مقدمة للأناجيل (4): الإنجيل حسب لوقا

 


المقدمة


 

 قبلَ سنواتٍ عدة، نقَلتِ الأخبارُ أن نيراناً حاصرتْ مجموعةً من الناسِ في مبنى مكاتب. فجأةً، ظهر شابٌ اندفعَ بقوةٍ إلى داخلِ الغرفةِ المشتعلةِ، وساعدَ المُحاصَرين ليَجِدوا طريقَهم إلى الخارجِ. وتبيّنَ لاحقاً من خلالِ شهاداتِ العديدِ من الناجينَ في كلِّ أرجاءِ المبنى، أن المنقذَ هو إطفائيٌّ مُتطوِعٌ صَدُفَ أنه كان يَعمَلُ في المبنى. ورُغمَ خَسارَتِه حياتَه وَسَطَ النيرانِ، إلا أنه أنقذَ حياةَ الكثيرينَ من موتٍ محتومٍ.

شدّدَ لوقا أكثرَ من كُتّابِ الأناجيلِ الآخرينَ على أن يسوعَ هو المُخلّصُ. وسَواءَ أدْرَكْنا ذلك أم لا، فإننا نحنُ البشرَ هالكونَ ويائسون، بلا عَونٍ أو رَجاءٍ. ولا يوجدُ أمامَنا مَهربٌ من دينونةِ اللهِ التي تُهددُنا. لكن إنجيلَ لوقا يُذكِّرُنا بأن يسوعَ جاء وضَحّى بحياتِه لكي يخلِّصَنا.

هذا هو الجزء الرابع في سلسلتنا الأناجيل، وقد أعطيناه العنوان “الإنجيل حسب لوقا”. في هذا الدرس سنتعلم كيف نقرأ الإنجيل الثالث في العهد الجديد بفهم أكبر، وكيف نطبّق تعاليمه على حياتنا.

سنتناول إنجيل لوقا على ثلاث مراحل. أولاً، سننظر في خلفية إنجيل لوقا. ثانياً، سنفحص بنيته ومحتواه. وثالثاً، سنشير إلى بعض مواضيعه الرئيسية. لنبدأ بخلفية إنجيل لوقا.

 


الخلفية


 

سنتناول خلفية إنجيل لوقا عن طريق النظر في الكاتب، والقرّاء الأولين والمناسبة أو ظروف الكتابة. لنبدأ أولاً بالكاتب.

 

المؤلف

 دعونا نشير في البداية إلى أن المسلّم به على نطاق واسع أن إنجيل لوقا هو الكتاب الأول من عمل يتألف من كتابين. أما الكتاب الثاني فهو أعمال الرسل. ولهذا السبب، فالسؤال عن كاتب إنجيل لوقا مرتبط بالسؤال عن كاتب أعمال الرسل. استمع إلى مقدمة إنجيل لوقا في ۱: ۱-٤:

 إِذْ كَانَ كَثِيرُونَ قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا،‏ كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّاماً لِلْكَلِمَةِ، ‏رَأَيْتُ أَنَا أَيْضاً إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيق، أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَّوَالِي إِلَيْكَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ ثَاوُفِيلُسُ،‏ لِتَعْرِفَ صِحَّةَ الْكَلاَمِ الَّذِي عُلِّمْتَ بِهِ.

وقارن هذه المقدمة بمقدمة أعمال الرسل ۱: ۱-۲ حيث نقرأ:

 اَلْكَلاَمُ الأَوَّلُ أَنْشَأْتُهُ يَا ثَاوُفِيلُسُ، عَنْ جَمِيعِ مَا ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَفْعَلُهُ وَيُعَلِّمُ بِهِ، ‏إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي ارْتَفَعَ فِيهِ.

تدلّ هاتان المقدمتان أن الكاتب كتب إلى شخص يُدعى ثَاوُفِيلُس. وتشير مقدمة أعمال الرسل إلى كتاب سابق. وقد قاد هذا معظم الدارسين إلى الاستنتاج بأن الكتاب السابق هو إنجيل لوقا.

كما يوجد أيضاً دليل آخر على أن الكاتب ذاته كتب الكتابَين. فإن أسلوب الكتابة في اللغة اليونانية لإنجيل لوقا شبيه بلغة أعمال الرسل، ويختلف عن أسلوب الأناجيل الأخرى. كما يشدّد الكتابان على مواضيعَ متشابهة، مثل شمولية عرض الإنجيل، وعمل الروح القدس، والسلطان الذي لا يقاوم لكلمة الله ومشيئته، والوصف المتكرِّر لعمل المسيح بـ”الخلاص”. وهكذا، انطلاقاً من الفرضية بأن كاتباً واحداً كتب الكتابَين، نسأل من هو هذا الكاتب؟

سنفحص كاتب الإنجيل الثالث من وُجهتين. أولاً، سننظر في الموقف التقليدي الذي ينسِب كتابة الإنجيل إلى لوقا. وثانياً، سنفحص سيرة لوقا الشخصية. لننظر أولاً في الموقف التقليدي القائل، إن لوقا هو كاتب هذا الإنجيل.

الموقف التقليدي

 من الناحية التقنية، لا يذكر إنجيل لوقا اسم كاتبه. لكن يجب ألا يفاجئنا ذلك، فثَاوُفِيلُسُ عرف بالتأكيد من كتب الإنجيل، لذلك لم تكن هناك حاجة ليعرّف الكاتب عن نفسه. لكن مع ذلك توجد بضعة مصادر للمعلومات حول هوية الكاتب.

هناك على الأقل ثلاثة أنواع من الأدلة التي تؤيد الموقف التقليدي بأن لوقا كتب الإنجيل الثالث. أولاً، هناك ملاحظات من أجزاء أخرى في العهد الجديد تشير إليه على أنه الكاتب.

يشير العهد الجديد إلى أن كاتب الإنجيل الثالث كان مع بولس في السنين الأخيرة من خدمته. على سبيل المثال، في كتاب أعمال الرسل، كتب الكاتب روايته مستخدماً ضمير الغائب، وفي أحيان أخرى مستخدماً ضمير المتكلم. وآخر تلك الكتابات التي كتبت بصيغة المتكلم هي أعمال ۲٧: ۱-۲٨: ۱٦، وهي تصف رحلة بولس إلى روما.

بالإضافة إلى ذلك، تشير رسائل بولس إلى أن لوقا كان أحد شركاء الخدمة القليلين الذين كانوا معه خلال تلك الفترة. على سبيل المثال، في 2 تيموثاوس ٤: ۱۱ عندما كان موته وشيكاً، أخبر بولس تيموثاوس “لوقا وحده معي”. ومعلومات من هذا النوع لا تبرهن أن لوقا كتب الإنجيل الثالث وأعمال الرسل، لكنها تدعم بقوة هذه الفرضية.

ثانياً، المخطوطات القديمة لإنجيل لوقا تشير إلى أن الكاتب هو لوقا.

إن تأريخ المخطوطات القديمة هو في الواقع علم تقني متقدم، ويستخدم العلماء في تحديدهم لتاريخ مخطوطة قديمة، ثلاثة طرق. إحدى هذه الطرق وأهمّها، وهو ما يستغربه الطّلاب أحياناً، هي البِليوغرافيا. ففي اليونانية، “بليو” تعني قديم و”غرافيا” كتابة، والمصطلح بليوغرافيا يعني الكتابة القديمة. ويمكن للعلماء الخبراء في هذا المجال أن يحدّدوا، ضمن فترة زمنية تمتد من بضعة عقود إلى خمسين سنةً، الزمنَ الذي كُتبت فيه وثيقة ما، وذلك ببساطة لأن الخط في لغة معينة، يتغير من فترة إلى أخرى. أحياناً، كانت طريقة كتابة الأبجدية تتغير، وهذا ما تدرسه البليوغرافيا. أما الطريقة الثانية، فهي نوع من التحليل الكيميائي. مثل تأريخ الكربون أربعة عشر، أو اختبارات أخرى للحبر، أو لجلد الحيوان، أو غيرها من المواد التي كُتبت الوثيقة عليها بغرض تحديد تاريخها. والطريقة الثالثة في تأريخ المخطوطة هي في البحث عن أي تعليقات أو بيانات خارجية أضيفت إلى المخطوطة. فنادراً ما كان الكتبةُ يؤرخون مخطوطاتهم إلا أنهم كانوا أحياناً يذكرون بعض الملاحظات التي تساعدنا على تحديد الزمن الذي تم فيه نسخ تلك الوثيقة. إذاً، هذه هي الطرق الثلاث المختلفة في تأريخ المخطوطات.

—د. مارك ستراوس

إحدى أقدم المخطوطات الموثوق بها لإنجيل لوقا هي البردية رقم 75، والتي كثيراً ما يُشار إليها بـ”P-75″. ويعود تاريخ هذه المخطوطة إلى العام 180م. والجزء الذي تحتويه من إنجيل لوقا هو أكبر من معظم المخطوطات القديمة الأخرى. وهي تحمل العنوان “حسب لوقا”.

والعديد من المخطوطات القديمة الأخرى تشير إلى لوقا ككاتب الإنجيل، ولم تنسب أي من المخطوطات القديمة الإنجيل إلى أي كاتب آخر.

ثالثاً، كتابات الكنيسة الباكرة تشير إلى أن لوقا هو كاتب الإنجيل. تشير الوثائق الهامة في الكنيسة الباكرة باستمرار إلى أن لوقا هو كاتب الإنجيل الثالث. والقائمة المورِتارِية التي يرجع تاريخها إلى الفترة ما بين العامين 170 و180م، هي أقدم وثيقة معروفة تحتوي على قائمة بكتب العهد الجديد التي اعتبرتها الكنيسة الباكرة قانونية. وهذه القائمة تقرّ بوضوح بأن لوقا هو كاتب الإنجيل الثالث.

شهادة أخرى قديمة تُعرف بمقدمة ضد مارقيون لإنجيل لوقا، كُتبت في الفترة ما بين العامَين 160 و180م لدحض هرطقة مارقيون، تقدّم الإنجيل الثالث بهذه الطريقة:

لوقا من إنطاكية سورية، مهنته طبيب، وكان تليمذاً للرسل. في وقت لاحق رافق الرسول بولس ولوقا، بدافع من الروح القدس، كتب إنجيله كله في منطقة أخائية.

يؤكد إيريناوُس، وقد عاش تقريباً بين العامين 130 و202م، أن لوقا هو الكاتب. كذلك فعل أَكليمَندُس الإسكندري الذي عاش تقريباً بين العامَين 150 و215م، وأيضاً تِرتليانوس وقد عاش بين العامين 155 و230م.

يمكننا أن نكون على ثقة كاملة بأن لوقا كتب الإنجيل الثالث. نعرف من كتاب أعمال الرسل أن لوقا كان طبيباً والتقى به بولس عندما كان متوجهاً من أعلى آسيا الصغرى إلى منطقة ترواس. ثم سافرا معاً إلى فيلبّي وبقي لوقا على الأرجح هناك ليعمل وكان طبيباً. ثم عاد والتقى بولس في أسفاره من فيلبّي إلى أورشليم في العام 57م. ونعرف من العهد الجديد، أن لوقا كان يعرف بولس جيّداً ويسافر معه، ومن المؤكّد أن لوقا هذا هو الشخص ذاته الذي كتب إنجيل لوقا.

د. بيتر واكر

لو كنت ببساطة تُخمّن اسم رفيق لبولس، لما كنت تفكر بلوقا. فهو ليس بالشخصية البارزة في رسائل بولس. قد تفكر في تيطس مثلاً، أو قد تفكّر في أيّ شخص آخر. وحيث إن لوقا لم يكن بارزاً في رسائل بولس يدعم صحة نسب الإنجيل الثالث وكتاب الأعمال إليه. وأعتقد أيضاً أن الأسماء التي تُنسَب إليها الأناجيل تعود إلى زمن باكر حين بدأت الأناجيل تنتشر. من هنا إذاً، أنا أعتقد أن نسبة الإنجيل إلى لوقا وأنّ كون كاتب الأعمال رفيقاً لبولس يرجحان أن كاتب الكتابَين هو لوقا الذي رافق بولس في أسفاره وكان واحداً من العاملين معه.

د. ريتشارد بوكام

الآن وقد أكدنا الموقف التقليدي الذي يقول إن لوقا هو كاتب الإنجيل، دعونا ننظر في سيرة لوقا الشخصية.

السيرة الشخصية

 يخبرنا العهد الجديد على الأقل أربعة أشياء عن سيرة لوقا الشخصية. أولاً، لم يكن لوقا رسولاً. في الحقيقة، لا يبدو أن لوقا كان شاهد عيان لأي من الأحداث المذكورة في إنجيله. استمع إلى هذه التفاصيل من إنجيل لوقا ۱: ۱-۲:

إِذْ كَانَ كَثِيرُونَ قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا،‏ كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّاماً لِلْكَلِمَةِ.

إنجيل لوقا هو الوحيد بين الأناجيل الأربعة الذي يتضمن نوعا من المقدّمة كتلك التي يكتبها مؤرّخٌ ليقدّم عملاً تاريخيّاً. وهذا يعني أن لوقا كان مُطلعاً على الأسلوب التاريخي في ذلك الوقت. وهو يذكر مصادره في المقدمة. ولا يدّعي أنه كان شاهد عيان، بل يقول إنه استند إلى شهود عيانٍ لتسجيل وقائعه. إذاً عندنا شهادة شهود عيان. ونعرف أيضاً أن لوقا كان مع بولس في آخر رحلة له إلى أورشليم حيث سُجن هناك حوالي سنتين. وبدا وكأنَّ لوقا بقي في أورشليم ومناطق أخرى من فلسطين طوال تلك المدة. وكما كان أي مؤرّخ حَذِقٍ ليفعل، عندها استفاد لوقا من فرصة ذهبية امتدّت سنتين ليقابل شهود العيان، وكانوا طبعاً من أعضاء كنيسة أورشليم. نذكر مثلاً يعقوب أخا الرب الذي لا بد أنه كان في تلك النواحي إضافةً إلى بعضٍ من الرسل الاثني عشر. إذاً، كان لوقا في وضع جيّد سمح له بالتحدث إلى شهود عيان. ثم قام بمرافقة بولس إلى روما حيث رأى على الأرجح بعض الناس الذين كان لديهم أخبارٌ موثوقة. كان لديهم ما يخبرونه إياه عن يسوع. أعتقد إذاً أن لوقا استفاد جدّاً من أسفاره وتجواله التي سمحت له بلقاء شهود عيان وجهاً لوجه.

