قصة ورسالة الكتاب المقدس

التَعْرِيفٌ

يتألَّفُ الكِتَابُ المُقَدَّسُ من أسفارٍ كثيرة قام بكتابتها عَدَدٌ كبيرٌ من الكُتَّابِ عبر القرون، وبوصفه كَلِمَةَ الله هو إعلان موحَّد يُعْلِنُ لنا رسالةً واحِدَةً. ومن الأهمية بمكانٍ أن نَفْهَمَ ما هي الرِّسالَةُ الإجماليَّةَ لهذا الكِتَابِ، وذلك لنفَسِّرَهُ بالشكلِ المُنَاسِبِ، ونُطَبِّقَهُ على حياتِنَا بطريقَةٍ سليمَةٍ.

المُوجَزٌ

يشرح هذا المقال ما هي الرِّسالةُ المركزية للكِتَابِ المُقَدَّسِ بالتفكير في طريقتين لوصف القِصَّةِ الإجمالية لأَسْفَارِهِ. أولاً، لِفَهْمِ هذه الرِّسَالَةِ يتم استجلاءِ التَّحَرُّكَاتِ في قِصَّةِ الكِتَابِ المُقَدَّسِ عبر كلٍّ من الخليقَةِ، السُّقُوطِ، الفداءِ، وصولاً إلى الخليقةِ الجديدَةِ. ثانيًا، شرحُ قِصَّةِ الكِتَابِ بالتفكير في الطريقة التي تنكشفُ بها خُطَّةُ الله عبر العُهُودِ بدءًا من عَهْدِ الخليقةِ وصولاً إلى العَهْدِ الجَدِيدِ في المَسِيحِ.


الكِتَاب المُقَدَّس مُجَلَّدٌ ضخمٌ ينطوي على موضوعاتٍ كثيرةٍ، وآدابٍ متنوعةٍ، كما أنه كتابٌ ممتدُّ عَبْرَ القرونِ. ومع أنه مكتوبٌ بواسِطَةِ العديد من الكَتَبَةِ، لمعالَجَةِ موضوعاتٍ متنَوِّعَةٍ وكثيرةٍ، هو قِصَّةٌ وَاحِدَةٌ عظيمَةٌ تدور رسالتُها المركزيَّةُ حول ما قَصَدَهُ وخَطَّطَه أزلاً الثالوث القدوس، إله العهد، خالِقُنا، وأجراه عبر الزمن، لِيُمَجِّدَ نفسَه بفداءِ شعبِهِ، ودينونَةِ الخطيَّةِ، وتجديدِ كلِّ شيءٍ بيسوع المَسِيحِ (رُومِيَة 33:11-36؛ أَفَسُس 9:1-10؛ كُولُوسِّي 15:1-20). 

من سِفْرِ التَّكْوِين إلى سِفْرُ الرُّؤْيَا، رِسَالَةُ الكِتَابِ المُقَدَّسِ في المقامِ الأوَّلِ والأخيرِ هي عن الله مثلِّثِ الأقانيمِ. تدور الرِّسَالَةُ حولَ اسْمِهِ، وَمَجْدِهِ، وكيف اختار بنعمَتِهِ أن يشاركنا نَفْسَه – مع أنه كامِلٌ، ومكتفٍ بذاتِهِ تمامًا – الأَمْرُ الذي يؤولُ لِمَدْحِ مجْدِ نعمَتِهِ، وَخَيْرِنا الأَبَدِيِّ (أَفَسُس 1:2-10).

يمكِنُ لنا تحديدُ الخطوطِ العريضةِ لقِصَّةِ الكِتَابِ المُقَدَّسِ بِطَرِيقَتَيْن، فهي قِصَّةٌ طويلةٌ ذات مستوياتٍ متعدِّدَةٍ. أولاً، يمكننا الإحاطةُ بها عن طريقِ التَّحَرُّكَاتِ الأربعةِ الكبرى لقِصَّةِ الكِتَابِ: الخليقة، السُّقُوط، الفداء، الخَلِيقَة الجَدِيدَة. ثانيًا، يمكننا أن نَصِفَ استجلاءَ خطَّة الله الأزلية بدءًا من الخليقَةِ إلى الخَلِيقَةِ الجَدِيدَةِ عبر تَدَرُّج العُهُودِ الكِتَابِيَّةِ.  لنتأملْ معًا طريقتي تلخيص الرِّسَالَةِ والقِصَّةِ الإجماليَّةِ للكِتَابِ المُقَدَّسِ.

