فإن لاهوت الصليب يحتل موضعًا محوريًا في الرسالة، إذ يقول:
لقد بذل ابنه فديةً عنا؛ القدوس عن الأثمة، والبريء عن المذنبين، والبار عن الظالمين.[23]
ثم يواصل الكاتب مستخدمًا لغة النيابة نفسها، فيقول:
يا لها من مبادلةٍ عذبة! ويا لعمل الله الذي يجلّ عن الاستقصاء! ويا للبركات التي فاقت كل توقع؛ أن تُحجب آثام الكثيرين في بارٍ واحد، وأن يبرر بِرُّ الواحد الكثير من الأثمة.[24]
إنَّ فَهْمَ الكفَّارةِ، ولغةَ الفداءِ المُتضمَّنةَ فيها، جليَّانِ تماماً؛ إذ لا يقتصرُ الأمرُ على مجردِ نصرِ المسيحِ الكونيِّ على سُلطانِ الخطيئةِ كما يزعمُ أنصارُ نموذجِ “المسيحِ المنتصر”،[25] كما لا يُبدي المؤلفُ أيَّ مؤشرٍ على كونهِ يتماشى مع “نظريةِ الفديةِ” التي تفترضُ أنَّ موتَ المسيحِ كان ثمناً مَدفوعاً للشيطانِ. بل إنَّ الفكرةَ الماثلةَ أمامَنا هي فكرةُ المُبادلة؛ حيث يتبرر الأثمة أمام الله بفضل كفّارة ابنه. وكيف يحدث ذلك؟ لأن المسيح، في عمله على الصليب، قام مقامهم نائبًا عنهم–”البار عن الظالمين”– أي إنه تحمّل العقوبة التي كانوا يستحقونها بسبب تعدياتهم، بينما ينال شعبه برَّه هو؛ ومن هنا جاءت صرخة الكاتب:”يا لها من مبادلةٍ عذبة!”
وإحقاقاً للحق، فإنه من الصواب بمكان أن يشير خصوم “البدليّة العقابيّة” إلى أن هذه العقيدة لا تكاد تمثل إجماعاً جلياً للكنيسة الأولى. ويتضح ذلك جلياً بمجرد النظر إلى الميل نحو نظرية الفدية الماثل في كتابات أساطين من أمثال أوغسطينوس وغريغوريوس النيصي.[26] ومع ذلك، فليس القصد هنا إثبات أن هذا الفهم للكفارة كان محل إطباق وإجماع بين المسيحيين الأوائل في المقام الأول، بل الغاية هي تبيان أنه لم يكن غريباً على أسماعهم، بل كان في حقيقة الأمر ذائعاً ومنتشراً على نطاق واسع. وإذ استقر هذا الموقف، يغدو السؤال التالي هو: هل يمكن ربط هذا الفهم بالتطور اللاحق للعقيدة في حقبة العصور الوسطى؟
2. لاهوت العصور الوسطى
كما ذُكر في البداية، فإن من أكثر الدعاوى شيوعًا عند منتقدي البدليّة العقابيّة قولهم إن هذه العقيدة لم يُعرف لها تصورٌ قط حتى بزوغ فجر الإصلاح البروتستانتي. ومن ثمَّ، وبعد ترسيخ وجودها في العصر الآبائي، بات لزاماً تحليل الكيفية التي استوعب بها لاهوتيو العصور الوسطى مفهوم الكفارة. وهناك، على الأقل، شخصية واحدة في لاهوت العصور الوسطى يُسلِّم حتى أشد المعارضين للبدليّة العقابيّة بأنها عبّرت عن هذا الموقف بوضوح.
إنَّ تأييد أنسلم من كانتربري لهذه العقيدة، أو على الأقل تعاطفه مع جوهرها، موثّق توثيقًا واضحًا من خلال ما يُعرف “بنظرية الإرضاء” لديه. ففي رؤية أنسلم، تشتمل الكفارة جليّاً على إنقاذ الله للبشر من غضبه.[27] ومع التسليم بأنه يتطرق أيضاً إلى تحرير المسيح للبشر من قبضة الشيطان، على نحوٍ يتقاطع مع نظريّة المسيح المُنتصر، إلا أنه يتخطى ذلك بأشواطٍ حين يشرع في تبيان عمل المسيح البدليّ والنيابيّ. وبإسقاطِهِ لواقع المجتمع الإقطاعي الذي ترعرع فيه على النظام الأخلاقي الكوني، خلُص أنسلم إلى أنه مثلما كان المساس بكرامة السيّد أو الملك يمثل اعتداءً على شرفه وتقويضاً للجماعة، فإن التمرد على الله لم يكن سوى إهانةً له ولمكانته الشرعية كربٍّ للكون.[28]
وهكذا، ففي نظر أنسلم، فإنَّ كفارة المسيح قد استرضت غضب الله، مُوفيةً عن البشرية الخاطئة دَيْناً ما كان بمقدورها سداده قط. ويجدر بالمرء ملاحظة أوجه التلاقي بين تفسير أنسلم للكفارة من خلال المماثلة المستقاة من سياق عصره الوسيط، وبين تفسير غريغوريوس النيصي عبر منظور المجتمع البيزنطي.[29]
ومع أنَّ هذا قد أثار انتقادات القائلين بأنَّ كِلَا الرَّجُلين قد اعتمدا اعتمادًا مفرطًا على السياق الاجتماعي الخاص بكلٍّ منهما في بناء لاهوتهما، فإنه يمكن أيضًا أن يُفهَم على أنه دليل على أن لاهوت أنسلم لم ينشأ مجرد نشأةٍ عارضة من سياقه الإقطاعي، بل كان صدىً لمفهوم حاضر في اللاهوت المسيحي قبل العصور الوسطى بمئات السنين. فشأنه شأن آباء الكنيسة الذين سبقوه ممن استعملوا لغة الفدية والاستبدال لوصف عمل المسيح على الصليب، يرى أنسلم أن الكفارة التي تُكفِّر عن خطية البشرية أمرٌ جوهري للخلاص. وهذه الكفارة، في فكره، تقوم على الاسترضاء، إذ إن الابن يحمل خطايا المذنبين من أجلِ إرضاءِ قداسة الله وعدالته وتسكين غضبه.[30]
وقد لقيت كتابات أنسلم عن الكفارة معارضة شديدة من معاصره بيتر أبيلارد، الذي رأى أن الصليب ينبغي أن يُفهَم بوصفه تجلياً لمحبّة الله للبشرية، لا مجرد استعراض لعدله الإلهي.[31] ولا يعني هذا أن أنسلم لم يتطرق إلى محبة الله المتجلية في الصليب، أو أن أبيلارد كان يعترض على فهم الصليب كذبيحة بأي شكل من الأشكال. بل إن مكمن الخلاف بين أبيلارد ونظيره كان يكمن، أولاً، في موضع التشديد والاهتمام، وثانيًا، في رفض أبيلارد لفكرة أن الله قد اشترط “ثمناً” أو وفاءً لغفران خطايا البشرية. وبعبارة أخرى، فقد ذهب أبيلارد إلى أن الكفارة لا تفتقر بالضرورة إلى أساس موضوعي خارج ذات الإنسان.[32] والمقصود هنا ليس ترجيح أحد الرجلين على الآخر، بل التنبيه إلى أن الجدل حول الجانب العقابي في الكفارة سابق لعصر الإصلاح بوقت طويل.