د. ريتشارد بوكام

ثانياً، يبدو أن لوقا كان مهتدياً أممياً إلى المسيحية. عندما كتب بولس من السجن إلى أهل كولوسي، أرسل إليهم تحيات من لوقا الذي كان مع بولس في ذلك الوقت. استمع إلى ما كتبه بولس في كولوسي ٤: ۱٤:

يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ لُوقَا الطَّبِيبُ الْحَبِيبُ، وَدِيمَاسُ.

وهذا الأمر له دلالته، إذ أشار بولس في ۱۰-۱۱ إلى أن أَرِسْتَرْخُس، وَمَرْقُس، وَيُسْطُس، كانوا اليهود الوحيدين العاملين معه في ذلك الوقت. لذلك من المنطقي أن نستنتج أن لوقا كان أممياً. وما يدعم هذا الرأي هو وصفه في أعمال ۱: ۱٩ الآرامية بـ”لغتهم”. فالآرامية هي لغة اليهود لكنها ليست لغته.

ثالثاً، يبدو أن لوقا كان أيضاً واسع العلم. الكثير من أسفار العهد الجديد مكتوبة بأسلوب يوناني شعبي شائع، يتميّز بالبساطة. أما إنجيل لوقا فهو مصقول بلغة يونانية ممتازة.

أما حقيقة كون لوقا واسع العلم، فنجدها أيضاً في تعريف بولس عنه بالطبيب في كولوسي ٤: ۱٤. ففي الوقت الذي لم يكن فيه الطب فرع دراسة رسمياً في زمن العهد الجديد، كما هي الحال اليوم، إلا أنه كان يتطلب شخصاً ماهراً ومؤهلاً، وعلى قدر كاف من العلم.

أما الشيء الرابع الذي نعرفه عن سيرة لوقا الشخصية، فهو أنه كان شريك بولس في الخدمة في الكثير من الأحداث المذكورة في أعمال الرسل.

ولقد وصفه بولس في فِلِيمُونَ ۲٤ بأنه عاملٌ معه. وحسب أعمال ۱٦: ٦-۱۰، انضم لوقا إلى بولس أولاً في ترواس ورافقه في دعوته التبشيرية إلى مكدونية. بعد هذا كان لوقا غالباً مع بولس، ما عدا إقامته الطويلة في فِيلِبِّي، المدوّنة في أعمال ۱٦: ٤۰-۲۰: ٥. فأمانة لوقا كانت ظاهرة بصورة خاصة في أعمال ۲٧: ۱ عندما رافق بولس في رحلته الخطيرة إلى روما.

رغبتي أن أقابل لوقا بينَ كل شخصيات العهد الجديد هي أنّني أردت أن أصبح طبيباً يوماً، لذلك كان لوقا يثير فيّ التساؤلات. أمورٌ عديدة أهّلته لكتابة أحد الأناجيل. الدليل الأول هو حضوره الشخصي. في كتاب الأعمال الفصل 16 يستخدم صيغة “نحن” كما لو أنه شاهد عيان، وليس كمن ينقل عن شهود عيان. فقد انضمّ إلى الأشخاص الذين شكّلوا جزءاً من أحداث المسيحية الأولى وإنها لفترة مثيرةٌ للاهتمام. والحقيقة الثانية هي أن لوقا كان طبيباً، ومن خلال تدريبي لأصبح طبيباً، أعرف أن الطبيب يهمه الحصول على التشخيص الصحيح والدقيق؛ ويرغب بالحصول على أدق التفاصيل، لكي يأتي تشخيصه في النهاية لخير المريض. أما الأمر الثالث الذي يدهشني في لوقا، ما يدهشني في لوقا هو نظرته التي كوّنها خلال سفره عبر العالم اليونانيالروماني. فهو لا يحدّ سرده للأحداث بأرض فلسطين فحسب بل يصوّر الأحداث بشمولية. ففي زمن كان يوجد فيه قلق حول إيصال الإنجيل إلى العالم أجمع، نرى في إنجيل لوقا فهماً واسعاً للموضوع لأنه سافر إلى اليونان وروما وإلى مناطق أخرى في العالم اليونانيالروماني. وأدرك كيفية تطبيق رسالة يسوع في الثقافة التي وصلت الرسالة إليها.

د. ستيف هاربر

الآن وقد تناولنا كاتب الإنجيل الثالث، لننظر إلى هوية القرّاء الأولين الذين كتب إليهم لوقا.

 

القراء الأولون

سنبحث في القرّاء الأولين بطريقتَين. أولاً، سننظر في إهداء الكتاب الصريح إلى ثَاوُفِيلُسَ. وثانياً، سننظر في إمكانية أن يكون الكتاب موجهاً إلى شريحة أوسع من القرّاء. لنبدأ بثَاوُفِيلُسَ كقارئ لوقا الأول.

ثاوفيلوس

لطالما أثارت هوية ثَاوُفِيلُس التي ذُكِرت في لوقا ۱: ۱-٤، وفي أعمال ۱: ۱-۲، جدالات كثيرة عبر العصور. في الواقع إن اسم “ثَاوُفِيلُس” يعني “محب الله”، ولهذا السبب لقد ظن البعض أنه ليس شخصاً حقيقيّاً، بل هو رمز يمثّل قرّاء إنجيل لوقا الذين يحبون الله في الكنيسة. ولكن على الأرجح، كان ثَاوُفِيلُسُ شخصية واقعية. وهذا ما يعتقده أغلب الدارسين، وأنا أوافقهم الرأي، لأن لوقا يصفه ب”العزيز” وهو يستخدم لوقا هذه الكلمة عينها ليصف المسؤولين الرومانيين كفليكس وأغريباس. وهذا المصطلح العزيز”، أو “يا صاحب العزة” كان مصطلحاً رسميّاً يشير إلى شخصٍ رفيع المقام يتبوأ مركزاً مرموقاً في الحكومة الرومانية. بل وأكثر من ذلك، يبدو أنّ المقطع الأول من إنجيل لوقا من الآية ۱-٤ وكأنه إهداء، والإهداءات كانت توجَّه إلى أشخاصٍ مرموقين جدّاً. ولطالما كانت الكتابات التاريخية تبدأ بإهداءات لأشخاص دفعوا المال من أجل الحصول على عمل مماثل. ولهذا السبب أقول إنني شبه متأكد أن ثَاوُفِيلُس كان شخصية واقعية بالفعل، وليس رمزاً لقرّاء إنجيل لوقا كما ظنّ البعض في يوماً من الأيّام. ومن ناحيتي، أعود وأكرّر أنّ ثاوفيلس شخصيّة واقعيّة.

د. ديفيد باور

تعطي مقدمة لوقا الانطباع أن ثَاوُفِيلُسَ كان داعماً للوقا، أي الشخص الذي كلفه بالكتابة ودعمه مادياً. في لوقا ۱: ۳، وجّه لوقا كتابه إلى “الْعَزِيز ثَاوُفِيلُس” أو كراتيستي ثيوفيلي. وهذا التعبير كراتيستي يشير إلى لقب شرف عظيم. في الحقيقة، استُخدم هذا التعبير ليصف شخصين آخرين في العهد الجديد، وهما الحاكمان الرومانيان فيلِكْس وفَسْتُوس. وفي حال لم يكن ثَاوُفِيلُسُ موظفاً رومانياً ذا رتبة عالية فلا شك أنه كان شخصاً له مقامه وأهميته.

لكن العلاقة بين لوقا وثَاوُفِيلُس كانت أكثر تعقيداً من مجرد الدعم. فبمعنى ما، كان ثَاوُفِيلُسُ أيضاً تلميذاً للوقا. نقرأ في لوقا ۱: ۳-٤ هذه الكلمات:

رَأَيْتُ أَنَا أَيْضاً إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيق، أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَّوَالِي إِلَيْكَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ ثَاوُفِيلُسُ،‏ لِتَعْرِفَ صِحَّةَ الْكَلاَمِ الَّذِي عُلِّمْتَ بِهِ.

كان ثَاوُفِيلُسُ يعرف عن يسوع. لكن لوقا كتب هذا السجل الأشمل والأكثر ترتيباً عن حياة يسوع ليؤكد لثَاوُفِيلُس صحة ما تعلّمه.

بعد أن رأينا كيف أن لوقا يشير إلى ثَاوُفِيلُس صراحة كقارئه الأول، من المفيد أن نضع في ذهننا أن لوقا يكتب إلى شريحة أوسع من القرّاء.

شريحة أوسع من القراء

 وأسبابٌ كثيرة تدفعنا إلى التفكير في أن لوقا كتب إلى شريحة أوسع من القرّاء وليس لثَاوُفِيلُس وحده، ومنها هو أن المسيحيين الأولين كانوا ميّالين إلى مشاركة الرسائل والكتابات الأخرى فيما بينهم. كمثل واحد فقط، استمع إلى ما كتبه بولس في كولوسي ٤: ۱٦:

وَمَتَى قُرِئَتْ عِنْدَكُمْ هذِهِ الرِّسَالَةُ فَاجْعَلُوهَا تُقْرَأُ أَيْضاً فِي كَنِيسَةِ الّلاَوُدِكِيِّينَ، وَالَّتِي مِنْ لاَوُدِكِيَّةَ تَقْرَأُونَهَا أَنْتُمْ أَيْضاً.

بما أن المسيحيين الأولين مالوا إلى مشاركة كتاباتهم فيما بينهم، فإنّنا نفترضُ أن ثَاوُفِيلُس كان متحمساً لمشاركة كتابَي لوقا مع الآخرين.

علاوة على ذلك فإن أسلوب الكتابة الرفيع للإنجيل يجعل من شبه المؤكد أنه كان للوقا شريحة أوسع من القرّاء في ذهنه. فالأسلوب ليس تماماً مذكرة شخصية موجّهة إلى شخص واحد. فالبحث التاريخي المستفيض الذي أشار إليه لوقا في ۱: ۳ من إنجيله يدل ضمناً على قرّاء أوسع. وعلاوة على ذلك، الحجم الكبير للإنجيل وكتاب الأعمال يوحيان بأن لوقا كان يؤلف كتاباً رئيسياً لشريحة أوسع من القرّاء. لكن من هم أولئك القرّاء؟

يبدو من المرجح أن لوقا كتب بصورة رئيسية إلى المسيحيين من الأمم. على سبيل المثال، الأسلوب اليوناني المستخدم هو أسلوب يستخدمه الأمم. وتشديده على العرض الشامل لإنجيل ملكوت الله، يؤكد أن الخلاص هو لكل الأمم. بالطبع، إنجيل لوقا قيّم أيضاً بالنسبة لليهود المسيحيين، لكنه ليس موجّهاً إليهم كما هي الحال بالنسبة لإنجيل متى.

كانت رَغبةُ اللهِ دائماً أن يَقرأَ الناسُ من كلِّ الشعوبِ عَبْرَ التاريخِ الكتابَ المُقدَسَ ويفهموا مشيئتَه من خلالِه. ومن المُهِمِّ أن نُدركَ أن الروحَ القُدُسَ أوحى إلى كتّابٍ مُعيّنينَ أن يكتبوا كُتباً محدّدةً، وقد استَخدَمَ في كتابتِهم شخصياتِهم الخاصةَ واهتماماتِهم. بهذا المعنى الرئيسيِّ، صمّم لوقا إنجيلَه ليتَكلمَ إلى حدٍّ ما بصورةٍ مُباشرةٍ إلى حاجاتِ ثَاوُفِيلُسَ والقُرّاءِ المَسيحيين من الأُممِ في القَرنِ الأولِ. بينما في المقابلِ، يَسمَعُ القُرّاءُ اليومَ بصورةٍ غيرِ مُباشرةٍ ما كتبه لوقا إليهم. لكن إن أبقَيْنا في ذِهنِنا لوقا وقراءَه الأصليين ونحنُ نقرأُ الإنجيلَ، فنكونُ أكثرَ استعداداً لنفهمَ ما كتبَهُ، ولنُطبقَهُ على حياتِنا.

انطلاقاً من معرفتنا بكاتب وقرّاء الإنجيل، صرنا مستعدين أن نفحص مناسبة الكتابة.

 

المناسبة

سندرس مناسبة كتابة إنجيل لوقا بطريقتين. أولاً، سننظر في تاريخ كتابته. وثانياً، سننظر في قصد لوقا من الكتابة. لنبدأ بتاريخ كتابة إنجيل لوقا.

التاريخ

هناك عاملان على الأقل يشيران إلى تاريخ كتابة لوقا بين عامَي 65 و67م. أولاً قاد التشابه بين إنجيلَي لوقا ومَرقس معظم علماء العهد الجديد إلى الاتفاق على أن لوقا استخدم إنجيل مَرقُس كأحد مصادر بحثه. وفي درس سابق عن مرقس، استننتجنا أن التاريخ الأبكر المرجح لكتابة مرقس هو حوالي عام 64م. فإن كان لوقا استخدم مرقس كمصدر، يكون لوقا قد كتب في وقت ما بعد هذا التاريخ، على الأرجح عام 65م.

ثانياً، يُستنتج من كِتاب الأعمال تاريخ كتابته وهو بالتأكيد ليس أبعد من عام 69م أو 67. ولا يسجّل لنا كتاب الأعمال أحداثاً هامة مثل استشهاد بولس وقد حدث حوالي عام 65م؛ واضطهاد نيرون الذي انتهى عام 68م؛ أو سقوط أورشليم عام 70م. وهذه الأحداث المُغفلة الهامة توحي بأن لوقا كتب الأعمال قبل وقوع هذه الأحداث، أو على الأقل قبل علمه بها. ووفق أعمال ۱: ۱، انتهى إنجيل لوقا قبل أن يكتب لوقا أعمال الرسل. من هنا يبدو مرجحاً جداً أن لوقا أتم إنجيله قبل عام 67م وبشكل شبه مؤكد قبل عام 69م، قبل سقوط أورشليم.

الآن بعد أن نظرنا في التاريخ الذي كتب فيه لوقا، لننتقل إلى قصده من الكتابة.

القصد

في لوقا ۱: ۳-٤، أعطانا لوقا السبب التالي وراء بحثه وكتابته لإنجيله:

رَأَيْتُ أَنَا أَيْضاً إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيق، أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَّوَالِي إِلَيْكَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ ثَاوُفِيلُسُ، لِتَعْرِفَ صِحَّةَ الْكَلاَمِ الَّذِي عُلِّمْتَ بِهِ.