رِسَالَةُ وَقِصَّة الكِتَابِ المُقَدَّسِ عَبْرَ التَّحَرُّكَاتِ المعْلَنَة

بالتفكير عبر تحرُّكَاتِ الحَبْكَةِ الكِتَابِيَّةِ، يمكن الإحاطَةُ بالأطُرِ العريضَةِ لِرِسَالَةِ وقِصَّةِ الكِتَابِ المُقَدَّسِ، وإمعان النظر في فَلْسَفَتِهِ الفريدَةِ مقابل الآراءِ الفلسفيةِ الأخرى. يساعدُنا التفكير في تلك التَّحَرُّكَاتِ على إجابة أسئلة يسألها أي إنسان مع ضرورة إجابتها: من أين أَتَينَا؟ ما الخَلَلُ الذي أَصَابَنا؟ ما الحلُّ لمشكلتنا؟ أين يتَّجِهُ التاريخ؟

الخَلِيقَةُ

من أين أتى الكلُّ؟ يقدِّم فصلا التَّكْوِين 1-2 سجلاً عن خَلْقِ الله لكلِّ شيءٍ، وعنا نحن حاملي الصورة الإلهية. وعلى الرُّغْم من قِصَرِ هذا القِسْمِ في الكِتَاب المُقَدَّس، إلا أنه مُهِمٌّ من الناحية اللاهوتية وأساسيٌّ لكل ما يأتي بعد ذلك. يُمَهِّدُ هذا القِسْمُ خشبةَ المَسْرَحِ لِعَرْضِ بقيَّة دراما الكِتَابِ المُقَدَّسِ.

هنا نلتقي بملامِحِ مفتاحِيَّة كثيرة مع أوَّل إدراكٍ لِسِياقِ قِصَّة الأَسْفَار المقدَّسَة. في الخَلِيقَةِ، تَتَرَسَّخُ أيضًا نماذج تيپولوچية عديدة، تبلغُ تحقيقها عَبْرَ القِصَّة الكِتابِيَّة في المَسِيحِ والعَهْد الجَدِيد. على سَبِيلِ المِثَالِ، راحة اليومِ السابِع (التَّكْوِين 1:2-3؛ الخروج 8:20-11) وراحة الخلاص في المسيح (العِبْرانيِّين 7:3-13:4)؛ عَدْن بوصْفِها هيكلاً مقدَّسًا تكتملُ في المسيح بوصفِهِ الهيكل الجديد؛ الزواج الذي يشير إلى واقعٍ أعظم في علاقَةِ المَسِيحِ بشعبِهِ (التَّكْوِين 24:2-25؛ أَفَسُس 32:5). كل هذه النماذج تنكشف تدريجيًّا عبر العهود التالية، وتعمل كلُّها صوب الغاية النهائية، وتساهِمُ في شرحِ القِصَّة الكِتَابِيَّة.

السُّقُوط

ما الخَلَلُ الذي أصَابَنا؟ في الفَصْلِ 3 من التَّكْوِين، تَغَيَّرَ كلُّ شيءٍ في عالَمِ الله. آدم، الإنسان الأوَّل، غَيَّرَ مسار التاريخ إلى الأَبَدِ باختيارِهِ التَّمَرُّد على الله. عندما تجاوب مع إغراء الحيَّة، عَصَى الله وأَغْرَقَ كلَّ البشريَّةِ في الخطيَّةِ، والموتِ، والدينونَةِ. إن السُّقُوطَ هو أساسُ المشكلَةِ الرهيبَةِ التي من أجلِ معالَجَتِها كُتِبَتْ بقيَّة أسفارِ الكِتَابِ المُقَدَّسِ.

دُونَ الفَصْلِ 3 من التَّكْوِين، لا يمكن أن نَجِدَ أي منطِقٍ لِخُطَّةِ فداء الله، وللطريقة التي بها يمكن لنا كبشر أن نقِفَ مغفوري الخطايا، ومتبررين أمام إلهنا القُدُّوس. بِسَبَبِ خطيَّةِ آدم وانطراحنا بعيدًا عن محضَرِ الله، يكمُنُ رجاؤنا الوحيدُ في المبادَرَةِ الإلهيةِ السَّخِيَّة لافتدائنا، ورفع تأثيرات الخطيَّة والموت الناجمين بسبب آدم.  

الفِدَاءُ

أين نَجِدُ الرَّجَاءَ؟ في نصِّ التَّكْوِين 15:3 يقدِّم الله وَعْدًا بأن ابْنًا/نسلاً للمرأةِ سوف يسحقُ، في يومٍ ما، الحيَّةَ ويرفَعُ تداعياتِ ما فعله آدم. مع أن البشرية تستحقُّ الموتَ بسبب خطاياها (رُومِيَة 23:6)، لن تكون للموتِ الكلمَةُ الأخيرةُ. إن بقيَّةُ أَسْفَارِ الكِتَابِ المُقَدَّسِ، بكلِّ رواياتها وتفاصيلها، تُخْبِرُنا في حقيقةِ الأمْرِ عن: شعبِ الله، والنِّظَامِ الذبائحيِّ، والأحداثِ المرتبطةِ بالفِدَاءِ، وكلُّها تُخْبِرُنا كيف سيتحقَّقُ هذا الفداء العتيد بالكشف تدريجيًّا عن وَعْدِ “البشارَةِ السَّارَّةِ”، الذي سيقودُنا في النِّهَايَةِ إلى المَسِيحِ.     

بعد أن تتوالي أَحْداثُ التاريخِ، يأتي المَسِيحُ في النهاية – ابْنُ الله نفسُه – بحياة المَسِيحِ، وموتِهِ، وقيامَتِهِ، يَخْلِقُ الآبُ بشريَّةً جديدةً، هي الكنيسة. تَنْعَمُ هذه الكنيسة بغفرانِ الخطايا الكاملِ، بقلوبٍ جديدةٍ، وبالدخول إلى مَحْضَرِ الآبِ بالرُّوحِ القُدُسِ. إن ما قَصَدَهُ الثالوثُ الإلهي القُدُّوس أصلاً لمخلوقاتِهِ، التي أصابها السُّقُوطُ بالشَّلَلِ، يبدأ الله استردَادَهُ الآن في المَسِيحِ.