ومن الأصوات المهمة الأخرى في العصور الوسطى في هذا الموضوع هو توما الأكويني. ولا ريب في وجود اختلافاتٍ فعلية بين رؤية الأكويني للكفارة والموقف الذي صاغه لاحقاً بعض المصلحين؛ فكما يشير راندال زاكمان، الأستاذ الفخري في جامعة نوتردام، تذهب الكريستولوجيا (لاهوت المسيح) الكاثوليكية الرومانية إلى أن ابن الله كان “يختبر الرؤية الطوباوية” في كل مراحل حياته الأرضية، وهو تصور يختلف عن فهم جون كالفن للبدليّة العقابيّة، حيث يرى الأخير أن المسيح قد كابد سخط الله إلى حدِّ اختبار واقع الجحيم ذاته.[33] ومع ذلك، فإن جوهر حجة الأكويني يظل متسقاً مع ما ذهب إليه سلفه في العصر الآبائي وخلفه في عصر الإصلاح؛ إذ إن اللغة التي يستخدمها الأكويني لوصف فهمه للكفارة لا تكاد تختلف عن منظور البدليّة العقابية:
وهكذا تتجلى صرامة الله؛ إذ لم يشأ أن يغفر الخطيئة بغير عقاب، كما لمَّح الرسول بقوله: “الذي لم يُشفِق على ابنه.” ولكن هذا يُظهر أيضًا صلاح الله، لأنه لما كان الإنسان عاجزًا عن أن يقدّم الاسترضاء الكافي بأي عقوبة يمكن أن يحتملها هو بنفسه، فقد وهبه الله من يُوفي عنه.[34]
ويُلاحظ أن الأكويني، رغم أنه لم يقطع باستحالة غفران الله للخطية دون عقاب، إلا أنه يؤكد بجلاء أنه “لم يشأ” فعل ذلك؛ وبالتالي، فإن المسيح يبذل نفسه ذبيحةً باحتماله هذا العقاب.[35] ويسترسل الأكويني في تسمية عمل المسيح بأنه “استرضاء” نيابةً عن الخطاة، ويقرُّ بأن الدَّيْن الذي أوفاه المسيح قد استوفى مقتضيات العدالة الإلهية.[36] ومع أنه لم يستخدم عبارة “البدليّة العقابيّة” ذاتها، إلا أن القارئ يجد في كتابه الخلاصة اللاهوتية وصفاً لهذه العقيدة يضاهي في جلائه أي موضع آخر في لاهوت العصور الوسطى. فالله، بمقتضى عدله، لا بد أن يعاقب المذنبين بالخطية. لكن المسيح يقدّم نفسه ذبيحة استرضاء تُشبع مطالب هذا العدل، وتتيح للخاطئ أن يتحرر من دَينه.[37] ومن حيث الجوهر، ماذا عساه أن يطلب المرء من الأكويني أكثر من ذلك؟
3. المصلحون والكفارة: أكان ما طرحوه بِدعةً أم تفسيرًا؟
في هذه المرحلة، قد يكون من الإنصاف الإشارة إلى الشحّ النسبي في النقاشات التي تناولت الطبيعة النيابية للكفارة في لاهوت العصور الوسطى، إذا ما قورنت بما نجده في عصر آباء الكنيسة. ولعل هذا هو ما دفع المصلحين البروتستانت —الذين اعتبروا أنفسهم الورثة الشرعيين للآباء— إلى السعي الحثيث لاستعادة فهم كتابي رصين لعمل المسيح الكفّاريّ. وبعد أن تبيّن كيف فُهمت كفارة المسيح في العصرين الآبائي والوسيط، يصبح السؤال المطروح بشأن المصلحين هو: هل كانوا حقًا يقدّمون للكنيسة نظرية جديدة تمامًا في الكفارة، أم أنهم كانوا يشرحون ويوسّعون ما كان قد تقرّر من قبل؟
ولكي نُبيّن أنَّ المصلحين لم يعمدوا، في واقع الأمر، إلى صياغة عقيدة خاصة بهم في الكفارة من فراغ، بل إنهم نادوا ببساطة بما كان يُؤمن به في القرون الغابرة وبسطوا القول فيه؛ فإنه من المفيد النظر في كيفية مقارنة نظرية الاسترضاء عند أنسلم، التي سبق الحديث عنها، بنظرية الكفارة عند أحد عمالقة الإصلاح البروتستانتي وهو مارتن لوثر. فظاهريًا، توجد فروقات بالفعل؛ إذ يسهل ملاحظة التمايز في أسلوبهما ومنهجهما اللاهوتي أثناء شرحهما ودفاعهما عن فَهْم كل منهما للكفارة؛ حيث استند أنسلم بقوة إلى مبادئ المنطق والعقل، بينما آثر لوثر الدفاع عن عقيدته بالرجوع إلى الأسفار المقدسة وحدها. وحتى في مسألة ضرورة الكفارة من عدمها، يُجيب أنسلم من وجهة نظر منطقية، محاججًا بأن العدالة والكرامة الإلهية تقتضيان منطقيًا وجوب إتمام الكفارة.[38]
على النقيض من ذلك، فإنَّ لوثر، برفضِهِ للنزعة المدرسية (السكولاستية) التي تغلغلت في الفكر الكنسي في العصور الوسطى، قد ساق الحجة بأن الكفارة كانت ضرورية ببساطة لأنَّ الله هو من عيَّن وقوعها؛ فبما أنه قد رسم كفارة المسيح لتكون هي الوسيلة التي يخلص بها الأفراد، فإنها غدت حتميّة.[39] ومع ذلك، فعلى الرغم من اختلاف منهجهما اللاهوتي، فإن الرجلين متفقان إلى حدّ بعيد في ما يتعلق بما جرى على الصليب، ولا سيما في مسألة العدل الإلهي. إذ يصرُّ كل من أنسلم ولوثر على أنَّ عمل المسيح يجب أن يستوفي مقتضيات العدالة الإلهية، لأنه إذا عجز الخطاة عن سداد الدَّيْن المستحق لله جراء خطيئتهم، يصبح وجود بديلٍ يوفي هذا الدَّيْن أمراً جوهرياً لا غنى عنه.[40]