كتب لوقا إلى ثاوفيلس وإلى مسيحيين آخرين مثله من الأمم ليقوّي إيمانهم الحديث بيسوع، مسيح اليهود المنتظر.

عندما كان لوقا يكتب إنجيله واجه المسيحيون من الأمم، أمثال ثاوفيلس، تحديات كبيرة في إيمانهم. وأتت هذه التحديات من مصدرين على الأقل. الأول، أدى اضطهاد نيرون للمسيحيين في روما إلى انتشار الخوف من أن يطال الاضطهاد كل المسيحيين في الإمبراطورية. وقد جعل هذا الخوف بعض المؤمنين يشكّكون بالادعاء المسيحي بأن يسوع قد جاء بملكوت الله.

ثانياً، كان المسيحيون يتجادلون حول منزلة المهتدين من الأمم في الكنيسة ذات الغالبية اليهودية. وأثار هذا التحيّز والانقسام الشكوك حول الادعاء القائل إن يسوع جاء لقدّم الخلاص إلى كل عشائر الشعوب.

ورداً على هذه التحديات والشكوك، كتب لوقا ليؤكد للمؤمنين من الأمم أنهم اتخذوا القرار الصحيح في اتباعهم ليسوع. فقد دشّن يسوع حقاً ملكوت الله. والمسيحيون من الأمم هم أعضاء كاملون في بيت الله. وهم إن بقوا أمناء ليسوع، يمكنهم أن يثقوا بنوالهم كل بركات الخلاص.

الآن وقد فحصنا خلفية إنجيل لوقا، دعونا ننتقل إلى موضوعنا الرئيسي الثاني: بنيته ومحتواه.

 


البنية والمحتوى


 

ذَكَرنا في دروسٍ سابقةٍ في هذه السلسلةِ، أن الأناجيلَ الأربعةَ تناولتْ كلُّها حياةَ يسوعَ بتسلسلٍ زمنيٍّ إلى حدٍّ بعيدٍ. لكن على نطاقٍ أضيقَ، رتَبت تلكَ الأناجيلُ أحياناً قِصَصَها عن يسوعَ وَفْقَ مبادئَ متفاوتةٍ. على سبيلِ المثالِ، رأينا كيف أن متى ومَرقُس رتّبا موادَهما أحياناً وَفْقَ مواضيعَ محدّدةٍ. بينما في المقابلِ، رتبَ لوقا إنجيلَه وَفْقَ المواقعِ الجُغرافيةِ.

من أجل أغراضنا في هذا الدرس، سنقسم إنجيل لوقا إلى ستة أجزاء: مقدمة قصيرة في ۱: ۱-٤، تتبعها خمس مجموعات رئيسية من القصص:

  • التقسيم الرئيسي الأول من الإنجيل يصف بدايات يسوع ويركّز على منطقة اليهودية ونهر الأردن. ويمتد هذا الجزء من ۱: ٥-٤: ۱۳.
  • يروي لنا التقسيم الرئيسي الثاني خدمة يسوع في الجليل وهو يمتد من ٤: ۱٤-٩: ٥۰.
  • يخبرنا التقسيم الثالث الرئيسي عن رحلة يسوع إلى أورشليم وذلك من ٩: ٥۱-۱٩: ۲٧.
  • يروي لنا التقسيم الرابع خدمة يسوع في أورشليم وجوارها من ۱٩: ۲٨-۲۱: ۳٨.
  • أخيراً، يروي لنا التقسيم الخامس والأخير من إنجيل لوقا قصة صلب يسوع وقيامته خارج أورشليم، الموجودة في ۲۲: ۱-۲٤: ٥۳.

بما أنه سبق لنا وتناولنا مقدمة لوقا، سنركّز انتباهنا على التقسيمات الخمس الرئيسية لرواية لوقا بدءاً من بدايات يسوع في لوقا ۱: ٥-٤: ۱۳.

 

بدايات يسوع

يبدأ سجل لوقا لبدايات يسوع قبل وقت قصير من ولادة يسوع، ويغطي حياته كاملة قبل خدمته العامة.

وهَمُّ لوقا الأول في هذه الفصول هو أن يبيّن أن يسوع هو ابن الله وابن داود، جاعلاً إياه إلهاً كاملاً وإنساناً كاملاً. علاوة على ذلك، كابن داود، كان يسوع أيضاً المشيح أو المسيح، الشخص الذي يقدّم الخلاص إلى العالم عن طريق المجيء بملكوت الله إلى الأرض.

في كل هذه الرواية، أشار لوقا باستمرار إلى وعود الله في العهد القديم، لكي يبيّن أن الله كان يحقق تلك الوعود من خلال يسوع. وبالتالي، الطريقة الوحيدة لكي نكون أمناء لله ونرث بركات ملكوته هي من خلال قبول يسوع كملك ومخلّص.

يمكن تقسيم هذه الفصول إلى أربعة أجزاء رئيسية: إعلانان عن ولادة طفلين، يوحنا المعمدان ويسوع؛ ولادتهما وطفولتهما المتشابهتان؛ تَعَرُّف يوحنا إلى يسوع؛ الإثباتان بأن يسوع هو ابن الله. لنبدأ بالإعلانَين عن ولادة طفلَين، في لوقا ۱: ٥-٥٦.

الإعلانات عن الولادة

إنه لأمر له دلالته، أن يبدأ لوقا إنجيله بظهور الملاك جبرائيل. فقبل مئات السنين، أعلن جبرائيل في الفصل 9 من دانيال أن سبي إسرائيل سيستمر لمئات السنين، وسيبقون في العبودية طالما هم تحت دينونة الله. لكن في إنجيل لوقا، أعلن جبرائيل أن زمن الدينونة هو على وشك الانتهاء.

في لوقا ۱: ٥-۲٥، تنبأ جبرائيل عن ولادة يوحنا المعمدان. زار جبرائيل الكاهن زكريا في اليهودية، وأخبره أن زوجته العاقر أليصابات ستلد ابناً بمعجزة. وأنه عليهما أن يسميّاه يوحنا. وأنه سيمتلئ من الروح القدس منذ ولادته، ويخدم بروح النبي العظيم إيليا ليعدّ الطريق أمام خلاص الله. في البداية شكّك زكريا برسالة جبرائيل، لذلك ضُرب بالخرس حتى ولادة ابنه.

ربط لوقا الإعلان عن ولادة يوحنا مع إعلان جبرائيل الأعظم في لوقا ۱: ۲٦-۳٨. فقد أخبر جبرائيل مريم بأن الله سوف يكوّن ابناً في أحشائها بعمل الروح القدس. وابن الله هذا سيُدعى يسوع أي “المخلّص”. وعلاوة على ذلك، سوف يرث عرش جدّه داود، أي أنه سيكون المسيح الموعود، حفيد داود العظيم الذي سيأتي بخلاص ملكوت الله الأبدي إلى الأرض.

ولما كانت مريم نسيبة لأليصابات، قامت بزيارتها في اليهودية لتخبرها بأنها حُبلى. ونقرأ عن هذه الزيارة في لوقا ۱: ۳٩-٥٦. عندما حيّت مريم أليصابات، قفز الجنين يوحنا فرحاً في رحم أمه، وامتلأت أليصابات مباشرة بالروح القدس وفهمت ردّ فعل طفلها. باركت أليصابات مريم ودعت ابن مريم ربها. وردّت عليها مريم بنشيدها الشهير المعروف بـ”نشيد مريم”، في لوقا ۱: ٤٦-٥٥، معبّرة عن فرحتها العظيمة بالخلاص الآتي من خلال طفلها.

بعد الإعلانين عن ولادة الطفلين، قارن لوقا بين ولادتَي يوحنا ويسوع وطفولتَهما في لوقا ۱: ٥٧-۲: ٥۲.

الولادة والطفولة

يمكن أن نجد سجل لوقا عن ولادة يوحنا وطفولته في لوقا ۱: ٥٧-٨۰. وُلد يوحنا من أبوَين متقدمَين في السن. وعندما قدّماه في الهيكل في اليوم الثامن ليُختتن، استعاد أبوه صوته. في ذلك الوقت امتلأ زكريا بالروح القدس وتنبأ بأن ابنه سيعدّ الطريق أمام المسيح الموعود، ابن دواد العظيم.

استمع كيف وصف زكريا دور المسيح الموعود في لوقا ۱: ٦٩-٧٦:

وَأَقَامَ لَنَا الله قَرْنَ خَلاَصٍ فِي بَيْتِ دَاوُدَ فَتَاهُ.‏ كَمَا تَكَلَّمَ بِفَمِ أَنْبِيَائِهِ الْقِدِّيسِينَ الَّذِينَ هُمْ مُنْذُ الدَّهْرِ… ليَذْكُرَ عَهْدَهُ الْمُقَدَّسَ،‏ الْقَسَمَ الَّذِي حَلَفَ لإِبْرَاهِيمَ أَبِينَا … وَأَنْتَ أَيُّهَا الصَّبِيُّ نَبِيَّ الْعَلِيِّ تُدْعَى، لأَنَّكَ تَتَقَدَّمُ أَمَامَ وَجْهِ الرَّبِّ لِتُعِدَّ طُرُقَهُ.

قطع الله في العهد القديم، عهوداً مع إبراهيم وداود، وعد فيها بالخلاص. وقد تنبأ زكريا بأن الله كان على وشك أن يتمّم تلك الوعود، وبأن ابنه يوحنا سيكون النبي الذي سيعدّ الطريق أمام الرب.

ثم في لوقا ۲: ۱-٥۲، يخبرنا لوقا قصة ولادة يسوع وطفولته. هناك الكثير من التشابه بين هذا السجل وما سبق ورواه عن ولادة يوحنا، لكن سجل لوقا عن ولادة يسوع وطفولته أطول بكثير ومفصّل أكثر. ويبدأ هذا السجل بولادة يسوع في مدينة داود، بلدة بيت لحم في اليهودية، ونجده في لوقا ۲: ۱-۲۰.

ولادة يسوع كانت متواضعة جداً. فهو وُلِد في إسطبل ووضع في مزود. لكن إعلان الملائكة الذين أبلغوا الرعاة في الجوار عن ولادته كان مهيباً. استمع إلى ما قاله الملاك للرعاة في لوقا ۲: ۱۰-۱۱:

لاَ تَخَافُوا! فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ.

أعلن الملاك الأخبار السارة أو “الإنجيل” بأن الملك المسيحاني سيخلّص شعب الله من الدينونة.

وما لبث أن انضم إلى هذا الرسول الملائكي جند من الملائكة السماويين الذين كانوا يسبحون الله على ولادة المسيح. وقد أوضح لوقا، أنه بالرغم من ولادة يسوع الوضيعة، فإن ابن مريم كان بالفعل المسيح الملك المختار من الله.

ثانياً، وصف لوقا ختان يسوع وتقديمه في هيكل أورشليم في لوقا ۲: ۲۱-٤۰. حيث ملأ الروح القدس سمعان وأرشده هو والنبيّة حنة، ليعلنا أن يسوع هو المسيح الموعود الذي سيأتي بالخلاص إلى العالم. استمع إلى تسبيح سمعان لله في لوقا ۲: ۳۰-۳۲:

لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ،‏ الَّذِي أَعْدَدْتَهُ قُدَّامَ وَجْهِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ.‏ نُورَ إِعْلاَنٍ لِلأُمَمِ، وَمَجْداً لِشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ.

وقد كان ذلك إتماماً لإشعياء ٤٩: ٦، حيث نطق الله بهذه الكلمات:

قَلِيلٌ أَنْ تَكُونَ لِي عَبْداً لإِقَامَةِ أَسْبَاطِ يَعْقُوبَ، وَرَدِّ مَحْفُوظِي إِسْرَائِيلَ. فَقَدْ جَعَلْتُكَ نُوراً لِلأُمَمِ لِتَكُونَ خَلاَصِي إِلَى أَقْصَى الأَرْضِ.

أعلن الله من خلال سمعان أن يسوع هو المسيح الموعود الذي سيأتي بالخلاص والمجد إلى إسرائيل. بل أكثر من ذلك، هو سيبسط إنجيل ملكوت الله إلى الشعوب الوثنية لينالوا هم أيضاً الخلاص.

أخيراً، عاد لوقا إلى موضوع بنوة يسوع من خلال قصة مختصرة ليسوع في الهيكل في لوقا ۲: ٤۱-٥۲. عندما كان يسوع في الثانية عشر من عمره، رافق أبويه إلى عيد الفصح في أورشليم، لكنه انفصل عنهما في طريق العودة إلى البيت. وقد وجده والداه بعد عدة أيام في ساحات الهيكل يتكلم مع المعلمين. وقد ذُهل الجميع في الهيكل من معرفة يسوع وفهمه. وعندما واجهته أمه مريم، كشف ردّه كم هو مميز. استمع إلى ما قاله يسوع لمريم في لوقا ۲: ٤٩:

أَلَمْ تَعْلَمَا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَكُونَ فِي مَا لأَبِي؟

كان الهيكل بيت أبيه لأن يسوع هو ابن الله.

بعد ولادتَي يوحنا ويسوع وطفولتهما، أخبرنا لوقا عن تعرّف يوحنا إلى يسوع في لوقا ۳: ۱-۲۰.

تعرف يوحنا إلى يسوع

في هذه الرواية، أعدّ يوحنا الطريق لخلاص الله عن طريق تعرفه رسمياً إلى يسوع كالمسيح الموعود. ففي خدمته الكرازية في منطقة نهر الأردن، أعلن يوحنا مجيء ملكوت الله، وحضّ الشعب على التوبة عن خطاياهم، وعمّد أولئك الذين تابوا. لكن عندما جاء إليه يسوع ليعتمد، عرف يوحنا أنه المسيح الموعود، وأعلن صراحة أنه غير مستحق أن يحلّ سيور حذائه. وقد أعلن يوحنا أن يسوع سيُعمِّد بالروح القدس، كما أنبئ عنه في مقاطع من العهد القديم مثل إشعياء ٤٤: ۳ وحزقيال ۳٩: ۲٩. وهذا عنى أن الدهر النهائي في التاريخ قد أتى، أي الزمن الذي فيه سيتحقق خلاص الله بالكامل.