الخَلِيقَةُ الجَدِيدَةُ

إلى أين يَتَّجِهُ التَّارِيخُ؟ إن مسارَ التاريخِ موجَّهٌ نحو الخَلِيقَة الجَدِيدَةِ، أي نحو غايَةِ وَعْدِ الله بفدائِنا. النظامُ الحاضِرُ هو الخليقَةُ القديمَةُ في آدم، أما المَسِيحُ فيجْلِبُ معه خَلِيقَةً جَدِيدَةً. وَيَصِفُ أنبياءُ العَهْدِ القَدِيمِ هذه الخَلِيقَةَ الجَدِيدَةَ بأنها ستأتي بمجيءِ المسيَّا المَلِكِ الإلهيِّ. الذي بحياتِهِ وعمَلِهِ في الصَّلِيبِ، يُدَشِّنُ الرَّبُّ يسوع بدايةَ الخَلِيقَةِ الجَدِيدَةِ. وفي مجيئِهِ الثاني، تصلُ تلك الخَلِيقَةُ الجَدِيدَةُ إلى الكمالِ المصَوَّرِ بشكلٍ بديعٍ في فصلَي الرُّؤْيَا 21-22. مع أن بعضًا مما يَتَصَوَّرُهُ يُوحَنَّا الرَّائي موجودٌ الآن وسْطَ شَعْبِ المَسِيحِ – الذي هو خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ، وجماعة الدَّهرِ المستقبليِّ العتيدِ – إلا أننا ننتظِرُ حتَّى الآن مِلءَ هذا الدَّهْرِ في المجيء الثاني للمَسِيحِ.

تمثِّلُ هذه التَّحَرُّكَاتُ الأربعةُ للحَبْكَةِ الكِتَابِيَّة إحدى طرقِ تلخيصِ قِصَّة الكِتَابِ المُقَدَّسِ. كما تحيطُ ببراعةٍ برسالَته المرتبطة بما خَطَّطَهُ الله أزلاً، وحقَّقَهُ في وَقْتِهِ، لتمجِيدِ ذاتِهِ بتدمير الخطيَّةِ وافتداءِ شعبِهِ في المَسِيحِ.

ومع ذلك، الطريقةُ الأخرى لاستيعابِ رسالَةِ الكِتَابِ المُقَدَّسِ هي بالتفكير في كيفية استعلان خُطَّةِ الفداءِ الإلهي عبر العُهُودُ الكِتَابِيَّةُ بِدْءًا من الخَلِيقَةِ الأولى وحتى الخَلِيقَةِ الجَدِيدَةِ.

قِصَّة وَرِسَالَةُ الكِتَابِ المُقَدَّسِ عبر العُهُودِ المُتَوالِيَة

تساعدنا تَحَرُّكَاتُ الحَبْكَةِ الكِتَابِيَّة على الإحاطَةِ برِسَالَةِ الكِتَاب المُقَدَّس، أما العُهُودُ فهي بمثابَةِ العمودِ الفِقَرِيِّ لقِصَّةِ الكِتَابِ المُقَدَّسِ الذي يَمْسِكُ بأجزائِها المتنوعة معًا. وتَصِفُ لفظةُ “العَهْدِ” هُوِيَّة الله بوصفِهِ رَبَّ العَهْدِ، كما تكشف لنا عن اختيارِهِ السَّخِيِّ بأن يكونَ إلهنا، كما يؤكِّد هو بفم النَّبِيِّ إِرْمِيَا: “وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا” (إِرْمِيَا 33:31). عن طريق العُهُودِ، نَتَعَرَّفُ على خُطَّةِ الله الأزليةِ. كلُّ عهدٍ، من آدم إلى المَسِيحِ، يُسَاهِمُ في تحقيقِ تلك الخُطَّة، وفي النهايةِ، وعن طريقِ العُهُودِ، نكتشفُ كيف تتحققُ كلُّ مواعيدِ الله في المَسِيحِ.

العُهُودُ الإلهية مع الخليقَةِ عن طريق آدم ونوح

   كما أَشَرْنَا سَلَفًا، يبدأ الكِتَابُ المُقَدَّسُ بخلْقِ العالَمِ والبشريةِ، لكنَّه يفعلُ ذلك بالبَدْءِ أولاً بالله خالِقًا ورَبًّا (التَّكْويِن ١-٢؛ المَزْمُور 19:103؛ دانيآل ٤34:4-35؛ أَعْمَال الرُّسُل 24:17-25). عَمَلُ الخَلْقِ الإلهيِّ لله هو استعلانٌ عَمَلِيٌّ لِخُطَّتِهِ الأَزَلِيَّةِ عَبْرَ الزَّمَنِ (أَفَسُس 11:1؛ الرُّؤْيَا 1:4)، والتي يُوَجِّهُ الله مسارَهَا صوبَ غايَةٍ محدَّدَةٍ. بِمُرورِ التاريخِ، تنكشِفُ خُطَّةُ الله عن طريق علاقاتٍ عَهْدِيَّةٍ مُحَدَّدَةٍ، تقودُنا كلُّها إلى المَسِيحِ (كُولُوسِّي 15:1-20).