وبعبارةٍ أخرى، يتفق لوثر مع نظيره من العصور الوسطى على أنَّ عدالة الله اقتضت فديّة بدفع ثمن، وأنَّ المسيح قد قدّم ذلك الوفاء بموته على الصليب. ومن ثَمَّ، لم تكن عقيدة لوثر في الكفارة، من حيث الجوهر، جديدةً على الإطلاق، حتى وإن اختلف موضع تركيزه عن أنسلم. ومع أن بعضهم يزعم أن لوثر لم يكن في الحقيقة متمسكًا بمفهوم البدليّة العقابيّة، بل بنموذج المسيح المُنتصر، فإن الأدلة السابقة تُظهر بوضوح أنه كان يفهم الصليب على أنه يتضمّن قيام المسيح مقام الخطاة، حامِلًا غضب الله المستحق لهم بسبب تعدياتهم. ومن الخطأ أن يُظنّ أن لوثر–أو أي شخص آخر– إذا أدلى ببعض العبارات المنسجمة مع نموذج آخر من نماذج الكفارة، كنموذج المسيح المُنتصر، فإن ذلك يعني بالضرورة رفضه للبدليّة العقابيّة؛ فهذه النماذج بطبيعتها ليست متناقضة أو متنافرة.
فنجد في فكر كالفن، كما في فكر لوثر، أقوالاً تنمّ عن تأييدٍ لكلا النموذجين.[41] ومن ثَمَّ، فحين يزعم أنصار نموذج المسيح المُنتصر في العصر الحديث أن هذا النموذج قد “هيمن” على الفكر المسيحي طوال الألف سنة الأولى من تاريخ الكنيسة،[42] ينبغي أن نتذكّر أن صحة هذا الزعم–حتى لو سُلِّم بها–لا تعني أن حضور نموذج المسيح المُنتصر يستلزم غياب نموذج البدليّة العقابيّة. إذ من الممكن تماماً التمسك بهذين المنظورين في آنٍ واحد، كما يظهر جلياً في حالة لوثر وكالفن.[43]
أما بخصوص كالفن نفسه، فسرعان ما يُقِرُّ الجميع بأنَّه قد تمسك بشدَّةٍ بنموذج البدليّة العقابيّة، سواء عند الذين يعتنقون هذا الرأي، أو عند الذين يرفضونه ويستنكرون المكانة البارزة التي يشغلها في لاهوته عن الكفارة. ففي معرض حديثه عن عمل يسوع نيابةً عن البشرية، يصرح قائلاً:
لقد شفع المسيح بوصفه محامياً عنه، وأخذ على عاتقه واحتمل العقوبة التي كانت، بحسب قضاء الله العادل، مهدِّدةً جميع الخطاة؛ وطهَّر بدمه تلك الشرور التي جعلت الخطاة موضع سخطٍ أمام الله؛ وبهذا التكفير قدَّم لله الآب الإيفاء والذبيحة كما ينبغي؛ وبصفته شفيعًا استرضى غضب الله؛ وعلى هذا الأساس يرتكز سلام الله مع البشر.[44]
ثمة الكثير مما يمكن استخلاصه من هذا النص اللاهوتي الثري، ولكن لعل أفضل نقطة للبدء هي ملاحظة كيف أن التكفير والاسترضاء مرتبطان ارتباطًا جوهريًا في فكر كالفن؛ إذ يرى أنَّ الأخير هو ما يجعل الأول ممكناً. وهذا يمثل مثالاً جلياً على أنَّ كالفن ورفاقه من المصلحين لم يكونوا أول من أثبت جوهر البدليّة العقابيّة، بل إنهم قاموا بتوسيع معالمها وشرح لوازمها وآثارها. فالمرء قد يبحث عبثاً في كتابات آباء الكنيسة عن مثل هذا التفسير المنهجي (النسقي) لكيفية ارتباط التكفير بالاسترضاء تحديداً، على الرغم من وجود نقاش مستفيض حول كليهما في مؤلفاتهم. ويستمر كالفن في التأكيد على أنه حاول الحفاظ على الاتساق مع الآباء ومع قانون إيمان الرسل،[45] ليفنّد بذلك التهمة القائلة بأن غايته كانت ابتداع عقيدة جديدة للكفارة، مؤكداً بدلاً من ذلك على تمسكه بإطار التقليد الرسوليّ.[46]
وعند النظر في هذا الاستعراض التاريخي الموجز، يبدو جليًّا أن البدليّة العقابيّة لم تكن اختراعًا من اختراعات عصر الإصلاح، بل إن المصلحين تبنَّوها وعلَّموا بها على وجه التحديد لأنها لم تكن عقيدةً مستحدثة. فالإصلاح، خلافًا لما هو شائع، لم يُنشئ لاهوتًا جديدًا للكفارة بقدر ما استعاد ونقَّح وأكد ما كان راسخاً وعزيزاً على القلوب منذ العصر الرسولي.
4. شهادة الكتاب المقدس
بينما تُعدُّ شهادة الكنيسة عبر التاريخ أمراً لا غنى عنه لفهم الكفارة (أو أي عقيدة أخرى في واقع الأمر) إلا أنَّ المعيار الأسمى الذي يجب أن تُقاس به أيُّ دعوى لاهوتية هو كلمة الله ذاتها. ولأجل فهم الكفارة، لا بد من التساؤل عما إذا كان الكتاب المقدس نفسه يدعم مفهوم البدليّة العقابيّة بدءًا من العهد القديم. ويتطلب هذا، في أقل تقدير، فهمًا أساسيًا للطريقة التي كان بها شعب إسرائيل في ذلك السياق يدرك مفاهيم مثل الكفارة، وغضب الله، والفداء. ففي المقام الأول، يرتكز مفهوم البدلية العقابيّة على الحقيقة القائلة إن غضب الله واقعٌ مرهوب حقًا، وإنه سيجري القصاص على الذين ينتهكون قداسة اسمه.