تجدر الإشارة إلى أنه في العهد القديم، في كتاب الخروج في 19، عندما كان الشعب ذاهباً ليلتقي الله ويسمع كلمته أو عندما كان الله سينزل على جبل سيناء، أُمروا بغسل ثيابهم وأُمروا بتطهير أنفسهم. فيبدو أن تطهير النفس كان مهمّاً جدّاً للتحضير لحضور الله أو ظهور الله. وإذا انتبهنا إلى إعلان يوحنا المعمدان، فما قاله في الأساس إن الله سيأتي للدينونة وإن على الناس أن يتحضّروا لمجيئه بالتوبة ثم بالطبع بالمعمودية.

د. ديفيد ريدلينغز

نحن نرى في الأناجيل أن يوحنا كان يعمّد الناس. ثم جاء يسوع إلى يوحنا ليعتمدَ على يده. لمَ فعل ذلك؟ فيوحنا كان يقول: توبوا وتحضّروا للملكوت. هل كان يسوع يحتاج إلى التوبة؟ قطعاً لا. فهو ابن الله الخالي من الخطيّة. ولماذا اعتمدَ إذاً على يد يوحنا؟ من المهم أن ندركَ أن معمودية يوحنا كانت تحضيراً لمجيء الملكوت. كانت دعوة الناس ليتوبوا وليؤمنوا، وهي ليست مثل المعمودية المسيحية إذ هي تعلن عن مجيء الملكوت ووصول الملك. بل تدعوهم للاستعداد لها. فيسوع من خلال مجيئه ليعتمد على يد يوحنا فهو قد جاء ليبدأ خدمته. وفي الأناجيل، تُذكر حادثة المعمودية قبيل بدء خدمة يسوع. فهو وحّد نفسه معنا. ففي متّى، اعتمد يسوع ليكملَ كل برّ وليس لكي يتوب. ليس لأنه خاطئ، بل ليوحّد نفسه مع الناس. فهو سيبدأ خدمته العلنية. وهو يتصرّف كممثلنا في حياته التي سنصل إلى ذروتها في موته وقيامته وصعوده. من هنا، هذا هو سبب مجيئه إلى يوحنا ليعتمد، بمعنى ما، ليدشن خدمته، ليبدأ عمله. يسوع فعل ذلك ليعلن أن ما انتظره يوحنا قد تمّ الآن في شخصه. فهو الشخص الذي أتى بملكوت الله.

د. ستيفين وِلَم

الآن وقد تناولنا تعرُّف يوحنا إلى يسوع، دعونا ننتقل إلى الجزء الرابع والختامي لهذه الرواية: الإثباتات بأن يسوع هو ابن الله من لوقا ۳: ۲۱-٤: ۱۳.

 الإثباتان بأن يسوع هو ابن الله

قدّم لوقا ثلاثة إثباتات مستقلة بأن يسوع هو ابن الله بدءاً من الإثبات الإلهي في لوقا ۳: ۲۱-۲۲. استمع إلى وصف معمودية يسوع في لوقا ۳: ۲۲:

وَنَزَلَ عَلَيْهِ الرُّوحُ الْقُدُسُ بِهَيْئَةٍ جِسْمِيَّةٍ مِثْلِ حَمَامَةٍ. وَكَانَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ قَائِلاً: “أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ، بِكَ سُرِرْتُ”.

عند معمودية يسوع، أكدّ الله نفسه علناً بأن يسوع هو ابنه من خلال الظهور المرئي للروح القدس وصوته من السماء.

ثم قدّم لوقا إثباتاً من سلسلة النسب بأن يسوع هو ابن الله في لوقا ۳: ۲۳-۳٨. مثل متى، تتّبع لوقا سلسلة نسب يسوع من خلال السلالة البارة لداود وإبراهيم. لكن على خلاف متى، وسّع لوقا سجله ليشمل سلسلة نسب الأبرار التي امتدت لتصل إلى آدم. لكي نفهم مغزى سلسلة النسب هذه، استمع كيف تنتهي في لوقا ۳: ۳٨:

بْنِ شِيتِ، بْنِ آدَمَ، ابْنِ اللهِ.

دعا لوقا آدم “ابن الله”، وهو بمعناه غير اللقب الذي أُعطي ليسوع في كل هذه الفصول. فآدم هنا خرج من يد الله مخلوقا على صورته فكان آدم الأول، الملك الخادم لله على الأرض الذي كان يُفترض فيه أن يعمل إرادة الله. في المقابل كان يسوع “آدم الأخير” بحسب بولس في 1 كورنثوس ۱٥: ٤٥ الذي هو ابن الله العظيم الذي نجح حيث فشل آدم، وبذلك منح الخلاص إلى جميع الذين تأثروا بسقوط آدم في الخطيّة، أي الجنس البشري بكامله.

الإثبات الأخير ليسوع أنه ابن الله كان إثباتاً شخصياً من يسوع نفسه في لوقا ٤: ۱-۱۳. فيما يلي واقعة تجربة يسوع في البريّة. وكما دوّن لوقا في ٤: ۱ ملأ الروح القدس يسوع وقاده إلى البريّة حيث جرّبه الشيطان. وقد جرّب الشيطان يسوع ليحوّل الحجارة إلى خبز، ولينال سلطاناً من الشيطان على كل الشعوب، وليرمي نفسه من أعلى الهيكل. وقد استهل الشيطان تجربتَين من هذه التجارب بعبارة “إن كنت ابن الله”. وفي ردّه على الشيطان، رفض يسوع بشدة تجاربه الثلاث جميعها، بل اقتبس مقاطعَ من العهد القديم وصف فيها ما يمكن لابن أمين لله أن يفعله.

اقتبس يسوع من الكتاب المقدّس عندما واجهه الشيطان في البرية لعدة أسباب. أولاً، جزءٌ مما يقوم به كتّاب الإنجيل هو إظهار يسوع على أنه حقاً ابن الله. فأحد أسباب اقتباسه من الكتاب المقدس يعود إلى علاقته بالله من خلال العهد. فهو يلجأ إلى الكتاب المقدس ويقتبس من تلك العبارة حول علاقة العهد ليبقي الأمور في ترتيبها الصحيح، ليحافظ على الموقف السليم لسلطانه بعلاقته بالله الآب، وليُظهر سلطان الشيطان المحدود أيضاً. فيقول إنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله. وذلك ليذّكر نفسه بأولوية علاقة العهد تلك، وهذا ساعده في مقاومة تجارب الشيطان. فنراه يقتبس من مقطع معيّن من الكتاب المقدس، وبالتحديد من كتاب التثنية ٦-٨ حيث كان موسى يتكلّم عن اختبار شعب الله في البرية، وكيف امتحن اختبار البرية ذاك ما كان في قلوب شعب الخروج وكيف كانت نواياهم. ونرى أن حدثاً مماثلاً يحصل هنا في امتحان بنوية يسوع. وحيث فشل الشعب، نجح يسوع؛ فشل الشعب ونجاح يسوع. فنرى هنا إذاً نوعاً من المقابلة بين شعب العهد القديم في ما يرويه كتّاب الإنجيل، وبين يسوع في قصة هذه التجربة.

د. غريغ بيري

بسبب اتباع لوقا سلسلة نسب يسوع التي تنتهي بآدم كابن الله، لا بد من النظر إلى تدوين لوقا لتجربة يسوع بالتباين مع تجربة آدم في تكوين ۳. في تلك الواقعة، جرّب إبليس آدم في جنة عدن. وعندما أخطأ آدم، لعن الله الخليقة وطرح كل البشرية في البريّة. في المقابل، قاوم يسوع التجربة في البريّة، وهكذا أثبت أنه حقاً ابن الله الأمين الذي سيعيد شعب الله الأمين إلى الفردوس.

بعد بدايات يسوع في اليهودية ومنطقة الأردن، يخبرنا الجزء الرئيسي التالي في إنجيل لوقا عن خدمة يسوع في الجليل. هذا الجزء يمتد من ٤: ۱٤-٩: ٥۰.

 

خدمة يسوع في الجليل

يروي لنا لوقا في هذا الجزء من الإنجيل أمثلة عديدة عن قدرة يسوع الخارقة وكرازته بالإنجيل لكي يبرهن أن يسوع كان المخلّص الممسوح بالروح القدس الذي وعد به العهد القديم.

يمكن تقسيم رواية لوقا التي تتحدث عن خدمة يسوع في الجليل إلى خمسة أقسام: أولاً، موعظة يسوع في الناصرة؛ ثانياً، تعليمه ومعجزاته؛ ثالثاً، التمييز بين دورَي يسوع ويوحنا المعمدان؛ رابعاً، المزيد من تعليم يسوع ومعجزاته؛ وخامساً، إعداد يسوع الرسل الاثني عشر للخدمة. سنبحث في كل من هذه الأجزاء، بدءاً بموعظة يسوع الأولى في الناصرة في لوقا ٤: ۱٤-۳۰.

موعظة يسوع في الناصرة

تشدّد الأناجيل الثلاثة المتشابهة النظرة جميعها على أعمال يسوع الخارقة وكرازته بالإنجيل أثناء خدمة يسوع في الجليل. لكن عرض لوقا يختلف عن الأناجيل الأخرى لأنه استهل هذه المرحلة من خدمة يسوع بعظته الأولى في موطنه الناصرة. وقد أخبرنا لوقا أن يسوع كان في المجمع يوم السبت، وأنه قُدّم له كتاب إشَعياء. وهكذا قرأ إشَعياء ٦۱: ۱-۲، ثم قام بإعلان مذهل. استمع إلى ما قرأه يسوع وقاله في لوقا ٤: ۱٨-۲۱:

رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ،‏ وَأَكْرِزَ بِسَنَةِ الرَّبِّ الْمَقْبُولَةِ … إِنَّهُ الْيَوْمَ قَدْ تَمَّ هذَا الْمَكْتُوبُ فِي مَسَامِعِكُمْ.

 

عندما قال يسوع إن المكتوب تمَّ في مسامع الشعب، كان يعني أن ما أشار إليه العهد القديم في هذا النص يتم تحقيقه في الوقت الحاضر به. وفي قول يسوع لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ” صدى لفحوى اليوبيل، أي أنه كان على بني إسرائيل في العهد القديم كل 50 سنة إعفاء الناس من ديونهم والسماح لهم بالعودة إلى أرض أجدادهم وعشيرتهم، إلى الأرض التي كانت من نصيب عائلاتهم في زمن موسى ويشوع. وإن نظرنا إلى الخروج كحدث الفداء الكبير في العهد القديم، علينا أن نفهم أيضاً أن اليوبيل كان تدبيراً هاماً من الله لردّ الشعب. فطالما نحن نعيش في عالم ساقط، فالفداء يخلّصنا والردّ هو جزء من فداء الله. ولهذا السبب، بادر يسوع إلى إظهار علامات اليوبيل لكي يحرّر الشعب من وصمة العار الاجتماعية وليحرّرهم من وصمة التمييز الاجتماعي وبالتالي ردّهم إلى حضن الله، إلى الله خالقهم وأبيهم.

د. مايكل غلودو

تنبأَ إشَعْياءُ أن مجيءَ ملكوتِ اللهِ سيؤدي إلى خلاصِ كلِّ شعبِ اللهِ الأُمناءِ. وقد أعلنَ يسوعُ أن ذلكَ اليومَ قد أتى. وهذا الاقتباسُ يعكِسُ النموذجَ الأساسيَ لفَهمِ خِدمةِ يسوعَ بكاملِها: كان يسوعُ، المسيح المنتظر، المخلّص الذي تنبأ عنه العهدُ القديمُ، الذي سيُعلِنُ مَلكوتَ اللهِ على الأرضِ بتقديمِ الخلاصِ لشعبِه.

بعد أن أخبرنا عن موعظة يسوع في الناصرة، قدّم لنا لوقا أمثلة عديدة عن تعليم يسوع ومعجزاته الخارقة في إنجيله ٤: ۳۱-٧: ۱٧.

تعليمه ومعجزاته

برهن لوقا في هذا الجزء، أن يسوع هو حقاً المسيح الموعود من خلال إتمامه نبوة إشعياء ٦۱: ۱-۲. فقد حرّر إنساناً من روح شرير في لوقا ٤: ۳۱-۳٦. كما شفى عدداً كبيراً من الناس الآخرين في ٤: ۳٨-٤۲. ودعا التلاميذ بطرس ويعقوب ويوحنا لاتِّباعه في ٥: ۱-۱۱.

ونجد نمطاً مشابهاً في الأعداد التي تلت، حيث يذكر شفاء الأبرص في ٥: ۱۲-۱٥، والمفلوج في ٥: ۱٧-۲٦، ثم دعوة التلميذ لاوي أو متى في ٥: ۲٧-۳۲.

والنمط ذاته يتكرر أيضاً في الأعداد التالية. لكن بدل أعمال الشفاء، يدوّن لنا لوقا تعاليم يسوع. في ٥: ۳۳-۳٩، علّم يسوع أن حضوره كالعريس بين تلاميذه ينبغي أن يُنهي الصوم ويجلب الفرح. في ٦: ۱-۱۱، علّم يسوع أن السبت هو للشفاء ولخلاص النفوس. وفي ٦: ۱۲-۱٦، اختار اثني عشر من تلاميذه الكثيرين ليكونوا رسله المميّزين، وبهذا قام بتأسيس نظام جديد في إسرائيل يمكنه الوصول إلى كل الشعوب.

ومن خلال هذه المعجزات والتعاليم، برهن يسوع أنه كان حقاً المسيح الذي أنبأ عنه إشعياء، لأنه جلب إحسان الله بمناداته بالحرية، والشفاء والتحرير من الظلم.

بعد ذلك يدوّن لنا لوقا موعظة طويلة نوعاً ما، ألقاها يسوع واستغرقت ٦: ۱٧-٤٩. يشار إلى هذه الموعظة غالباً بموعظة يسوع في السهل، وتشبه من عدة جوانب موعظته على الجبل في متى والفصول ٥-٧.