في فَصْلِ التَّكْوِين الأوَّل فصاعدًا، يُقدِّمُ الله نَفْسَهُ بوصفِهِ الإلهَ غيرَ المخلوقِ، الموجود بذاتِهِ، والمكتفي بنفسِهِ، الذي يَخْلُقُ ويَحْكُمُ كلَّ شيءٍ بكلمَتِهِ (التَّكْوِين ١-٢؛ المَزْمُور 12:50-14؛ أَعْمَال الرُّسُل 24:17-25؛ مع يُوحَنَّا ١:١). بوصفِهِ الخالِقَ والرَّبَّ، فإن الله حاضِرٌ تمامًا ومرتبطٌ بمخلوقاته، وبكلِّ حريَّةٍ، وقدرَةٍ، يدعَمُ ويحكُمُ كلَّ الأشياءِ عن قَصْدٍ للوصولِ بها إلى غايتِهِ المنشودَةِ (المَزْمُور 1:139-10؛ أَعْمَال الرُّسُل 28:17؛ أَفَسُس 11:1). إن الله، بِوَصْفِهِ إلهًا، يَأْمُرُ وَيُحِبُّ، ويُعَزِّي، وَيَحْكُم بما يتوافَقُ مع ذاتِهِ. في الحقيقَةِ، بينما نتقدَّم عبرَ تاريخِ الفداءِ، يكشفُ الله عن نفسِهِ ليس فقط كجوهر بأقنومٍ واحد، بل كجوهرٍ بثلاث أقانيم، كائنةٍ معًا في عَلاقَةٍ أزلية هي الآبُ والابْنُ والرُّوحُ القُدُسُ.

الله هو القُدُّوس الفريدُ أيضًا (التَّكْوِين 1:12-3؛ الخروج 2:3-5؛ اللَّاويِّين 44:11؛ إِشَعْيَاء 1:6-3؛ رُومِيَة 18:1-23). ترتَبطُ قداستُه باستقلاليَّتِهِ وذاتِيَّةِ وُجُودِهِ (وُجُودِهِ مَسْتَمَدٌّ من ذَاتِهِ). بوصفِهِ إلهًا، فهو موجودٌ بِذَاتِهِ، كما أنه ذاتيُّ البِرِّ بوصفه المعيار الأخلاقي للعَالَمِ. إن عَيْنَ الله أَطْهَرُ مِنْ أَنْ تَنْظُرَا الشَّرَّ، وَلاَ تَسْتَطِيعُ النَّظَرَ إِلَى الْجَوْرِ (حَبَقُّوقُ 12:1-13؛ مع إِشَعْيَاءُ 4:1-20؛ 8:35). وعندما يُخْطِئُ شعَبُهُ، يَتَعَيَّنُ عليه القضاءُ بالعدلِ، أي بما يتوافَقُ مع قداستِهِ؛ ومع ذلك هو الإله المُحِبُّ لشعبِهِ بكلِّ قداسَةٍ وأمانَةٍ (هُوشَع 9:11). ولا تتعارضُ قداسةُ الله مع محبَّتِهِ أبدًا (١ يُوحَنَّا 8:4؛ الرُّؤْيَا 8:4). لكن، عندما دَخَلَتْ الخطيَّةُ إلى العالَمِ، فإن الله من بابِ نعمَتِهِ وَعَدَ بافتدائنا، وهنا يأتي السؤال: كيف يمكن لله فعلُ ذلك على أن يبقى مخلصًا لطبيعته. هذا سؤال محوري في القِصَّة التي تنكشِفُ أحداثُها عبر الكِتَاب المُقَدَّس.

بعد ذلك، نتعرَّف على آدم، الإنسان الأوَّل، الرأسُ النيابيُّ عن البشرِيَّةِ والخليقةِ. يُقسِّمُ الكِتَابُ المُقَدَّسُ جميع البَشَرِ إلى رأسين: آدم والمسيح (رُومِيَة 12:5-21؛ ١ كُورِنْثُوس 12:15-28). في خُطَّةِ الله، آدمُ مثالٌ للمَسِيحِ، الذي ينتظرُ قدومَ آدم الأخير (رُومِيَة 14:5). للأسفِ، نجد أن آدمَ الأوَّل، بعصيانِهِ كنائبٍ، أَغْرَقَ كلَّ البشرِيَّةِ في الخَطِيَّةِ، وفي كلِّ تداعيتها الوخيمة على كلِّ الخليقة. ومع ذلك، وَفْقًا لِوَعْدِ الله (التَّكْوِين 15:3)، فإن “ابْنًا/نسلاً” للمرأة سوف يَرْفَعُ لَعْنَةَ الخطيَّةِ عن العَالَمِ ويستَرِدُّ البشريَّةَ إلى اللهِ.