ومع أن النيابة العقابية لا تظهر في الفصول الأولى من سفر التكوين بوصفها عقيدةً مكتملة المعالم، فإن الله يرسّخ فيها نمطًا يقصد أن تخضع له الخليقة كلها: أطع أوامره فتحيا، أو خالفها فتواجه الموت.[47] وهذه هي النتيجة الحتمية للخطيئة، ونتاج مباشر للقضاء الإلهي؛ كما سيعبّر الرسول بولس بعد آلاف السنين بقوله: “لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيئَةِ هِيَ مَوْتٌ” (رومية 6: 23). علاوة على ذلك، فإنَّ عقيدة الكفارة البديلية، وإن لم تُعرض صراحةً في تكوين 22، إلا أنه يُستشف منها إرهاصٌ وتنبؤٌ بهذه العقيدة، نظراً لوجود متوازيات جليّة بين تقديم إسحاق وذبيحة المسيح.[48]
بينما يسرد النص تفاصيل صعود إبراهيم وإسحاق معاً إلى الجبل، تسرد الأناجيل مسيرة يسوع من بيت لحم إلى الجلجثة، في حالة من الشركة مع الآب والخضوع لمشيئته طوال الطريق. غير أنه، بخلاف ما حدث حين وضع إبراهيم ابنه على المذبح ثم أُذن له في النهاية أن يُبقيه حيًّا، فإن ابن الله تُرك على الصليب وهو يحمل خطايا العالم؛[49] إذ لم يُهَيَّأ كبشٌ أو تيسٌ ليكون ذبيحةً عوضاً عنه، لأنَّ الحَمَل الذي بلا عيب قد احتمل غضب الله بدلاً من الخطاة. ويرى دونالد ماكلاود أن هذه المفارقة في الانفصال هي التي تُفسِّر صرخة المسيح على الصليب، صرخة الترك، إذ ناح أن الآب قد حجب وجهه عنه. فبينما أشفق الله على إسحاق، قدَّم يسوع؛ وبينما ظل ابن إبراهيم متمتعًا بالشركة مع أبيه، تُرك ابن الله من أبيه.[50]
وكذلك الأمر في شريعة اللاويين– بل وفي مجمل تاريخ بني إسرائيل بدءاً من الخروج من مصر ووصولاً إلى كنعان– فإن مفهوم الكفارة عبر الذبائح الدمويّة يفرض نفسه بقوة؛ حيث يُقدَّم البديل لستر خطايا الشعب. فعندما اجتاز ملاك الموت أرض مصر، مستعدًّا أن يأخذ حياة كل بكرٍ في عملٍ من أعمال الدينونة الإلهية على تلك الأمة بسبب اضطهادها لشعب الله، أُمر بنو إسرائيل بطلاء قوائم أبوابهم بدم حَمَلٍ ذبيح، لكيلا يجتاح غضب الله بيوتهم هم أيضاً.[51] إنَّ ما صرَفَ غضبَ اللهِ وحُكمَ الموت لم يكن بِرَّ بني إسرائيل؛ إذ كانوا هم أيضًا سيفقدون أبكارهم إن لم يطيعوا الأمر. وإنما كان الفارق في الدم الموضوع على القائمتين والعتبة، إذ كان يدل على أن ذبيحة قد قُدِّمت لتغطية أهل البيت. وهكذا، قامَ حَمَلُ الفصحِ–الذي صار ذِكرُه محفوظًا عبر قرون طويلة في عيد الفصح اليهودي–بدورٍ استبداليٍّ واسترضائيٍّ، شاخصاً ببصرهِ نحو مسيحِهم الآتي الذي سيغدو يوماً ما حَمَلَ اللهِ الحقيقيَّ والأكملَ.[52] وماذا عن سفر اللاويين؟ إن يوم الكفارة وحده يجسّد مفهوم البدليّة العقابيّة تجسيدًا واضحًا، إذ تتضمن طقوسه تيسين: أحدهما يُذبح، والآخر يُرسَل إلى البرية حاملًا آثام الأمة.[53]
وبينما قد يكون كالفن قد استفاض في شرح مفهومي “التكفير” و”الاسترضاء” في القرن السادس عشر، فلا يحتاج المرء للنظر أبعد من هذه الطقوس الواردة في سفر اللاويين ليجد مثالاً جلياً على كيفية ارتباط هذين المفهومين في التعامل مع خطية الإنسان. بل إن الكلمة العبرية الدالة على الكفارة “כפר” تشير في كثير من المواضع إلى عمل استرضائي.[54] ففي سفر العدد 25: 13، على سبيل المثال، قام فينحاس الكاهن بالتكفير عن بني إسرائيل عبر طعن رجل وامرأة برمح نتيجة زناهما؛ وهو فعلٌ –رُغم كونه مروعاً ومستغرباً بعض الشيء لدى القارئ المعاصر–قد استرضى غضب الله وأنهى الوباء الذي حلَّ بالأمة جراء وثنيتهم وفجورهم مع المديانيين.[55]
وخِتاماً، لا يستقيم أيُّ بحثٍ في عقيدة البدليّة العقابيّة دون تحليلٍ مستفيضٍ لإشعياء 53، الذي يصف آلام شخصٍ يُشار إليه عادةً باسم العبد المتألم–وهو في الفهم المسيحي التاريخي، ابن الله ذاته. وما يلفت النظر في هذا النص على نحوٍ خاص هو أن العبد لا يضع نفسه موضع الآخرين فحسب، بل إنه، وهو يفعل ذلك، يتعرّض للسحق من الله ذاته.[56]
ويشير ويليام لين كريج إلى أنَّ ما رفضَ اللهُ فِعلَهُ مع موسى–أي أن يأخذ حياته نيابةً عن شعب إسرائيل– قد فعله طواعيةً بهذا العبد.[57] وعلى نحوٍ يذكّر بشريعة اللاويين، يُوصَف هذا العبد بأنه “ذبيحة إثم”، في محاكاةٍ لِلُغة الذبائح الحيوانية التي أقرّها الناموس.