إن أحد أوجه التمايز أنه في متى ٥-٧ نقرأ عن الموعظة أن يسوع ألقاها على الجبل. أما في لوقا، يسوع ألقى الموعظة في السهل. وهذا ما أثار جدلاً لم ينتهِ بعد. هل هما حدث واحد أم أنهما حدثان منفصلان؟ هنا علينا أن نُشير إلى أمرين. أولاً، نعرف أننا أمام خلاصة صغيرة لما قاله يسوع في تلك المناسبة. فنحن نقرأ متى ٥-٧ بحوالي أربعين دقيقة، بينما تكلم يسوع لساعات وساعات ولا يمكن اختصار كلامه بشكل كامل. فهي إذاً، مقتطفات. ولكن، هل هي نفسها؟ نعم، على الأرجح. أما الأمر الثاني فهو أننا إن كنا نعرف جغرافيّة تلك المنطقة وهي رائعة، فهناك هضاب مباشرة خلف كفرناحوم. من هنا يمكنك أن تنظر إلى تلك الهضاب وتقول إن يسوع كان جالساً والناس كانوا على هضبة. ولكن، من منظار آخر، المكان هو عبارة عن منحدر من الصخر البركاني الذي ينحدر من علو ثلاثة آلاف قدم نزولاً إلى سطح البحر. ومن بعيد ترى الكثير مما يعتبر سهولاً. فالناس على منحدر، وفي الوقت نفسه على تل. فالوصفان صحيحان تماماً. وبالتالي يسوع في الموعظة على الجبل جالس على جبل، وفي الموعظة في السهل جلس على أرض مستوية. وأظنّ أنّ لوقا أراد أن يعطينا الانطباع أن يسوع في متناولنا، فيصفه في السهل، فهو معنا. أما متّى، فيريدنا أن نرى يسوع بسلطانه تماماً مثل موسى على جبل سيناء. وأعتقد أن الإجابتين صحيحتان.

د. بيتر واكر

في الموعظةِ عند السهلِ، شدّد يسوعُ على الانقلابِ العظيمِ ذاتِه الذي تنبأَ عنه إشَعياء. فالفقراءُ سيَتباركونَ والجِياعُ سيُشبَعون. والذين يَبكون الآنَ سيضحكون وسيبارِكُ اللهُ البائسينَ. لكنّ البشارةَ ذهبت خُطوَةً أبعد. فقد دعا يسوعُ أولئِك المُبارَكين ليتبعوه ويعيشوا على مُستوى مَعاييرِ ملكوتِ اللهِ وقيَمهِ، وهي غالباً تكونُ مُختلفةً تماماً عن المعاييرِ الأرضِيةِ. فهو على سبيلِ المِثالِ، دعاهُم ليُحبوا الغُرباءَ وحتى أعداءَهم، على نقيضِ القيمِ الدنيويةِ التي تطلبُ منا أن نحترسَ من الغُرَباءِ وأن نكرهَ الأعداءَ. من هنا، رسالةُ الملكوتِ لا تُعنى بالبركاتِ فقط بل أيضاً بالمسؤوليةِ الأخلاقيةِ.

بعد الموعظة في السهل، ختم لوقا هذا الجزء ببراهين إضافية على أن يسوع هو التحقيق لنبوة إشعياء. فقد شفى يسوع خادم ضابط روماني في لوقا ٧: ۱-۱۰. وفي ٧: ۱۱-۱٦ أقام من الموت ابن أرملة نايين.

ثم يتابع لوقا تدوين خدمة يسوع في الجليل، فيروي مجموعة من الأحداث تدور حول يوحنا المعمدان في ٧: ۱٨-٥۰.

يوحنا المعمدان

ثم بعد أن وُضِع في السجن، أرسَل يوحنا المعمدان إلى يسوع اثنين من تلاميذه ليسألاه إن كان حقاً هو المسيح الموعود. فأجاب يسوع بأن أعماله تشهد له. فمعجزاته وتعاليمه تتمم بوضوح نبوات إشَعياء ٦۱: ۱-۲، وبالتالي تبرهن أن يسوع هو حقاً المسيح الموعود. استمع إلى ما قاله يسوع لمن أرسلَهما يوحنا في لوقا ٧: ۲۲:

اذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بِمَا رَأَيْتُمَا وَسَمِعْتُمَا إِنَّ الْعُمْيَ يُبْصِرُونَ وَالْعُرْجَ يَمْشُونَ وَالْبُرْصَ يُطَهَّرُونَ وَالصُّمَّ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ وَالْمَسَاكِينَ يُبَشَّرُونَ.

أكمل يسوع قوله بتأكيده على أن يوحنا هو أعظم الأنبياء. لكن حتى يوحنا لا يصل إلى مقياس الأصغر في ملكوت الله. وقد أكد لوقا على هذه النقطة في ٧: ٤٧-٥۰ بشرحه كيف غفر يسوع فعلياً خطيّة المرأة الخاطئة التي غسلت رجلَيه. فقد عمّد يوحنا الناس كمناشدة من الله لهم للتوبة، لكن يسوع جعل الملكوت اختباراً حاضراً بين الناس عن طريق الغفران للخطاة، والشفاء للمرضى والكرازة بالإنجيل للمساكين.

بعد القصص التي تدور حول يوحنا. يخبرنا لوقا المزيد عن تعاليم يسوع ومعجزاته في لوقا ٨: ۱-٥٦.

التعاليم والمعجزات

في هذه التعاليم والمعجزات الإضافية، ركّز يسوع على أخبار الملكوت السارة. ففي مثل الزارع في لوقا ٨: ۱-۱٥ ومثل السراج في لوقا ٨: ۱٦-۱٨، وصف يسوع أهمية التجاوب مع رسالة الملكوت بإيمان وطاعة. وقد كرّر يسوع هذا الموضوع في لوقا ٨: ۱٩-۲۱، عندما قال إن أفراد عائلته الحقيقيين هم أولئك الذين يسمعون كلام الله ويطيعونه.

ثم يخبرنا لوقا في ٨: ۲۲-٥٦، عن عدة معجزات تؤكد وتبرهن الخلاص الذي أتى به يسوع: هدأ يسوع العاصفة وأخرج الروح النجس وشفى المرأة المريضة وأقام الفتاة من الموت.

أخيراً، ختم لوقا كلامه عن خدمة يسوع في الجليل بإخبارنا عن إعداد يسوع الرسل الاثني عشر للخدمة في ٩: ۱-٥۰.

إعداد يسوع الرسل الاثني عشر

أولاً، في لوقا ٩: ۱-٩، أرسل يسوع رسله الاثني عشر ليشفوا الناس ويكرزوا بالإنجيل. هؤلاء هم أنفسهم الذين أفرزهم في لوقا ٦. ثم برهن عن قدرته بإشباعه 5000 إنسان في ٩: ۱۰-۱٧، معلماً رسله أن يثقوا بسلطانه وبسدّه لاحتياجاتهم. وهذه الأعمال الإعدادية وصلت إلى ذروتها في لوقا ٩: ۱٨-۲٧، حين اعترف الرسل بأن يسوع هو المسيح الذي طال انتظاره.

وقد ختم لوقا هذا الجزء بعدة أحداث تؤكد استمرار يسوع بإعداد تلاميذه للخدمة، لا سيما الخدمة التي سيقومون بها بعد صعوده إلى السماء. فعلى جبل التجلي تغيّرت هيئته أمام بطرس ويعقوب ويوحنا في ٩: ۲٨-۳٦، وتكلم الآب من السماء ليعزّز التزامهم بيسوع. ثم قام يسوع بعملية طرد أرواح شريرة صعبة جداً في ٩: ۳٧-٤٥، وعلّم عن العَظَمة في الملكوت في ٩: ٤٦-٥۰. وفي كل هذه المواضع، أعدّ يسوع تلاميذه ليقرّوا بسلطانه، ويعتمدوا على قدرته، ويخدموا بتواضع باسمه، حتى يكونوا قادة فعّالين لملكوته على الأرض.

بعد خدمة يسوع في الجليل، يصف الجزء الرابع الرئيسي لإنجيل لوقا رحلة يسوع إلى أورشليم. ويمتد هذا القسم من لوقا ٩: ٥۱-۱٩: ۲٧.

 

رحلة يسوع إلى أورشليم

أشار لوقا إلى تصميم يسوع على الذهاب إلى أورشليم خمس مرات في هذا الجزء، في ٩: ٥۱، في ۱۳: ۲۲، في ۱٧: ۱۱، في ۱٨: ۳۱، وفي ۱٩: ۲٨. كمثال واحد استمع إلى لوقا ۱٨: ۳۱-۳۲:

وَأَخَذَ الاثْنَيْ عَشَرَ وَقَالَ لَهُمْ:”هَا نَحْنُ صَاعِدُونَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَسَيَتِمُّ كُلُّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ بِالأَنْبِيَاءِ عَنِ ابْنِ الإِنْسَانِ،‏ لأَنَّهُ يُسَلَّمُ إِلَى الأُمَمِ، وَيُسْتَهْزَأُ بِهِ، وَيُشْتَمُ وَيُتْفَلُ عَلَيْهِ،‏ وَيَجْلِدُونَهُ، وَيَقْتُلُونَهُ”.

أوضح لوقا، من خلال مقاطع مماثلة، أن يسوع كان ملتزماً بخطة الله لخلاص شعبه، حتى وإن اقتضى به الأمر أن يموت في أورشليم.

سنقسم بحث لوقا حول رحلة يسوع إلى أورشليم إلى أربعة أقسام رئيسية: الأول، تعاليم يسوع عن طبيعة التلمذة. الثاني، تقارير لوقا عن الصراع المتزايد بين يسوع وخصومه. والثالث، تعاليم يسوع عن كلفة التلمذة. أما الرابع فهو عن التزام يسوع بخطة الله لخلاص البشر. لنبدأ بطبيعة التلمذة من لوقا ٩: ٥۱-۱۱: ۱۳.

طبيعة التلمذة

إن التزام يسوع ببناء ملكوت الله وخلاص شعبه دفعه لكي يختار رسله ويدرب الممّيزين على القيادة الخادمة في الملكوت. وقد قام في لوقا ٩: ٥۱-۱۰: ۲٤ بتعليمهم كيف يبشّرون، وحذّرهم من أن حياتهم ستكون كفاحاً صعباً، ولكن الروح القدس سيشددهم. ثم بعد هذا الإعداد، أرسلهم ليكرزوا بالإنجيل في المدن التي كان ينوي زيارتها.

بعد ذلك، في لوقا ۱۰: ۲٥-۱۱: ۱۳، قدّم يسوع لتلاميذه رؤية عالمية واسعة من خلال تعليمهم عن ثلاثة مواضيع تتعلق بالتلمذة: محبة القريب، محبة الله، والصلاة.

بدأ يسوع في لوقا ۱۰: ۲٧ عن طريق إيجاز تعليمه عن المحبة بهذه الطريقة:

فَأَجَابَ وَقَالَ: “تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَقَرِيبَكَ مِثْلَ نَفْسِكَ”.

هنا، اقتبس يسوع من تثنية ٦: ٥ ولاويين ۱٩: ۱٨ ليشرح أن شريعة العهد القديم بكاملها تعلّمنا كيف نحب الله والقريب.

أما الفقرتان التاليتان فتصوّران قسمَي شريعة المحبة هذه. فمثل “السامري الصالح” في لوقا ۱۰: ۲٩-۳٧، يصوّر لنا كيف يجب أن يحب الإنسانُ الغريبَ كالقريب. ففي هذه القصة المشهورة أظهر السامري محبة كاملة نحو يهودي جريح على الرغم من وجود علاقات متوترة بين الشعبَين. بعد ذلك، في ۱۰: ۳٨-٤۲، قدّم لنا لوقا لقاء يسوع مع مريم نموذجاً للطريقة التي يجب أن نحب بها الله بجعله على رأس الأولويات في حياتنا وعن طريق الإصغاء إليه بطاعة.

أخيراً، نجد تعليم يسوع عن الصلاة في لوقا ۱۱: ۱-۱۳، حيث ختم يسوع كلامه إلى رسله بتعليمهم أن يصلوا بصدق وثبات من أجل الحصول على هبات الله وبركات ملكوته.

الصلاة مهمة جدّاً للمؤمن. فقد كانت جزءاً مهمّاً من حياة يسوع ونرى أهميتها في مثال حياته. فكلّما كان ضغط العمل على يسوع أشدّ، كلّما كان يصلّي أكثر، وفي وقت الراحة كان يطلب قوة الله. كان يسوع يدرك أنه يحتاج إلى الشركة مع أبيه باستمرار ليتجدّد روحيّاً. فقد قضى الليل كله في الصلاة قبل اختيار تلاميذه عالماً أن أحدهم سيخونه. في الواقع، عندما اختار تلاميذه كان يتطلّع إلى الصليب. وهذا جزء من سبب تمضيته الليل كلّه وهو يصلّي قبل قيادة هذه الخدمة العظيمة. وحياة الصلاة عند يسوع هي مثال لنا. ولاحقاً، عندما أتى التلاميذ فرحين بعد أن قاموا بأعمال عجيبة، عظّم يسوع الآب قائلاً: “أَحْمَدُكَ أَيُّهَا الآبُ، رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، لأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هذِهِ عَنِ الْحُكَمَاءِ وَالْفُهَمَاءِ وَأَعْلَنْتَهَا لِلأَطْفَالِ”. مجّد يسوع الآب، وهذا ما يجب علينا أن نفعله نحن أيضاً. وإذا كان يسوع بحاجة إلى أن يصلّي ويحمد الله، فكم بالحري نحن؟ فقبل القبض عليه، صلّى بصدقٍ في بستان جَثْسَيْمَانِي قائلاً أخيراً: “يَا أَبَتَاهُ، إِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَعْبُرَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ إِلاَّ أَنْ أَشْرَبَهَا، فَلْتَكُنْ مَشِيئَتُكَ”. نرى أن يسوع كان خاضعاً كلّياً للآب. كان يسوع يصّلي بفعل علاقته مع الآب وأراد أن يتمّم خطة خلاص البشرية. ويعّلمنا هذا المثال أن الصلاة والخضوع لإرادة الآب أساسيّان في حياتنا كأولادٍ لله.

د. بيتر تشو

إن السبب الرئيسي الذي يدعو المؤمنين إلى الصلاة هو أننا كلّما نصلي نعبّر عن إيماننا بيسوع المسيح وراحتنا في الإنجيل. والسبب الوحيد الذي يمكّننا من الصلاة هو موت يسوع من أجل خطايانا؛ ومنحه إيّانا حقّ المثول أمام عرش الله. نستطيع الآن أن نتقدّم بثقة إلى عرش النعمة بالصلاة لأن يسوع شقّ لنا طريقاً لنصل إلى هناك. إذاً، السبب الأول للصلاة هو عيش الإنجيل. أما السبب الثاني، فهو لأن الصلاة تعبير مستمرٌّ عن اعتمادنا على الله في كلّ أمر. فنأتي إليه كالآب الذي يحب أن يباركَ أولاده، طالبين منه الخبز اليومي. ولكنها أيضاً طريقة نعبد الله من خلالها، فنجلّه ونوقره ونتواصل معه. وهناك حقيقة يتحدث عنها الكتاب المقدس، وهي حالة الصلاة الدائمة عندما نعيش كل يوم شاعرين بحضور الله ومدركين أن له قيمة كبيرة في حياتنا.