ومع ذلك، يُثيرُ هذا الوَعْدُ سؤالاً حَوْلَ من يكونُ هذا “النَّسْلُ”؟ في النهايةِ، وبالنَّظَرِ إلى قداسَةِ الله، كيف يُمْكِنُ للبَشَرِ السَّاقِطين أن يَتَبَرَّرُوا أمام الله؟ لا يُمْكِنُ لله أن يتغاضى عن خطايانا؛ بل ينبغي أن يبقى أمينًا مع ما تقتضيه مطالِبُه العادِلَةُ ضد الخطيَّة. لكن كيف يُمْكِنُ لله أن يَبْقَى بارًّا عادلاً ويُبَرِّر الفُجَّار؟ في الكِتَاب المُقَدَّس، هذا سؤالٌ رئيسٌ يَعْمَلُ كموجِّهٍ لقِصَّة الكِتَابِ المُقَدَّسِ. الله لا بُدَّ أن يَدِينَ الخطيَّةَ البشرِيَّةَ، لكن عند النَّظَرِ بعين الاعتبار إلى وَعْدِهِ بالفداءِ، يَنْشَأُ نوعًا من التَّوَتُرِ في العلاقاتِ العهديةِ الخاصةِ بالكِتَابِ المُقَدَّسِ. لقد وَعَدَ الله بأن يكون إلهَنا، وأن نسكن نحن في محضَرِهِ، لكنَّه قُدُّوسٌ أما نحن فخطاة. دون شكٍّ، بَادَرَ الله في العُهُودِ اللاحِقَةِ بتدبيرِ وسائل عديدة للتَّعَامُل مع الخطيَّة مثل الكهنوتِ، والنظامِ الذبائِحي، وخيمة الاجتماع، أي الهيكل لاحقًا (اللَّاويِّين 11:17). لكن في ظِلِّ العَهْدِ الموسويِّ، قُصِدَ بهذه التدابيرِ ألا تكون كافيةً أبدًا. كان الله يُعَلِّمُ شعبَهُ المحدوديةَ الكامِنَةَ لهذه التدابير، الأَمْرُ الذي يشيرُ إلى ما هو أبعَدُ منها، إلى تدبيرٍ أعظم بعهدٍ أفضل. ومع استعلان خُطَّة الله تدريجيًّا، كان السبيلُ الوحيدُ لِفَضِّ هذا التَّوتُّر بتدبيرِ ابْنٍ مُحدَّدٍ – الذي كان ابنًا بَشَرِيًّا وَإِلَهِيًّا. هو وَحْدُهُ القادِرُ على فدائنا وتبريرنا (رُومِيَة 21:3-26). لكن كان على التدبيرِ الموسويِّ القديمِ الانتظار لما هو عتيد أن يأتي.

  في قِصَّة نوحٍ، نرى أيضًا استمرارية مقاصِدِ الله نحو الخليقَةِ. عندما أَدَانَ اللهُ العالَمَ بالطوفانِ، أنقذ نوحًا وعائلته واثنين من كلِّ الخلائق. كان نوحُ وعائلتُهُ بمثابة “بدايَةٍ جديدَةٍ” للخليقَةِ. وكما أَمَرَ اللهُ آدم قبله، كان على نوحٍ أن يملأَ الأرضَ ويسودَ عليها. عندما قَطَعَ الله عهدًا مع نوحٍ (التَّكْوِين 13:9)، كان العهدُ بمثابة إعادَةِ تأكيدٍ على العهدِ التأسيسي مع آدم والخليقة. وهكذا، أقامَ الله عهدًا مع نوحٍ في سياقِ عالَمٍ ساقِطٍ محفوظٍ للدينونَةِ. وَبِفَضْلِ وَعْدِ الله، نَعْلَمُ أن اللهَ سيحفَظُ الخليقَةَ حتى نهايَة الزمان، وعلى الرُّغْمِ من استمرارِ خطية الإنسان، سيأتي الله بالنَّسْلِ الموعودِ عن طريقِ نوحٍ، الذي سيغَيِّر كلَّ التداعياتِ الوخيمةِ لخطيَّةِ آدم.

عَهْدُ اللهِ مع إبراهيم وَنَسْلِهِ

مع تَكَاثُر أبناءِ نوحٍ، عاشَ الأبناءُ كأسلافِهِم، مستمرِّين في التمرُّدِ البشريِّ الآثِمِ. إن حادِثَةَ برجِ بابِلِ دَلِيلٌ على استمرارِ طموحِ البَشَرِيَّةِ في تحدي الله على غرارِ آدم. وهكذا، تنتقلُ الخطيَّةُ من جيلٍ إلى جيلٍ، حتى أننا نتساءل كيف سَيُغَيِّرُ الله التداعيات الوخيمة للخطيَّةِ والموتِ، ويسترِدُّنا إلى دَوْرِنا كحامِلِين لِخَتْمِ الصُّورَةِ الإلهيَّةِ.