علاوة على ذلك، تورد الآية العاشرة تأكيداً مذهلاً مفاده أنه: “أما الرب فَسُرَّ بأن يسحقه بالحزن”، مما يجعل الأمر في غاية الوضوح: إن العبد يحتمل عقوبةً ليست له. والعنصر المدهش في هذا النص هو أنه في الوقت الذي أمر الله فيه بني إسرائيل بتقديم الذبائح الحيوانية، كان تقديم القرابين البشرية محرماً لديهم قطعاً–على نقيض العبادات الوثنية لدى جيرانهم من الأمم. وفي هذا السياق، يبدو جلياً أنَّ ما لم يقبله الرب من إسحاق أو موسى، قد قَبِلَهُ من العبد المتألِّم وهو أن يحمل آثام الشعب، ويتحمّل بذلك الغضب الإلهي الذي كان ينبغي أن يقع عليهم هم.[58]
غير أن مجرد إثبات أن العهد القديم يلمّح إلى كفارةٍ تقوم على البدليّة العقابيّة لا يكفي؛ إذ إن كثيرًا من المعارضين لهذا النموذج يسلّمون بأن إله إسرائيل يبدو في مواضع كثيرة متصفًا بالشدة والعنف.[59] ولذلك بحسب رأيهم، فإن ما ينبغي أن يكون موضع الاهتمام الحقيقي في فهم الصليب هو: كيف فهم المسيح ورسله الكفارة؟ ومن ثمّ، فلا بد لأنصار البدليّة العقابيّة أن يتعاملوا بجديةٍ واتساع مع ما يعلّمه العهد الجديد أيضًا. فطوال حياة يسوع الأرضية وخدمته، أعلن بوضوح وصراحة أن الغاية من مجيئه إلى العالم هي أن يبذل نفسه فديةً.[60]
ويتردد صدى هذا التوجه في كافة رسائل العهد الجديد، مما يوضح أنَّ رُسُل المسيح رأوا أيضاً في عمله على الصليب بديلاً عن الآخرين. ويشير سكوت ماكنايت، في معرض شرحه لفهم المسيح لكفارته، إلى أنَّ يسوع يصوّر آلامه كضرورة حتمية؛ إذ كان ينبغي على ابن الإنسان أن يُسلَّم إلى السلطات ويتألم.[61] وكذلك، في متى 20: 28 يستخدم يسوع الكلمة اليونانية ἀντί، أي: بدلًا من أو عوضًا عن، ليصف موته على الصليب من أجل الخطاة، مما يدل على أنه كان يفهم عمله على أنه ذو طبيعة نيابية.[62]
وفي أثناء العشاء الأخير مع تلاميذه، فسّر يسوع طقس الفصح في العهد القديم (والذي كان يُذبح فيه حَمَلٌ لستر خطايا الشعب) بوصفه إرهاصًا لعمله الكفّاريّ. فالخبز والخمر اللذان قدمهما للتلاميذ هما جسده المبذول “لأجلكم” ودمه المسفوك “لأجلكم” (لوقا 22: 19-22)، “الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا” (متى 26: 28). ويبدو أن فهم المسيح للكفارة يتجاوز مجرد الانتصار الكوني على الخطية أو تقديم مثالٍ أخلاقي؛ بل إنه يقدّم حياته بدلًا عنهم وبالنيابة عنهم.
وفي هذا الموضع يذهب بعض منتقدي نموذج البدليّة العقابيّة إلى أنه يجعل الله متهمًا بالتناقض؛ إذ يقولون: إن كان الله لا يغفر إلا بعد أن يقدّم يسوع ذبيحة، فكيف أمكن للمسيح، في خدمته الأرضية، أن يوصي تلاميذه بأن يديروا الخد الآخر، وأن يغفروا ببساطة حين يُساء إليهم؟[63] أليس الله، حين يعاقب ابنه، متجاهلًا الوصية نفسها التي يأمر بها شعبه؟ غير أن هذا الاعتراض يفشل في إدراك أن أقانيم الثالوث، إذا فُهمت على الوجه الصحيح، ليست في حالة تعارض أو خصومة في هذا الفهم للكفارة.[64]
أولاً، إنَّ حقيقة قيام كلِّ أقنومٍ من أقانيم الثالوث بدورٍ مختلفٍ في إتمام الكفارة لا تعني أنَّها ليست عملاً ثالوثياً خالصاً؛ بل على العكس، فهذا يجعل الكفارة شبيهةً بأعمال الخلق، أو التجسد، أو القيامة.[65] فالمسيح لم تُسلب حياتُه منه رغماً عن إرادته؛ بل كما توثّق الأناجيل، هو مَنْ بذلها بمحض إرادته (يوحنا 10: 18). وبناءً على هذا الفهم، لا يظهر يسوع كضحيةٍ عاجزة، بل كمخلّصٍ متواضعٍ كما يصوره إشعياء 53.
وأما الاعتراض القائل إن النيابة العقابية تصوّر الله على أنه غير راغب في أن يغفر للآخرين، كما يطلب يسوع من شعبه أن يفعلوا، فمن الممكن جدًا أن يكون يسوع قد أوصى تلاميذه أن يغفروا لمن أساء إليهم على وجه التحديد تأسيسًا على عمله الكفاريّ (أفسس 4: 32؛ كولوسي 3: 13؛ رومية 15: 7). فمهما بلغت جسامة الإساءة التي قد يرتكبها الأعداء من البشر، فإنَّ كفارة المسيح تعني أنَّ خطيئتهم قد سُوِّيت على الصليب بواسطة ابن الله، مما يعكس رغبته في الغفران؛ وهذا يقتضي بالتبعية استعداداً مماثلاً من قِبل شعبه لفعل الشيء ذاته.
وثانيًا، فإن القول إن الله لا يحق له أن ينتقم ما دام ينهى شعبه عن الانتقام، يتعارض مع تعليم العهد الجديد القائل إن شعب الله لا ينبغي لهم أن ينتقموا لنفسهم، لأنَّ الرب هو مَنْ يجازي الأفراد بمقتضى عدله؛[66] فالدينونة اختصاصٌ أصيلٌ وحقٌّ حصريٌّ لله وحده، وهو حقٌّ يُحظر على أتباعه ممارسته، بينما يحتفظ به الله لنفسه، فهو الذي يقضي دوماً بعدلٍ مطلق.