د. إيريك ثيونيس

اعتبر جون ويسلي الصلاة الوسيلة الجوهرية للاقتراب من الله وواسطة النعمة الرئيسية. وفي الواقع، إن قراءة الكتاب المقدّس والصلاة هما الممارستان الروحيّتان الأساسيّتان. وأظن أن أهمية الصلاة تكمن في العلاقة السامية التي تنشئها مع الله والتي تشكّل ركن المسيحية. فعندما نصلّي، نتكلّم مع الله ونصغي إلى ما يريد أن يقوله لنا ومن ثم نستجيب لما نسمعُه. وهذه هي قاعدة العلاقة، وهذا فعلاً ما يريد الله منا، أي أن تكون لنا علاقة به. إذا عدنا إلى كتاب التكوين، نرَ الله يتمشّى في جنة عدن طالباً آدم وحوّاء للتواصل معهما. الترنيمة القديمة تقول: نمشي معاً، نحكي معاً، كأفضل الرفاق”. هذا هو هدف المسيحية من الصلاة، وهو العلاقة بيننا وبين الله.

د. ستيف هاربر

بعد تعليم يسوع عن طبيعة التلمذة، شدّد لوقا على الصراع المتزايد بين يسوع والقادة اليهود في لوقا ۱۱: ۱٤-۱٥: ۳۲.

الصراع المتزايد

خلال هذا القسم من الرحلة، أثار يسوع عمداً عداوة القيادة اليهودية لثلاثة أسباب على الأقل: أولاً، أراد أن يوبخهم على قيادتهم الضعيفة لشعب الله. ثانياً، أراد أن يدعو الناس إلى ملكوته. وثالثاً، أرادهم أن يصلبوه في أورشليم، لكي يقدّم نفسه كفّارة خلاصية عن خطايا شعبه، ويُكافأ بملكه عليهم.

على سبيل المثال، في لوقا ۱۱: ۱٤-۲٨، ادعى اليهود أن يسوع هو رئيس الشياطين. وردّ يسوع في ۲٩-٥۳ بإدانة شرهم والنطق بالويلات عليهم.

في لوقا ۱۲: ۱-۳، حذّر يسوع الجموع من أن يكونوا مرائين مثل الفريسيين. في الأعداد ٤-۲۱، هاجم ممارسات المجامع والرؤساء والسلطات اليهودية. في الأعداد ۲۲-۳۲، شدّد على أن الله سيسد احتياجات كل شخص يسعى وراء ملكوت الله، بحيث لا يحتاج أن يسعى وراء الغنى الأرضي مثل القادة اليهود. وفي الأعداد ۳۳-٥٩، حذّر يسوع أتباعه من أنهم سيدخلون حتماً في صراع مع أولئك الذين لا يقبلون ملكوت الله.

في لوقا ۱۳: ۱-٩، استمر يسوع في إثارة عداوة القيادة اليهودية بدعوته جميع إسرائيل للتوبة عن خطاياهم. ثم في ۱۰-۱٧، زاد الصراع بشفائه امرأة منحنية في يوم سبت، ما أغضب رئيس المجمع كثيراً. وفي الأعداد ۱٨-۳۰، علّم يسوع أن ملكوت الله لن يدخله كثيرون ممن يظنون أنهم سيفعلون، وبذلك أدان التيار الرئيسي للقادة اليهود وأتباعهم. وأخيراً، في الأعداد ۳۱-۳٥، يخبرنا لوقا أن التوتر كان يتصاعد بين يسوع والملك اليهودي هيرودس الذي بات الآن يخطط لقتله.

في لوقا ۱٤، تمادى يسوع في استفزازه للقيادة اليهودية. ففي الأعداد ۱-۲٤، شفى رجلاً يوم السبت، ثم انتقد القيم الدنيوية للقادة اليهود، ملمّحاً إلى أن لا أحد منهم سيدخل ملكوت الله. ثم في الأعداد ۲٥-۳٤، حذّر يسوع أتباعه من أنهم قد يخسرون كل شيء في هذه الحياة نتيجة للصراع الذي سيواجهونه مع أولئك الذين يعارضونهم.

بعد المقدمة في 15: 1–2، أشعل يسوع الصراع مجدداً مع القادة اليهود من خلال أمثاله عن الأشياء الضائعة: الخروف الضال، والدرهم المفقود والابن الضال. في كل من هذه القصص دعا يسوع شعبه إلى رفض موقف الفريسيين ومعلميّ الشريعة السلبي من الخطاة، ودعاهم أن يفرحوا عندما يجد الله أولاده بين الخطاة الضالين ويردّهم إليه.

بعد أن أخبرنا لوقا بتعاليم يسوع عن طبيعة التلمذة وعن صراعه المتزايد مع القادة اليهود، ركّز لوقا في تدوينه لرحلة يسوع إلى أورشليم على كلفة التلمذة من لوقا ۱٦: ۱-۱٨: ۳۰.

كلفة التلمذة

أراد يسوع أن يفهم أتباعه أن حياتهم في ملكوته يجب أن تتشابه مع حياته. فهم سيُضطهدون من قبل القادة الدنيويين، وسوف يصارعون ليبقوا أمناء لله. علّم يسوع في ۱٦: ۱-۱٧: ۱۰، أن التلمذة تتضمن اعتبار كل ما هو لنا كمُلك لله، فقد ائتُمِنا عليه كوكلاء لله، لكي نستخدمه كلياً من أجل مقاصده. وقد حذّر أيضاً من أن البركات الأرضية يمكن أن تكون حجر عثرة، بل يمكن أن تمنع الغني من أن يتعرّف على الإنجيل الحقيقي ويقبله. أخيراً، شجّع على الإيمان والتوبة، مؤكداً لنا أنه مهما فعلنا من خير، لا يمكن أن نفعل أكثر مما يطلبه الله منا.

في ۱٧: ۱۱-۱٨: ٨، ركّز يسوع على الدينونة النهائية لهذا العالم. فالأشياء الجيدة التي ننالها في هذه الحياة، بما فيها الصحة والممتلكات والعدالة، يجب أن تجعلنا نرى صلاح الله، ويجب أن نصلي لكي يباركنا الله بهذه الأشياء في هذه الحياة. لكنه مقدّر لهذه الأمور أن تزول عند الدينونة الأخيرة. فالغنى الحقيقي والصحة والعدالة ننالها فقط كمكافآت في ملكوت الله الأبدي، وهناك يكمن رجاؤنا.

وتماشياً مع هذه الأفكار، أنهى يسوع هذا الجزء في لوقا ۱٨: ٩-۳۰ عن طريق التشديد على الحاجة إلى التواضع، لأن الودعاء وحدهم يمكنهم أن ينالوا غفران الله وبركته ويرثوا الحياة الأبدية.

ختم لوقا ما كتبه عن رحلة يسوع إلى أورشليم بالتشديد على التزامه بخطة الله ليخلّص شعبه، وذلك في لوقا ۱٨: ۳۱-۱٩: ۲٧.

التزام يسوع

الطريقة الأولى التي من خلالها أظهر يسوع التزامه بخطة الله، كانت بإنبائه بموته في لوقا ۱٨: ۳۱-۳٤. وقد علّم يسوع أنه يجب أن يموت ليخلّص شعبه، وقد صمّم أن يتبع خطة أبيه.

بعد ذلك، برهن يسوع التزامه بخطة الله للخلاص بمباركة الشعب الذي جاء ليخلّصه، مثل الأعمى الذي شفاه في لوقا ۱٨: ۳٥-٤۳، وزكا جابي الضرائب الذي دعاه لاتِّباعه في لوقا ۱٩: ۱-۱۰. هذان كانا مرفوضيَن عادة من المجتمع. ولكن انسجاماً مع الوعود في إشعياء 61: 1–2، سينالا ميراثاً كبيراً في ملكوت الله. وكما قال يسوع عن زكا في لوقا ۱٩: ٩-۱۰:

فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: “الْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهذَا الْبَيْتِ، إِذْ هُوَ أَيْضاً ابْنُ إِبْرَاهِيمَ. لأنّ ابن الإنسان قد جاء لكي يصلب ويخلّص ما قد هلك”.

أخيراً، في لوقا ۱٩: ۱۱-۲٧، أخبر يسوع مثلَ عبيد الملك الذين ائتمنهم على ماله أثناء سفره. وهذا المثل يبرهن أنه إن أردنا إرثاً في ملكوت الله، يجب أن نكون ملتزمين بخطة الله تماماً مثل يسوع.

بعد وصفه رحلة يسوع إلى أورشليم، أخبرنا لوقا عن خدمة يسوع في أورشليم. هذا هو الجزء الخامس الرئيسي لإنجيل لوقا، وهو يمتد من ۱٩: ۲٨-۲۱: ۳٨.

خدمة يسوع في أورشليم وجوارها

يبدأ لوقا كلامه عن خدمة يسوع في أورشليم في ۱٩: ۲٨-٤٤، مع دخول يسوع أورشليم واستقبال الجموع له بالهتافات والتسابيح.

بعد دخوله إلى المدينة، طهّر يسوع الهيكل بطرده التجّار منه. يظهر هذا الحدث في لوقا ۱٩: ٤٥-٤٦. وهكذا أدان يسوع الممارسات الملتوية التي أفسدت العبادة اليهودية والحياة الدينية، وبالتالي أهان يسوع بعمله هذا القيادة اليهودية إلى حد بعيد.

نحن بحاجة إلى الخلفية التاريخية للعهد القديم لنفهم حدث تطهير الهيكل، كما نحتاج إلى أن نفهم تعاليم عدّة في العهد الجديد. علينا أن نرجع لكتاب الملوك الأول ٨ الذي يدوّن لنا تكريس الهيكل. كان الهيكل قيد الإنشاء لسنوات عدّة وعندما انتهى، جاء الملك سليمان وبنو إسرئيل ليكرّسوه. وصلّى الملك قائلا:ً “إسْمَعْ تَضَرُّعَ عَبْدِكَ وَشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ فِي هذَا الْمَوْضِع وَاسْمَعْ أَنْتَ فِي مَوْضِعِ سُكْنَاكَ فِي السَّمَاءِ وَإِذَا سَمِعْتَ فَاغْفِرْ”. إضافةً إلى ذلك، صلّى الملك سليمان أيضاً حتى عندما يسمع الغرباء عن اسم الله العظيم ويأتون من أماكن بعيدة ليصلوا في الهيكل، يسمع الله صلاتهم حتى يعرف جميع سكّان الأرض اسم الله ويخافوه ويعرفوا أن الهيكل بُنِي لاسم الله وحده. وهكذا في زمن يسوع، عندما حوّلت السلطات الدينية الهيكل إلى مغارة لصوص، أهانوا اسم الله لأن الهيكل بُنيَ على اسمه. علاوةً على ذلك، كان تطهير يسوع للهيكل معناً رمزيّاً. فالهيكل أشار إلى يسوع نفسه فهو الهيكل الحقيقي والنهائي. فهو يجسّد الهيكل الواحد لجميع الشعوب التي تأتي لتصلّي، إذ تصلي إلى الآب باسمه، باسم يسوع. من هنا، إن كنا نفهم مبدأ الهيكل من العهد القديم، نرَ أهمية تطهير الهيكل وعلاقته بملكوت الله الآتي.

د. بيتر تشو

إنّ أكثر ما أثار غضب يسوع هو أن المكان الذي يمكن للأمم أن يقصدوه للمثول في حضرة خالق الكون لم يعد متاحاً لهم، إذ إنّ الأمم لا يمكنهم أن يدخلوا إلى المكان الداخلي للهيكل المخصص لشعب الله، ولكن الدار الخارجية لهم. فهم يمكنهم أن يأتوا ويصلّوا هناك، أي في الدار الخارجية. وبالتالي لم يعد هناك موضع للأمم الذين خصص لهم هذا المكان. ونرى يسوع يردّ الهيكل ويعيد لذلك المكان وظيفته من خلال تطهيره والسماح للأمم من جديد بأن يأتوا ويصلّوا في المكان المخصّص لهم.

—د. غريغ بيري

كما نقرأ في لوقا ۱٩: ٤٧-۲۱: ۳٨، صرف يسوع الأيام القليلة التالية وهو يعلّم في ساحات الهيكل، ويتحدث عن ملكوت الله. خلال هذا الوقت، تضاعف الصراع مع القادة اليهود مع استمرار يسوع في إدانة ممارساتهم واستمرارهم في تحدي سلطانه. استمع إلى ما فعله معلمو الشريعة ورؤساء الكهنة في لوقا ۲۰: ۲۰:

فَرَاقَبُوهُ وَأَرْسَلُوا جَوَاسِيسَ يَتَرَاءَوْنَ أَنَّهُمْ أَبْرَارٌ لِكَيْ يُمْسِكُوهُ بِكَلِمَةٍ، حَتَّى يُسَلِّمُوهُ إِلَى حُكْمِ الْوَالِي وَسُلْطَانِهِ.

لكن يسوع لم يتوقف عن الكرازة بالحقيقة لمجرد أن أشخاصاً أشراراً أرادوا أن يوقعوه في الشرك. بل بدلاً من ذلك، وبّخهم علناً. وقال للجموع في لوقا ۲۰: ٤٦-٤٧:

احْذَرُوا مِنَ الْكَتَبَةِ الَّذِينَ يَرْغَبُونَ الْمَشْيَ بِالطَّيَالِسَةِ وَيُحِبُّونَ التَّحِيَّاتِ فِي الأَسْوَاقِ وَالْمَجَالِسَ الأُولَى فِي الْمَجَامِعِ وَالْمُتَّكَآتِ الأُولَى فِي الْوَلاَئِمِ. اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ بُيُوتَ الأَرَامِلِ وَلِعِلَّةٍ يُطِيلُونَ الصَّلَوَاتِ. هؤُلاَءِ يَأْخُذُونَ دَيْنُونَةً أَعْظَمَ.‏

حين اقتربَ يسوعُ من أورشليمَ، قادَه رفضُ إسرائيلَ له كالمسيحِ المخلّصِ إلى التنبؤِ بدمارِ المدينةِ. لكن هذه النَكبةَ هي مُجرّدُ دَلالةٍ تنذرُ بدينونةٍ أعظمَ. وعندما سيعودُ يسوعُ في مَجدِه في اليومِ الأخيرِ، سيُقدِّمُ كلُ إنسانٍ حِساباً أمامَه. ولهذا السببِ، دعا يسوعُ تلاميذَه في كلِّ عصرٍ أن يُطيعوه باجتهادٍ، وأن ينتظروا رجوعَه بحذرٍ.