الجوابُ هو العَهَدُ الإبراهيميُّ. في سياق التَّكْوِين ١-١١، بهذا العَهْدِ يُتَمِّمُ الله وَعْدَهُ بالفداءِ والاستردادِ. بعائِلَةٍ واحدَةٍ، أي إبراهيم وَنَسْلِهِ، يحفَظُ الله وَعْدَهُ بِرَفعِ تداعيات الخطيةِ والموتِ. وذلك بناءً على سيادَةِ نعمَةِ الله، لا على أيِّ عَمَلٍ فَعَلَهُ إبراهيم أو أيِّ شيءٍ مميَّزٍ فيه. فقد اختاره الله، وهو عابِدٌ للأوثان، وَوَعَدَ بأن يبارِكَهُ باسمٍ عظيم، وأرضٍ، ونسلٍ كثير يأتي بالخلاصَ لكلِّ الأمم (التَّكْوِين 1:12-3؛ يشوع 2:24-3). بالعَهْدِ الإبراهيميِّ، كشفَ الله بشكلٍ أبعد كيف يتحقَّقُ وَعْدُهُ الخلاصيُّ. وفي تدشِينِ العهْدِ في التَّكْوِين ١٥، أَظْهَرَ الله أنه هو وَحْدُهُ الذي يَفِي بِوَعْدِهِ للخَلاصِ. وتَعْتَمِدُ مواعيدُ العَهْدِ على أمانَةِ الله نحو كلمتِهِ، التي قَبِلَها إبراهيم بالإيمانِ وَحْدَهُ (التَّكْوِين 6:15).

في قِصَّة عَدْنٍ، نَفَى الله آدم من حضرتِهِ. أما الآن فأبناء إبراهيم، ممن يوصفون بأنهم يثقون بالله ويطيعونه، سيكونون شعبَ الله، الذين يسترِدُّهم الله للعيشِ في حضرتِهِ، ولتتميم قَصْدِ الله للبشريةِ.

عهد الله مع إِسْرَائِيل بيد النَّبي مُوسَى

تكاثَرَ نسلُ إبراهيم وصار أُمَّةَ إِسْرَائِيل. وبينما تستمِرُّ القِصَّة، قَطَعَ الله مع إِسْرَائِيل عَهْدًا آخر. في هذا العهدِ الإلهيِّ، الذي تَوَسَّطَ فيه النَّبيُّ مُوسَى، صَارَ وَعْدُ الله مُركَّزًا على أُمَّةٍ بكامِلِها، هي أُمَّةٌ مقدَّسة ومملَكَةُ كهنةٍ تُمَثِّلُ ككلٍ ابنًا لله (الخروج 22:4؛ 6:9). أَنْقَذَ الله شعْبَهُ بالخروجِ من مصرِ، الذي جَعَلَ من إِسْرَائِيل شعْبَ عهدِ الله، كما ساهَمَ خروجُهُ كنموذجٍ لأعمال الله الخلاصية العتيدة.

في سيناءِ، وَهَبَ الله ناموسَ عَهْدِهِ لإِسْرَائِيل (خروج ١٩-٢٠). عَمِلَ النَّبيُّ مُوسَى كوَسِيطٍ للعَهْدِ. حدَّد الله بشكلٍ مُفَصَّلٍ مقاصِدَهُ لشَعْبِ إِسْرَائِيل. انْطَوتْ هذه المَقَاصِدُ على أدوارِ رئيسة تمثَّلَتْ في عملِ الأنبياءِ، والكهنةِ، والمُلوكِ، ارتبطَ كلُّها بجوانب المَهَمَّةِ الأصليةِ لآدم في جَنَّةِ عَدْنٍ قبل السُّقُوطِ. وهكذا، نرى مجدَّدًا أن عَهْدَ الله مع إِسْرَائِيل يَتَأَسَّسُ على العُهُودِ السَّابِقَةِ، مُواصلا الكشف عن قَصْدِ الله الخلاصي، وعن مقاصِدِهِ الأصلية من أجلنا. انطوى عهدُ الله مع إِسْرَائِيل على بركاتٍ للطاعَةِ، ولعناتٍ للعصيانِ، يمكنُ لإِسْرَائِيل أن يَنْعَمَ ببركاتِ اللهِ بطاعَتِهِ لله.

بمرورِ الزمنِ، كان إِسْرَائِيلُ يطيعُ الله أحيانًا، إلا أن النَّمَطَ الغَالِبَ لحياتِهِ اتَّسَمَ بالعصيانِ. وَرُغْم دعوتِهِ الخاصة، سَلَكَ إِسْرَائِيلُ كآدم في تمرُّدِهِ ورفضِهِ لله. مع أن العَهْدَ القَدِيمِ، كان بذاتِهِ هِبَةً من الله، إلا أنه أَشَارَ إلى شيءٍ أعظم. فلم يكُنْ ذلك العهد كافيًا في حَدِّ ذاته؛ لكنه أَنْبَأَ بما هو ضروريٌّ لخلاصِنا، بما عجز عن تقديمه بالكامِلِ.