وأخيرًا، لأن البدليّة العقابيّة هي عملٌ ثالوثي، فيه يتجسّد الله نفسه ليحمل العقوبة المستحقّة للبشرية، فإن جوهرها هو أنّ الله يتولّى بنفسه ما كان ينبغي لأعدائه أن يتحمّلوه. أليس في هذا موازاة حقيقية مع فعل الغفران البشري–ذلك الفعل المؤلم في كثير من الأحيان؟
غير أنَّ هذه العقيدة لا تقتصر على تعاليم يسوع فحسب، بل هي حاضرة بوضوح في فكر بولس؛ إذ يشير الرسول إلى أنَّ جميع الناس واقعون تحت غضب الله بسبب عدم اعترافهم به كما يليق (رومية1: 18). وعقوبة مثل هذا التعدّي هي الموت؛ غير أنّ بولس، في رسالته إلى كنيسة كورنثوس، يعلن أنّ الله جعل المسيح خطيّة بمعنى بدليّ ونيابيّ، لكي ينجز فداء البشر. وكما يشرح براين فيكرز:
إنّ خلفيّة بولس العهدية، ومفهوم المصالحة، والسياق كلّه يشير إلى تفسير ذبائحي لعبارة جعل “ لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ” في 2 كورنثوس 5: 21.[67]
وإذ يعود بولس إلى سفر اللاويين، يشير إلى يسوع باعتباره «ذبيحة خطيّة»، ويقول إنّ الذين يؤمنون به قد “تبرّروا بدمه” (رومية 5: 9).[68] علاوة على ذلك، يقول إنَّ الله “دان الخطية في الجسد” بإرسال المسيح (رومية 8: 3)؛ فبينما حمل الابن في جسده آثام البشرية، أخذ على عاتقه دينونة الله المستحقة عليها.[69]
وهكذا، ففي فكر بولس، فإنَّ الآب جعل المسيح ذبيحة خطية، في صدى واضح لما ورد في إشعياء في العهد القديم. وفي غلاطية 3، وهي رسالة أخرى إلى جماعة مختلفة، يشرح كيف أن المسيح أتمّ الناموس وغلب خطية شعبه بأن صار لعنةً لأجلهم.[70] وماذا عن باقي كتّاب العهد الجديد؟ إنّ الرسالة إلى العبرانيين تصوّر المسيح بوصفه تحقيقًا لذبائح إسرائيل في العهد القديم،[71] تلك الذبائح التي تبيّن سابقًا أنّها كانت استرضائية وكفّارية؛ إذ لم تكن سوى ظلّ لذبيحة المسيح، لأن الكاتب يصرّح بأنّ ذبائح الحيوانات لا يمكنها البتّة أن تنزع خطيّة الإنسان (عبرانيين 10: 4). أمّا بطرس، الذي تبع يسوع طوال خدمته الأرضية وشهد موته ودفنه وقيامته، فيعلن أنّ المسيح “أَيْضًا تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ الْخَطَايَا، الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الأَثَمَةِ، لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى اللهِ” (1 بطرس 3: 18).[72]
ويشير بطرس في (1 بطرس 2: 24) إلى العبد المتألّم في إشعياء 53 مُبيّنًا أنه “الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَة . . . الَّذِي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ.” فآلامه وذبيحته وحمله خطايا العالم على نفسه هي في النهاية ما يجعل هذا الشفاء ممكنًا. ولا تكاد هذه التصريحات تحمل معنًى إلا إذا فُهمت على أنّ يسوع قد وضع نفسه موضع المذنبين بديلًا عنهم. وختاماً، وفي معرض مناقشته لطقوس الناموس الموسوي بوصفها “أَمْثِلَةَ الأَشْيَاءِ الَّتِي فِي السَّمَاوَاتِ” وتمهيدًا للعهد الجديد، يلاحظ كاتب الرسالة إلى العبرانيين أنه بحسب تلك الشريعة: “بِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ” (عبرانيين 9: 22–23).
فالشهادة الكتابية واضحة جليّة. فليس كالفن ومعاصروه هم المسؤولين عن ابتداع هذه العقيدة، كما أن آباء الكنيسة الذين اعتمدوا عليهم اعتمادًا كبيرًا ليسوا هم أيضًا منشئيها. بل إن الأصل الحقيقي لهذه العقيدة كامنٌ في الكتاب المقدس نفسه. ومرة أخرى، فبعيدًا عن أن تكون هذه العقيدة تشويهًا لصفات الله أو انتقاصًا من جلاله، فإن القديسين عبر العصور الذين آمنوا بعقيدة الكفارة بالبدليّة العقابية وعلَّموا بها إنما فعلوا ذلك في ضوء السند الكتابي الواسع الذي تستند إليه. أفليس من المعقول، إذًا، أن تسير الكنيسة المعاصرة على النهج نفسه؟
5. المُلخّص
عطفاً على هذه الشهادة التاريخية والكتابية الثرية، يمكننا الآن الخلوص إلى نتيجة حاسمة؛ فهذه العقيدة ليست تشويهاً للتعليم الكتابي بما يجعل الرب شبيهًا بإله وثني وحشي، كما أنها ليست وليدة أي نسق لاهوتي من القرن السادس عشر. بل على النقيض من ذلك، فإنَّ عقيدة البدليّة العقابيّة هي حقيقةٌ ثمينةٌ ينبغي أن تثير مشاعر الإجلال والامتنان في نفوس أولئك الذين افتُدوا بذبيحة يسوع المسيح. ورغم أنّه قد يكون صحيحًا، كما يقول النقّاد، أنّ الجانب البدلي من الكفّارة قد أُفرِط في التأكيد عليه في بعض الأوساط على حساب عناصر جوهرية أخرى، إلا أنّ هذا لا يعني أنّه ينبغي التخلّي عن البدليّة العقابية بالكامل؛ بل على العكس، يجب أن يكون ذلك دافعًا لاستعادة لاهوت متوازن ومتمحور حول المسيح في فهم الصليب. والقيام بذلك قد يكون تذكيرًا نحن في أمسّ الحاجة إليه بأن هذا الفهم للصليب ليس، في ذاته، عائقًا يمنع من إدراك سائر بركات الكفارة أيضًا. بل قد يكون مناسبةً لإظهار أن عقيدة البدليّة العقابيّة ليست في تعارض مع القصة الكبرى لحياة يسوع الأرضية وخدمته، بل تنسجم معها انسجامًا تامًا، كما تنسجم أيضًا مع نماذج أخرى للكفارة.[73] وفي الحقيقة، وعلى خطى التقليد المسيحي التاريخي، سيكون من الخير للكنيسة المعاصرة أن تستعيد فهمًا غنيًا وشاملًا للكفّارة يعترف بكل ما أنجزه المسيح بموته على الصليب، ومن بين مكوّناته الأساسية استرضاء غضب الله.