بعد تدوين خدمة يسوع في أورشليم، نجد الجزء الرئيسي الأخير من إنجيل لوقا: قصة صلب يسوع وقيامته خارج أورشليم في لوقا ۲۲: ۱-۲٤: ٥۳.

 

صلب يسوع وقيامته

 في هذا الجزء من الإنجيل، شرح لوقا كيف أنجز يسوع في الواقع خلاص شعبه. فقد تمّم خطة أبيه حين قدّم نفسه ذبيحةً كفارية. وقد كوفئ بعرش أبيه داود، وهو الآن يسود على شعبه ملِكاً عليهم.

يمكن تقسيم ما جاء عن الصلب والقيامة إلى قسمين: القبض على يسوع ومحاكمته وموته ثم قيامته وصعوده. لننظر أولاً إلى القبض على يسوع ومحاكمته وموته في لوقا ۲۲: ۱-۲۳: ٥٦.

القبض على يسوع ومحاكمته وموته

يبدأ الكلام عن إلقاء القبض على يسوع ومحاكمته وموته في لوقا ۲۲: ۱-٦ بمؤامرة خيانة يسوع. ثم خلال العشاء الأخير المذكور في الأعداد ٧-۳٨ أنبأ يسوع بخيانة يهوذا، بالإضافة إلى إنباء بطرس بأنه سيُنكر يسوع. لكن وسط هذه التنبؤات الكئيبة، طمأن يسوع تلاميذه إلى مكانهم في الملكوت وإلى سيطرته على كل هذه الأحداث.

بعد العشاء الأخير، نجد صلاة يسوع على جبل الزيتون في لوقا ۲۲: ۳٩-٤٦. كان يسوع حزيناً جداً خلال الصلاة، ويظهر ذلك من خلال تحوُل عَرَقه إلى قطرات دم، ومن خلال رغبته بأن يسمح له أبوه بتفادي الصلب إن أمكن. لكن في كل هذه الظروف، لم تتزعزع ثقة يسوع القوية بأبيه السماوي أو بالتزامه خطة أبيه.

مع إلقاء القبض على يسوع في ۲۲: ٤٧-٥۳، بدأت رواية نكران بطرس في الأعداد ٥٤-٦۲، بالإضافة إلى محاكمات يسوع أمام القادة اليهود وبيلاطس وهيرودس في ۲۲: ٦۳-۲۳: ۲٥. وقد وجد كل من هيرودس وبيلاطس يسوع بريئاً من أي جرم ضد روما يستحق الموت. لكن بيلاطس استسلم لضغط القادة اليهود والجموع، وحكم على يسوع البريء بالصلب.

يستغرب الناس أحياناً، عندما يقرأون الأناجيل، ردّ فعل الجموع نحو يسوع تحديداً عند محاكمته وعند موته. فبينما كان يسوع أمام الجموع وبيلاطس، هتف الشعب بموته وهتفوا بإطلاق سراح باراباس. وإحدى الإجابات التي تخطر في بالنا هو هول خطية الإنسان، فالناس ميّالون إلى فعل الشر وإلى فعل الظلم والابتعاد عن العدالة. وانجرف الجمهور في ذلك الوقت مع مشاعره وقام بارتكاب ما هو خطأ إذ بدا للناس أن ذلك يريحهم نفسيا، أو يجعلهم مقبولين لدى رؤسائهم فحسب. أو أنهم انجرفوا ببساطة بسبب الهياج وأساؤوا التصرف. وأعتقد أن هذا ما حصل عند محاكمة يسوع. والأمر الآخر الذي يجب أن ننتبه إليه هو وجود أناس بين الجموع كانوا مؤيدين فعلاً للفرّيسيين الذين وقفوا ضدّ يسوع. أما رؤساء الكهنة، وكانوا خائفين من يسوع، فخشوا أن يسلُبَ الرومان السلطة منهم؛ وإن لم يقاوموا يسوع فسيواجهون متاعب سياسية مع الرومان. فمن جهة كانت تصرّفاتهم جبانة، ومن جهة أخرى، كانت تصرفات الفريسيين مُضَلَلة؛ فهم لم يكونوا جبناء لكنهم قاوموا يسوع بسبب ضلالاتهم اللاهوتية، ولذلك أرادوا التخلّص منه. من هنا لم تكن الجموع تمثّل الشعب بأسره، بل كانوا على الأرجح مجموعة من المؤيدين لمقاومي يسوع. وهنا ثمّة ملاحظة، من المهم جدّاً أن نتذكّر أن جميع المسيحيّين الأولين في زمن الكنيسة الأولى كانوا يهوداً، وكذلك الرسل كانوا يهوداً، ويسوع نفسه كان يهودياً، وكان هناك العديد من اليهود الذين كانوا مؤيدين ليسوع. أما أولئك الذين صرخوا طالبين موته على الصليب، فكانوا على الأرجح مجموعة من الذين لم يفهموا حقّاً يسوع ولم يفهموا رسالته.

د. فرانك ثيلمان

وما يلفت النظر، هو أن رواية لوقا عن القبض على يسوع ومحاكماته لا تركّز على موت يسوع الوشيك، بل على هوية يسوع على أنه المسيح. استمع إلى هذا الحوار بين يسوع والقادة اليهود في لوقا ۲۲: ٦٧-٧۰:

قَائِلِينَ: “إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمسِيحَ فَقُلْ لَنَا”. فَقَالَ لَهُمْ: “إِنْ قُلْتُ لَكُمْ لاَ تُصَدِّقُونَ …‏ مُنْذُ الآنَ يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ جَالِساً عَنْ يَمِينِ قُوَّةِ اللهِ”.‏ فَقَالَ الْجَمِيعُ: “أَفَأَنْتَ ابْنُ اللهِ؟” فَقَالَ لَهُمْ: “أَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا هُوَ”.‏

في هذا المقطع، عرّف يسوع عن نفسه بأنه المسيح، ابن الإنسان وابن الله. وكل هذه التعابير تشير إلى حقيقة أنه كان المسيا الذي أُنبئ عنه في العهد القديم.

بعد محاكمات يسوع، نجد وصفاً لصلبه في لوقا ۲۳: ۲٦-٤٩. في العددين ٤۳، و٤٦، اقتبس لوقا مرتين كلمات نطق بها يسوع على الصليب، كلمات لم يذكرها لنا أي من كتّاب الأناجيل الآخرين. وهذه الكلمات تشدّد على نقطتين أشار إليهما لوقا تكراراً في إنجيله: الأولى، أن يسوع كان ممتلئاً بالحنان على البائسين. والثانية، أن يسوع كان واثقا بأبيه الذي كان مسيطراً على كل تلك الأحداث. في لوقا ۲۳: ٤۳، أجاب يسوع اللص الذي على الصليب بحنان، معزياً إياه بهذه الكلمات:

الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ.

وفي لوقا العدد ٤٦ صرخ يسوع بثقة إلى أبيه، قال:

يَا أَبَتَاهُ، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي.

لقد أوضح لوقا أن لحظات ربنا الأخيرة قبل موته كانت مليئة بالحنان نحو الآخرين، وبالثقة بأبيه. ثم في لوقا ۲۳: ٥۰-٥٦، يسجل لنا لوقا كيف دفن يسوع في قبر منحوت في صخر، دون أن يتم تكفين جسده لأن السبت كان قريباً.

ليس من الصعب أن نرى كيف أن قرّاء لوقا المضطهدين تشبّهوا بآلام يسوع. فأياً كان الاضطهاد الذي كانوا يواجهونه، فقد واجه يسوع اضطهاداً أسوأ. وما هو أكثر من ذلك، فقد فعل ذلك من أجلهم. فإن كان ربهم مستعداً أن يتألم بل أن يموت من أجلهم، فلا شك في أنهم سيكونون مستعدين أن يتألموا ويموتوا من أجله. لكن ذلك لم يكن مجرد دَين. فكما أن يسوع كوفئ بسبب طاعته وألمه، فإن أتباعه المطيعين سيُكافأون أيضاً بسبب ألمهم.

أخيراً، بعد وصف أحداث القبض على يسوع ومحاكمته وموته، ختم لوقا إنجيله بحدثَين قيامة يسوع وصعوده وذلك في لوقا ۲٤: ۱-٥۳.

القيامة والصعود

في ۲٤: ۱-۱۲، يخبرنا لوقا أنه عندما فُحِص قبر يسوع وجدوه فارغا، وعن كلام الملاك وعن شك التلاميذ وحيرتهم. فقد قام يسوع من الموت، تماماً كما تنبأ. وقد غلب الموت بنفسه ونيابة عن جميع الذين يؤمنون به.

وفي ۲٤: ۱۳-۳٥، يختار لنا لوقا قصة حصلت لاحقاً في اليوم نفسه، عندما انضم يسوع إلى اثنين من تلاميذه على الطريق إلى عمواس. وقد علمهما أن يقرءا العهد القديم على ضوء خدمته وقيامته. فكل ما دوّنه الكتاب المقدس يشير إلى يسوع ومهمته الخلاصية.

ثم في لوقا ۲٤: ۳٦-٤٩، ظهر يسوع لتلاميذه وشجّعهم أن يشهدوا عن تلك الأحداث. ودعاهم إلى أن يستمروا في مهمة الكرازة بالأخبار السارة عن التوبة والغفران إلى كل الأمم. ثم مهّد لوقا الطريق إلى كتابه الثاني، أعمال الرسل، بخبر وعد يسوع بإرسال الروح القدس ليقوي الكنيسة لعمل الكرازة.

وقد ختم لوقا إنجيله في ۲٤: ٥۰-٥۳ بصعود يسوع في الجسد إلى السماء. وكاستجابة لهذه المعجزة، فرح التلاميذ وسجدوا لله وسبحوه. فالأخبار السارة عن الفرح العظيم التي أعلنها الملاك في لوقا ۲: ۱۰ تحققت أخيراً لشعب الله. فيسوع الرب المنتصر المقام هو مخلصهم.

كتب لوقا إنجيلَه ليؤكدَ للمؤمنين من الأممِ بأنهم قاموا بالخِيارِ الصَحيحِ باتباعِهم يسوعَ. وقد برهنَ لوقا من خلالِ بُنيةِ إنجيلِه ومُحتواه، أن كلَ جانبٍ من حياةِ يسوعَ هو جٌزءٌ من خطةِ اللهِ في تأسيسِ ملكوتِه. فهو ابنُ اللهِ وابنُ داود الذي جاءَ ليتمّمَ نبواتِ إشَعياء عن الخلاصِ. وقد تجلّت في يسوعَ قوتا النعمةِ والرَحمةِ اللتان لا تنهزمان، وله ستخضعُ كلُ الأممِ. وقد دشّنَ يسوعُ حقّاً ملكوتَ اللهِ، وقدّمَ الخلاصَ إلى كلِ عائلاتِ الجنسِ البشريِّ. وهو يخلّصُ بالفِعلِ كلَّ من يؤمنُ به.

بعد أن درسنا خلفية إنجيل لوقا وبنيته ومحتواه، بتنا الآن مستعدين أن نتناول موضوعنا الأخير الرئيسي. في هذا الجزء من درسنا، سنستكشف بعض المواضيع الرئيسية التي يشدّد عليها لوقا.

 


المواضيع الرئيسية


 

بصورة عامة، يمكننا القول إن الأناجيل المتشابهة النظرة الثلاثة جميعها، متى ومرقس ولوقا، تشترك في موضوع رئيسي واحد: أن يسوع هو المسيح الذي جاء بملكوت الله. لكن كل من هذه الأناجيل تتعامل مع هذا المفهوم الرئيسي بطرق مختلفة. لذلك، بينما ندرس هذه الفكرة في إنجيل لوقا، سنركز على وصف لوقا لملكوت الله بأنه الخلاص.

استخدم لوقا هذه الكلمات خلص، خلاص، مُخلِّص على الأقل 25 مرة في إنجيله أكثر من أي من كتّاب الأناجيل الآخرين. وقد شدّد لوقا على حالتنا اليائسة دون المسيح، وحاجتنا إلى أن نخلص. وقد علّم لوقا أن ملكوت الله هو خلاصنا الأعظم.

والتعبير الخلاص متجذّر بعمق في وعود العهد القديم المسيحانية. ويمكننا أن نعرّف هذا الخلاص على أنه التحرير من استبداد الشر، ومن دينونة الله على الخطية. وفي كل العهد القديم، لا سيما في الأنبياء، علّم الله شعبه أن المسيح الموعود سوف يجلب في النهاية الخلاص من عواقب الخطية وحتى من وجودها.

تماشياً مع تشديد لوقا على الخلاص، سنقسم بحثنا حول المواضيع الرئيسية في إنجيل لوقا إلى ثلاثة أقسام تتفق مع النواحي المختلفة لعمل يسوع الخلاصي. أولاً، سنتأمل بوصف لوقا للخلاص الشخصي. ثانياً، سنتأمل بوصفه لله مخلصنا. وثالثاً، سنلقي نظرة على نماذج عن أشخاص نالوا الخلاص. لنبدأ مع وصف لوقا للخلاص.

 

وصف الخلاص

بيّن لوقا في كل إنجيله أن الخلاص الشخصي هو في المقام الأول مسألة تغيير شامل لمقام الناس. فهذا الخلاص يغيّر شخصياتهم ومركزهم أمام الله، ويبدّل مصيرهم من هالكين إلى مباركين.

نحن جميعاً وُلِدنا خطاة. ونتيجة لذلك، نعيش تحت دينونة الله ونسير نحو هلاك أبدي. لكن الإنجيل يقدّم لنا غفران الخطايا، وبالتالي لم يعد هناك سبب لدينونتنا. وكما يعبّر لوقا غالباً عن ذلك، يؤدي الخلاص إلى سلام بيننا وبين الله. ومع مكانتنا الجديدة المميّزة، ننال بركات أبدية في ملكوت الله، بركات نرثها عندما يعود يسوع ويجعل دنيانا كاملة. في هذه الدنيا الجديدة، لن يكون هناك مرض أو موت أو عاهة أو ألم. أياً كانت حياتنا الآن، فسوف نصبح في هناء وننال حظوة عند الله في العالم الآتي.