وَفْقًا للقَصْدِ الإلهي، نَكْتشفُ أن الله، بطُرُقٍ متنوعةٍ، قَصَدَ أن يُشير هذا العَهْدُ إلى المَسِيحِ والعَهْد الجَدِيد (إِرْمِيَا ٣١:٣١-٣٤). في هذه الخُطَّةِ، قَصَدَ اللهُ أن يكونَ عهدُهُ مع إِسْرَائِيل مُؤَقَّتًا كجزءٍ من خُطَّتِهِ المُعْلَنةِ عَبْرَ العُهُودِ. سَمَحَ العَهْدُ القَدِيم من بابِ النعمةِ الإلهية، أن يسكُنَ الله وَسْطَ إِسْرَائِيل، إلا أنه كَشَفَ أيضًا عن الحاجَةِ إلى عَهْدٍ، ووسِيطٍ، وذبيحَةٍ أعظم. خَدَمَ العَهْدُ القَدِيم عَدَدًا من المقَاصِدِ: فقد كَشَفَ عن طبيعَةِ الخطيَّة (رُومِيَة 13:7)، وأَظْهَرَ عظَمَةَ النِّعْمَةِ الإلهية، وَتَنَبَّأَ عن بِرِّ الله العتيد أن يُعْلَنَ في الإنجيلِ (رُومِيَة 12:3) كما عَمِلَ نَامُوسُ العَهْدِ بمثابَةِ حارِسٍ يقودُنا إلى المَسِيحِ (غَلاطِيَّة 19:3-7:4).

عَهْدُ الله مع دَاوُدَ وابْنِهِ

عن طريقِ عَهْدِ الله مع داود صارَ وَعْدُ الله مُرَكَّزًا على شخصٍ بعينِهِ: المَلِكُ. في هذا العَهْدِ، يأتي الله بالعُهُودِ السابقةِ إلى رَأْسٍ واحدٍ، فقد وَعَدَ بابنٍ مَلِكٍ عتيد أن يسودَ العالَمَ إلى الأَبَدِ (2 صَمُوئِيل 14:7، 19).

في هذا الوَعْدِ بـ “الابْنِ” يتردَّد في مسامِعِنا صَدَى إِسْرَائِيل كابْنٍ لله (الخروج 22:4). والأكثرُ من ذلك، نسمعُ فيه صدى وَعْدِ الله بأن يأتي بـ “ابنٍ/نسلٍ” يُبَدِّلُ كلَّ عواقبِ تمرُّدِ آدم (التَّكْوِين 15:3). من الأمورِ المحورَيَّةِ بالنسبة لِخُطَّةِ فداء الله هو استردادُ الدَّوْرِ المَلَكِيِّ للبشريةِ نيابَةً عن الله عن طريقِ نَسْلِ داود. بحلولِ الوَقْتِ الذي نَصِلُ فيه إلى المَلِكِ داود، نُدْرِكُ أنه عن طريق المَلِك الداودي سيستَرِدُّ الله الخليقَةِ، الأَمْرُ الذي تُعْلِنُه وَتُعَلِّمُ عنه بوضوحٍ أسفارُ الأنبياءِ والمزامير (انظر المَزْمُور 2؛ 8؛ 45؛ 72؛ إِشَعْيَاء 6:9-7؛ 11؛ 53). ومع ذلك، عَصَى داودُ وأبناؤه الرَّبَّ، لقد تركوه حتى صارَتْ مواعيدُ الله الخلاصية موضعَ تساؤلٍ. لقد وَعَدَ الله بأن يأتي بابنٍ مَلِكٍ من نَسْلِ داودِ، فأينَ هذا المَلِكُ؟

يقودُنا هذا إلى رسالَةِ أسفارِ الأنبياءِ وتَوَقُّع العَهْدِ الجَدِيدِ. تَتَحَدَّثُ هذه الأسفارُ عن دينونَةِ الله على إِسْرَائِيل لانتهاكه للعَهْدِ، ومع ذلك تقدِّم أيضًا رسالةَ رجاءٍ. تُعْلِن تلك الأسفارُ عن نمطٍ شَامِلٍ للتجديد، باستردادِ تاريخ الفداء الماضي والمُضِيُّ به مستقبلاً. أيضًا تؤكِّد على أن الله سَيَحْفَظُ وَعْدَهُ بفداءِ شعبِهِ، وسَيَفْعَلُ ذلك بمَلِكٍ أمينٍ من نسلِ داود (إِشَعْيَاء 14:7؛ 6:9-7؛ 1:11-10؛ 1:42-9؛ 1:49-7؛ 13:52-12:53؛ 3:55؛ 1:61-3؛ إِرْمِيَا 5:23-6؛ حِزْقِيَال 23:24-24). في هذا المَلِكِ، المُلَقَّبِ بـ “عَبْدِ الرَّبِّ”، سيأتي عَهْدٌ أبديٌّ جَدِيدٌ مع انسكابٍ للرُّوح القُدُس (حِزْقِيَال 36-37؛ يوئيل 28:2-32)، ويُسْتَعْلَنُ ملكوتُ الله بخلاصِهِ وَسْطَ الأمم، وغفرانُ الخطايا (إِرْمِيَا 34:31)، والخليقةُ الجديدَةُ (إِشَعْيَاء 17:65). إن الرجاءَ الذي تؤكد عليه أسفارُ الأنبياء يَكْمُنُ في قدومِ العَهْد الجَدِيد.