[1] J. I. Packer, Knowing God, reprint ed. (Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 1993), 186.
[2] William Lane Craig, “Is Penal Substitution Unjust?,” International Journal for Philosophy of Religion 83 (2018): 231.
[3] Peter Carnley, Reflections in Glass Trends and Tensions in the Contemporary Church (Sydney: HarperCollins Australia, 2011), prologue.
[4] Brian Zahnd, Sinners in the Hands of a Loving God: The Scandalous Truth of the Very Good News (Colorado Springs: WaterBrook, 2017), 82.
[5] Zahnd, Sinners in the Hands, 89.
[6] Gregory A. Boyd, “Christus Victor View,” in The Nature of the Atonement: Four Views, eds. James K. Beilby and Paul R. Eddy (Downers Grove, IL: IVP Academic, 2006), 42–43.
[7] Boyd, “Christus Victor Response,” 103–4.
[8] Boyd, “Christus Victor Response,” 103–4.
[9] Athanasius, On the Incarnation: Treatise De Incarnatione Verbi Dei, rev. ed. (Crestwood, NY: St. Vladimir’s Orthodox Theological Seminary, 1996), 49.
[10] Athanasius, On the Incarnation, 49.
يُفرد أثناسيوس فصلاً كاملاً من مؤلفه للبحث في مغزى موت المسيح، حيث يؤكد: “بما أن مُخلص الجميع قد مات نيابة عنا، فإننا نحن الذين نؤمن بالمسيح لم نعد نموت كما كان حال البشر في غابر الأزمان، استيفاءً لوعيد الناموس.”
[11] Michael J. Vlach, “Penal Substitution in Church History,” MSJ 20.2 (2009): 201.
[12] ليس من الضرورة بمكان، لكي نثبت أن المسيح قد دحر سلطة الخطيئة في كفارته، أن ننزع يدنا عن الاعتقاد بأنه قد احتمل أيضاً عقاب تلك الخطيئة. ولمناقشة هذا المفهوم للكفارة، الذي يُطلَق عليه غالبًا نظرية المسيح المُنتصر، انظر
Greg Boyd, Crucifixion of the Warrior God: Interpreting the Old Testament’s Violent Portraits of God in Light of the Cross, 2 vols. (Minneapolis: Fortress, 2017).
[13] Vlach, “Penal Substitution,” 200.
[14] Athanasius, On the Incarnation, 54–55.
[15] Vlach, “Penal Substitution,” 200; Zahnd, Sinners in the Hands, 82.
[16] وجدير بالملاحظة أن بويد يتناول غريغوريوس في الفصل العاشر من كتاب صلب الإله المحارب، مستشهدًا به لتأييد أطروحته القائلة إن لغة الذبيحة في العهد القديم ليست تعبيرًا عن إرادة إلهية حقيقية لطلب الذبائح، بل مثالًا على تكيّف الله مع التصورات البشرية الساقطة عن الإله، وهو–بحسب بويد–أمر أبطله الله “حين نضج شعبه أكثر” (ص 710). غير أن كون غريغوريوس يتحدث عن الكفارة بالعبارات المذكورة آنفًا يبدو أنه يدل على أنه كان يفهم عمل المسيح بوصفه ذبيحة حقيقية فعلًا، وأن النصوص الكتابية التي تتحدث عنه بهذه الصورة ليست مجرد مسايرة لقصور الفهم البشري.
[17] Vlach, “Penal Substitution,” 208–9.
[18] Stephen R. Holmes, The Wondrous Cross: Atonement and Penal Substitution in the Bible and History (London: Paternoster, 2007), 48.
[19] Holmes, The Wondrous Cross, 48–49.
[20] Steve Jeffery, Michael Ovey, and Andrew Sach, Pierced for Our Transgressions: Rediscovering the Glory of Penal Substitution (Wheaton, IL: Crossway, 2007), 174.
[21] Jeffery, Ovey and Sach, Pierced for Our Transgressions, 174.
[22] Paul Foster, “The Epistle to Diognetus,” ExpTim 118 (2007): 163.
[23] Henry George Meecham, The Epistle to Diognetus: The Greek Text with Introduction, Translation and Notes (Manchester: University of Manchester Press, 1949), 87.
[24] Meecham, The Epistle to Diognetus, 87.
[25] Boyd, “Christus Victor View,” 44.
[26] Holmes, The Wondrous Cross, 47–48.
[27] Anselm, Cur Deus Homo 1, in Anselm: Basic Writings, trans. Thomas Williams, Hackett Classics (Indianapolis: Hackett, 2007), 10.
ويردّ أنسلم على الاعتراض القائل: “إن سماح الله بأن يُعامَل الابن على هذا النحو، مع أنه كان راضيًا بذلك، لا يبدو أمرًا لائقًا بأبٍ كهذا تجاه ابنٍ كهذا”، موضحًا أن: “من اللائق بمثل هذا الآب أن يرضى بمثل هذا الابن، إذا كان ما يريده الابن أمرًا محمودًا لأنه يكرم الله، ونافعًا لأنه يحقّق خلاص البشر، وهو أمر لم يكن من الممكن إنجازه بأي طريق آخر.”
[28] Stephen Finlan, Options on Atonement in Christian Thought (Collegeville, MN: Liturgical Press, 2007), 57.
[29] Finlan, Options on Atonement, 58.
[30] Saint Anselm, Cur Deus Homo 1, 12.
[31] Alister E. McGrath, The Christian Theology Reader, 2nd ed. (Oxford: Blackwell, 2001), 299–300.
[32] Stephen Strehle, The Catholic Roots of the Protestant Gospel: Encounter between the Middle Ages and the Reformation, Studies in the History of Christian Thought 60 (Leiden: Brill, 1995), 86–87.
[33] Randall Zachman, Reconsidering John Calvin (Cambridge: Cambridge University Press, 2012), 156.