فيما يرتبط بالعَهْدِ الجَدِيدِ، مع أن كلَّ أسفارِ الأنبياء تُعَلِّمُ عنه، إلا أن نص إِرْمِيَا ٣١ هو على الأرجح أشهرها في العَهْدِ القَدِيم. يُركِّز هذا النَّصُّ على ما هو محوريٌّ وأساسِيٌّ في العَهْدِ الجَدِيدِ: الوَعْد بالغفران الكامل للخطايا (34:31). في ظلِّ العَهْد القَدِيم لإسرائيل، كان غفرانُ الخطايا متاحًا عن طريق النِّظَامِ الذبائحي. ومع ذلك، لم يُرِدْ الله للنظامِ القَدِيمِ أن يكون غايةً في حَدِّ ذاتِهِ (غَلاطِيَّة ٣-٤)، الأَمْرُ الذي يتَّضِحُ من إعلانِهِ بأن الخطيةَ في العَهْدِ الجَدِيدِ لن تُذْكَر فيما بعد (٣٤:31). إذن، المتَوَقَّع في العَهْدِ الجَدِيدِ هو استعادَةُ الشركةِ مع الله، بِسُكْنَى الله معنا في خليقَةٍ جديدَةٍ – وبشكلٍ نهائيٍّ تحقيقُ نَصِّ التَّكْوِين 15:3.

عَهْدُ الله الجَدِيدِ في المَسِيحِ

القضيَّةُ التي يَنْشَغِلُ بها العَهْدُ القَدِيمُ هي مَتَى وكيفَ يَفِي اللهُ بمواعيدِهِ، وعهودِهِ مع آدم، ونوح، وإبراهيم، ومُوسَى، وداود. بمجيءِ المَسِيحِ، تتحقَّقُ كلُّ مواعيدِ الله لأن فِيهِ النَّعَمْ وَفِيهِ الآمِينُ (2 كُورِنْثُوس 20:1). وكما قَصَدَ الله منذ الأَزَلِ، عن طريقِ العَهْدِ الجَدِيدِ المؤسَّسِ بواسطة رَبِّنا يسوع المَسِيحِ، يُدشِّن إلهنا الثالوث القُدُّوس ملكوتَهُ الخَلاصِيَّ في العَالَمِ. بِتَجَسُّدِهِ، صارُ ابْنُ الله الابْنَ البشريَّ أيضًا، هو الابْنُ الموعودُ به، نسلُ إبراهيم، إِسْرَائِيل الحقيقي، والابْنُ الأعظمُ للمَلِكِ داود، الذي أَكْمَلَ فداءَنا بعمَلِهِ. بحياةِ الرَّبِّ يسوعِ، بموتِهِ وقيامتِهِ، بصعودِهِ، وانسكابِ الرُّوح القُدُس في يوم الخمسين، دَفَعَ ثَمَنَ خطايانا، وَأَعادَ خِلْقَتَنا لنصيرَ خليقةً جديدَةً له، وأزال لَعْنَةَ الخَطيَّة عن الخليقَةِ. في المَسِيحِ وَحْدَهُ، تتحقَّقُ كلُّ مواعيدِ الله، وبالمثلِ المقاصِدُ الأصليةُ لِخْلْقَتِنا إلى الأَبَدِ.

هذه الحقائقُ المجيدةُ مُصوَّرةٌ بشكلٍ رائعٍ في سِفْرِ الرُّؤْيَا ٢١-٢٢. بعد الدينونةِ النهائيةِ على الخطيةِ، تَتَجَلَّى الخليقَةُ الجديدَةُ بكلِّ مِلْئِها. في المجيءِ الثاني للمَسِيحِ، تُسْتَعْلَنُ تلك الخليقةُ بكلِّ ملءِ اكتمالها. سوف يُعْلِنُ إلهُنا المثلثُ الأقانيم حضورَهُ العَهْدِيَّ الفريدَ معنا بكلِّ مجدِهِ. لقد أَفْسَحَتْ عَدْنُ المجال للخليقَةِ الجديدَةِ، فما أَبْدَعَهُ الله من أجلنا في المقام الأول، أن نَسْكُنَ في محضرِهِ كشعبٍ له، يتحقَّقُ الآن بشكلٍ كامِلٍ ونهائيٍّ إلى الأبدِ، آمين!

الكِتَاب المُقَدَّس، بوصفه كَلِمَةَ الله المكتوبةَ، يَدُورُ بشكلٍ أساسيٍّ حول ما فَعَلَهُ إلهنا المجيد، المثلث الأقانيم، لِمَجْدِ ذاتِهِ بافتداء شعْبِهِ، ودينونَةِ الخطيَّةِ، وتجديدِ كلِّ شيءٍ في المسيح. بالنسبةِ إلى الكنيسة، تُعَدُّ هذه الرسالةُ بشارَةً سارَّةً، ينبغي أن تدْفَعَنا إلى الإيمانِ بالمَسِيحِ، والرَّجاءِ به، والمحبَّة له، والحياة بأمانة من أجله. إلا أن رسالَةَ الكِتَابِ المُقَدَّسِ تُذكِّرُنا أيضًا بأنه لا يوجَدُ خارج المَسِيحِ سوى الدينونةِ النهائيةِ، الأمرُ الذي يحتِّم علينا المناداةَ بكلِّ أمانَةٍ بالإنجيلِ.

شارك مع أصدقائك

ستيڤن ويلوم

أستاذ اللاهوت المسيحيّ بالكليّة المعمدانية الجنوبيّة للاهوت، ومؤلف العديد من الكتب في مجال اللاهوت النظاميّ.