[34] Thomas Aquinas, Summa Theologica I–II, 3a q.47 a.3, trans. Fathers of the Dominican Province (Notre Dame: Ave Maria Press, 1948).
[35] يختلف أنسلم والأكويني اختلافًا يسيرًا في هذه النقطة؛ فبينما توقّف الأكويني عن القول بأن الله لا يستطيع أن يغفر الخطية من دون عقوبة، ذهب أنسلم إلى أن «ليس من اللائق بالله أن يفعل شيئًا على غير مقتضى العدل… بحيث لا يترك الخاطئ بلا عقاب»، وأن ” إذا ما غُفر الإثم بالرحمة وحدها، فإنه سيغدو أكثر طلاقةً من العدل، وهذا أمرٌ ممعنٌ في العبثية.” مما يشير إلى أنه اعتبر الجانب الجزائي للكفارة ركيزةً لا غنى عنها للفهم الصحيح للصليب.
(Cur Deus Homo 1, 12)
[36] Aquinas, Summa Theologica I–II, 3a q.47 a.3.
[37] Jeffery, Ovey, and Sach, Pierced for Our Transgressions, 184–85.
[38] Burnell F. Eckardt, Anselm and Luther on the Atonement: Was It “Necessary”? (San Francisco: Mellen Research University Press, 1992), 177.
[39] Eckardt, Anselm and Luther, 190.
[40] Eckardt, Anselm and Luther, 28–29.
[41] Strehle, The Catholic Roots, 105.
[42] Greg Boyd, “Christus Victor View,” 44.
[43] Boyd, Crucifixion of the Warrior, 253–54.
[44] John Calvin, Institutes of the Christian Religion 2.16.2, ed. John T. McNeill, trans. Ford Lewis Battles, Library of Christian Classics (Philadelphia: Westminster John Knox, 1960).
[45] Calvin, Institutes 2.16.6.
[46] A. N. S. Lane, John Calvin: Student of the Church Fathers (Edinburgh: T&T Clark, 1999).
[47] William D. Barrick, “Penal Substitution in the Old Testament,” MSJ 20.2 (2009): 2.
[48] Donald Macleod, The Person of Christ (Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 1998), 177.
[49] MacLeod, The Person of Christ, 177.
[50] Donald MacLeod, Christ Crucified: Understanding the Atonement (Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 2014), 48–49.
[51] Barrick, “Penal Substitution,” 9.
[52] Barrick, “Penal Substitution,” 10.
[53] Jeffery, Ovey, and Sachs, Pierced for Our Transgressions, 42–43.
[54] Victor P. Hamilton, Handbook on the Pentateuch: Genesis, Exodus, Leviticus, Numbers, Deuteronomy. 2nd ed. (Grand Rapids: Baker Academic, 2005), 274; Jay Sklar, Leviticus: An Introduction and Commentary, TOTC 3 (Downers Grove, IL: IVP Academic, 2014), 50–51.
[55] Jeffery, Ovey, and Sachs, Pierced for Our Transgressions, 42–43.
[56] Bernd Janowski, “He Bore Our Sins: Isaiah 53 and the Drama of Taking Another’s Place,” in The Suffering Servant: Isaiah 53 in Jewish and Christian Sources, ed. Bernd Janowski and Peter Stuhlmacher, trans. Daniel P. Bailey (Grand Rapids: Eerdmans, 2004), 48–74.
[57] William Lane Craig, The Atonement, Cambridge Elements (Cambridge: Cambridge University Press, 2018), 13.
[58] Craig, The Atonement, 13.
[59] Zahnd, Sinners in the Hands, 25–26.
[60] Craig, The Atonement, 21.
[61] Scot McKnight, Jesus and His Death: Historiography, the Historical Jesus, and Atonement Theory (Waco, TX: Baylor University Press, 2005), 62.
[62] Richard L. Mayhue, “The Scriptural Necessity of Christ’s Penal Substitution,” MSJ 20.2 (2009): 139–48.
[63] G. J. Williams, “Penal Substitution: A Response to Recent Criticisms,” JETS 50 (2007): 72–73.
[64] إن مسألة كيفية ارتباط أقانيم الثالوث في عمل الكفّارة تُعدّ إشكالًا آخر يثيرهمنتقدو البدليّة العقابية، إذ يزعموا أنها “تُحدِث شرخًا في الثالوث من خلال وضع الآب في مواجهة الابن لتفريغ الغضب الإله.
[65] Keith E. Johnson, “Penal Substitution as an Undivided Work of the Triune God,” TJ 36 (2015): 60.
[66] Williams, “Penal Substitution,” 73.
[67] Brian Vickers, Jesus’ Blood and Righteousness: Paul’s Theology of Imputation (Wheaton, IL: Crossway, 2006), 170; Thomas R. Schreiner, “Penal Substitution View,” in The Nature of the Atonement: Four Views, eds. James K. Beilby and Paul R. Eddy (Downers Grove, IL: IVP Academic, 2006), 72–73.
[68] Craig, The Atonement, 11.
[69] Williams, “Penal Substitution,” 79.
[70] Schreiner, “Penal Substitution View,” 73.
[71] R. B. Jamieson, Jesus’ Death and Heavenly Offering in Hebrews, SNTSMS 172 (New York: Cambridge University Press, 2018), 57.
[72] Schreiner, “Penal Substitution View,” 92.
[73] لا يمكن هنا إغفال نقد غريغوري بويد (Boyd) المتمثل في أنَّ نموذج البدلية العقابية “يميل بغير قصد إلى إحداث شرخ بين صليب الخلاص من جهة، وبين كل جانب آخر من هوية يسوع ورسالته من جهة أخرى” (صلب الإله المُحارب، 161). وبالتأكيد، يجدر بنا النظر فيما إذا كان هذا الاتهام دقيقاً؛ ومع ذلك، ورغم أنَّ بعض الإنجيليين قد يقعون بالفعل في فخ هذا الاختلال، فمن الخطأ اعتبار هذا القصور نتيجة حتمية للتمسك بعقيدة البدليّة العقابيّة. فإذا ما ثبُت وجود هذا الخلل، وجب أن يكون الهدف هو تصحيح هذا التوازن الملحوظ، دون الوقوع في خطأ التخلي عن عقيدة لا ينبغي أن تُحمَّل مسؤولية هذه المشكلة.