غالباً ما يلاحظ قرّاء إنجيل لوقا أن يسوع يولي اهتماماً خاصّاً للجماعات المهمّشة المفتقرة للاعتراف بها كالنساء والأطفال والأمم. ويوجد وراء هذا الأمر، في البيئة الاجتماعية خلال حياة يسوع وخدمته، يوجد سببٌ لاهوتي عميق ينبع من حقيقة أن لوقا فهم حكم الله في آخر الأيام بمعنى أن الله سيُنجّح الضعيف وبالنتيجة فهو سوف يخسِّر القوي، أي سوف يقلب الأدوار بمعناً من المعاني. نعم، صحيح. حقاً إن قلب الأدوار هذا لا يُذكَر فقط في الأناجيل أو في العهد الجديد، ولا يقتصر على مفهوم آخر الأيام أو الأمور الأخيرة. ففي الواقع، اقتراب ملكوت الله أمر حقيقي، وتجده في كل أسفار الوحي الإلهي. في كتاب التكوين مثلاً، كما قرأنا جميعاً، نرى أنّه يتكرر اختيار الابن الثاني بدل الابن البكر، فهذه توقّعات معكوسة تجدها في العهد القديم، وليست سوى مثلاً واحداً عن قلب الأدوار الذي يصوّره لنا لوقا بأسمى صوره، ويصل إلى ذروته عندما يقلب يسوع الأدوار ويمنح الكرامة لعديمي الكرامة. وهذا نلاحظه في العهد الجديد كما سبق أن أشرنا في أماكن مختلفة.

د. ديفيد باور

كما تذكرون في لوقا ٧، أرسل يوحنا المعمدان اثنين من أتباعه إلى يسوع ليسألاه إن كان هو حقاً المسيح. فأجاب يسوع بإعادة صياغة إشعياء 61: 1–2، وهو المقطع ذاته الذي قرأه في المجمع في بداية خدمته العلنية. استمع مرة أخرى إلى ردّ يسوع في لوقا ٧: ۲۲:

فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُماَ: “اذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بِمَا رَأَيْتُمَا وَسَمِعْتُمَا إِنَّ الْعُمْيَ يُبْصِرُونَ، وَالْعُرْجَ يَمْشُونَ، الْبُرْصَ يُطَهَّرُونَ، وَالصُّمَّ يَسْمَعُونَ، وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ، وَالْمَسَاكِينَ يُبَشَّرُونَ”.

كل ما ذكره يسوع هنا كان شكلاً من أشكال الخلاص، وهو انقلاب الحالة من الذل والعاهة إلى الشفاء والهناء.

في الدنيا الجديدة، ستزول هذه الظروف السيئة بالكامل. وحتى في الوقت الحالي، يجعلنا الخلاص نتذوق تلك البركات الأبدية. والتغيير الذي يُجريه الخلاص ليس محدوداً بظروفنا الخارجية بل يتناول تغيّرنا من الداخل أيضاً. وكما قال يسوع في لوقا ٦: ۲٧-۳٦:

أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، ‏بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ … أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، وَأَحْسِنُوا وَأَقْرِضُوا وَأَنْتُمْ لاَ تَرْجُونَ شَيْئاً، فَيَكُونَ أَجْرُكُمْ عَظِيماً وَتَكُونُوا بَنِي الْعَلِيِّ، فَإِنَّهُ مُنْعِمٌ عَلَى غَيْرِ الشَّاكِرِينَ وَالأَشْرَارِ. ‏فَكُونُوا رُحَمَاءَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمْ أَيْضاً رَحِيمٌ.

لا تجعلُ بركاتُ الملكوتِ الذين يخلصون يغيّرون سلوكياتِهم الخارجيةَ فحسبْ، بل هي تُغيّرُ أيضاً طبيعَتَهم وآراءَهم. فكما هي الحالُ بالنسبةِ للسلوكياتِ الخارجيةِ، تظهرُ التغييراتُ الداخليةُ جُزئياً في العالمِ الحاضرِ، وبصورةٍ كاملةٍ في العالمِ الآتي. في الوقتِ الحاضرِ، نحنُ نبدأُ نُفكرُ ونتَصرّفُ بشكلٍ مختلفٍ لأن الروحَ القُدُسَ يسكنُ فينا، ونرى العالمَ بعيونٍ جديدةٍ. وستستمرُ هذه التغييراتُ في السماءِ، حيثُ سنكونُ أحراًراً بالكاملِ من نتائجِ الخَطيّةِ وحضورِها وفَسادِها. وسوف تَصِلُ إلى كمالِها عندما يعودُ يسوعُ ويُعطينا أجساداً جديدةً في أرضِ جديدةٍ.

تفسّر لنا بركات الخلاص هذه لماذا نجد مرة بعد المرة في إنجيل لوقا أن الفرح هو الاستجابة المناسبة للخلاص. وإحدى الطرق التي من خلالها نرى ذلك الفرح هي من خلال الأناشيد التي يذكرها لوقا، مثل نشيد زكريا في لوقا ۱: ٦٨-٧٩، ونشيد مريم في لوقا ۱: ٤٦-٥٥، ونشيد سمعان في لوقا ۲: ۲٩-۳۲. والفرح في الخلاص مذكور أيضاً في إعلانات الملائكة، مثل الرسالة المعطاة إلى زكريا في لوقا ۱: ۱٤، والأخبار السارة عن فرح عظيم التي استلمها الرعاة في لوقا ۲: 10-۱۱. والفرح هو الموضوع الثابت لأمثال يسوع عن الخروف الضال والدرهم المفقود والابن الضال في لوقا ۱٥. وقد لخّص يسوع استجابة الفرح بهذه الطريقة في لوقا ٦: ۲۱-۲۳:

طُوبَاكُمْ أَيُّهَا الْبَاكُونَ الآنَ، لأَنَّكُمْ سَتَضْحَكُونَ …  اِفْرَحُوا فِي ذلِكَ الْيَوْمِ وَتَهَلَّلُوا.

يريد الله أن يكون الخلاص سبب فرح لنا. ويريدنا أن نفرح لأن خطايانا قد امَّحت وصار لنا سلام معه وسنرث بركات ملكوته. وهذا الموضوع كان مهماً جداً بالنسبة للوقا بحيث إنه ختم إنجيله به. استمع إلى لوقا ۲٤: ٥۲-٥۳، حيث يخبرنا ما فعله التلاميذ بعد صعود يسوع إلى السماء:

وَرَجَعُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ، ‏وَكَانُوا كُلَّ حِينٍ فِي الْهَيْكَلِ يُسَبِّحُونَ وَيُبَارِكُونَ اللهَ.

 

إن جلبتُ هدية لزوجتي، مثل سوار ذهبي وقلت لها: “حبيبتي هذا السوار الذهبي هو لك لأنه من واجبي أن أشتري لك الهدايا”، فليس هذا ما ترغب فيه زوجتي، هدية بدافع الواجب وليس الحب. بل يجب أن أقدمها إليها بفرح وسرور لأني أحبها وأريد سعادتها. عندما نعرف الله على حقيقته ونختبر أنه صالح، يملأنا شعور غامر بالفرح والبهجة. وبالتالي يصبح فرحنا بالله تعبيراً جوهرياً عن معرفتنا به على حقيقته، وركناً أساسياً من حياتنا المسيحية الحقّة.

د. إيريك ثيونيس

بينما وصف الخلاص هذا لا يزال في أذهاننا، لننتقل إلى موضوعنا الرئيسي الثاني: تشديد لوقا على الله كمخلصنا.

 

الله مخلصنا

سنتأمل بالله مخلصنا على ثلاث خطوات. سنرى كيف أن الخلاص يأتي بقوة الله، وفق خطة الله ومن خلال ابن الله. لننظر أولاً إلى حقيقة أن الخلاص يأتي بقوة الله.

قوة الله

يكرّر إنجيل لوقا باستمرار فكرة العهد القديم بأن الله هو مخلص شعبه. فهذا هو الموضوع الغالب في الفصول الأولى من لوقا ويحدّد مسار الإنجيل بكامله. فرحت مريم لأن الله هو مخلّصها في لوقا ۱: ٤٧. أنشد زكريا للخلاص الذي صنعه الله في لوقا ۱: ٦٨-٧٩. استمع إلى ما قاله سمعان عندما أخذ الطفل بين ذراعَيه في لوقا ۲: ۲٩-۳۰:

الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ،‏ لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ.

أشار سمعان إلى الله فوصفه بالسيد — ديسبوتا في اليونانية — ناسباً إلى الله القدرة والسلطان على كل الخليقة. وبهذا التعبير “خلاصك”، أشار سمعان إلى أن الله يستخدم قدرته ليأتي بالخلاص.

وهذا الموضوع ذاته يستمر في بقية إنجيل لوقا. على سبيل المثال، أعلن يوحنا المعمدان خلاص الله بقوله إنه حدث سيُعاينه العالم كله في لوقا ۳: ٦. أما في لوقا ۱٨: ۲٦-۲٧، فيعلّم يسوع أن الخلاص مستحيل عند الإنسان، لكن كل شيء مستطاع عند الله.

أراد لوقا أن يفهم قراؤه أن الله مسيطر على كل شيء. وبالتالي، لا يمكن إتمام الخلاص بقوة الإنسان وذكائه وتصميمه وثروته. فالخلاص هو ملك لله وهو عمله ويتم بقوته. الله وحده له السلطان أن يحرّر الناس من الدينونة. الله وحده يمكنه أن يغيّر الناس من الداخل. الله وحده يملك القوة المطلوبة ليأتي بملكوته إلى الأرض. والله وحده عنده القدرة ليجلب لشعبه بركات الملكوت.

بالإضافة إلى التشديد على أن الخلاص هو عمل قوة الله، علّم لوقا أن الخلاص هو جزء من خطة الله.

خطة الله

على سبيل المثال، عندما بدأ يسوع خدمته العلنية في لوقا ٤، قرأ من إشعياء ٦۱: ۱-۲. وقد أدهش الجموع بإعلانه أن تلك النبوة تمت في ذلك الزمان والمكان. واستمر لوقا في بقية إنجيله بتقديم الأدلة على أن الخلاص هو خطة الله بإظهاره أن الأحداث الدرامية في حياة يسوع تمّمت وعود الله الواردة في العهد القديم. استمع إلى كلمات يسوع قبل ختام خدمته العلنية في لوقا ۲٤: ٤٤:

وَقَالَ لَهُمْ: “هذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ: أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ”.

والعهد القديم بكامله يتحدث عن الخلاص الذي سينجزه الله من خلال يسوع. وقد كانت خطة الله باستمرار أن يخلّص شعبه بهذه الطريقة.

طريقة أخرى بيّن لوقا من خلالها أن الخلاص يُتمّم خطة الله، هي بإشارته باستمرار إلى أن ما قام به يسوع كان مطلب الله وحتى إنه عيّن حدوثه. وهنا مثل واحد فقط، استمع إلى الطريقة التي وصف فيها يسوع آلامه وموته في لوقا ٩: ۲۲:

إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ يَتَأَلَّمُ كَثِيراً، وَيُرْفَضُ مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ.

لاحظ أنه عندما شرح يسوع ما سيحدث، استخدم كلمة “ينبغي”، التي تترجم الكلمة اليونانية دي، التي تعني “من الضروري”. لماذا كان ذلك ضرورياً؟ لأن الله طلب ذلك. كل ما حصل ليسوع كان جزءاً من خطة الله لخلاص شعبه.

النقطة الثالثة التي نشير إليها لنبرهن أن الله هو مخلصنا، هي في أن الخلاص يأتي من خلال ابن الله يسوع المسيح.

ابن الله

يؤكد إنجيل لوقا باستمرار أن يسوع هو ابن الله المتجسد من مريم، كما هي الحال في إعلان الملاك عن ولادته في لوقا ۱: ۳۲-۳٥. وفي أوقات أخرى، يؤكد على سلطانه. ونرى هذا عند معموديته في لوقا ۳: ۲۲، حيث صادق الله على هذه البنوة من السماء، وأيضاً عند تجلّيه في لوقا ٩: ۳٥، حين أوصى الله شعبه بأن يصغوا إلى ابنه. وفي أوقات أخرى تشير هذه البنوة إلى دوره كالمسيح الملك الخاضع للآب، كما هي الحال عند العشاء الأخير في لوقا ۲۲: ۲٩.

لكن القاسم المشترك بين كل هذه الإشارات إلى يسوع كابن الله هو أنها جميعها تشير إلى يسوع الذي من خلاله تمّم الله الخلاص. يسوع هو ابن الله الذي أُرسل إلى العالم ليخلص شعبه من الدينونة بموته عوضاً عنهم، وهو الذي يأتي بملكوت الله إلى الأرض.

أحياناً يُفَكرُ المَسيحيونَ خَطأً، أن الآبَ هو إلهٌ غاضِبٌ يَكرهُنا، ويسوعُ هو ابنُه المُتمرِّدُ الذي جاءَ ليَقِفَ إلى جانبِنا. لكن ذلك بعيدٌ كلَّ البُعدِ عن الحقيقةِ. فيسوعُ جاءَ فقط ليُخلِّصَنا لأن أباه أرسلَه. نعم يسوعُ هو حقّاً مُخَلِّصُنا. وهو يُخلِّصُنا بالفِعلِ من دَينونةِ العَدلِ الإلهيِّ. لكنه أمرٌ حاسِمٌ بالنسبةِ لنا أن نفهمَ أن الخلاصَ الذي أتى به يسوعُ يبدأُ من الآبِ. ويسوعُ كابنِ اللهِ، يفعلُ فقط ما يأمرُه به الآبُ. وهو يستخدِمُ قوةَ اللهِ ليُتمّمَ خِطتَه. وهكذا، فإن عملَ يسوعَ الخَلاصيَّ هو البرهانُ على أن اللهَ الآبَ هو مُخَلِصُنا النِهائيّ.

الآن وقد نظرنا إلى وصف لوقا للخلاص ولله كمخلصنا، دعونا ننتقل إلى موضوع رئيسي ثالث في إنجيل لوقا: تنوّع الأشخاص الذين نالوا الخلاص.

 

أشخاص نالوا الخلاص

في زمن يسوع، لم يكن أحد ليتفاجأ لو أن الخلاص قدّم لأشخاص يتبوؤون مراكز شرف أو سلطة في المجتمع. ولم يكن أحد ليستغرب إن خلّص الله أولئك الذين يتمسكون بحرف الشريعة. ولم يكن أحد ليندهش إن أدان الله الذين كان المجتمع اليهودي يحتقرهم، وهم الذين حسب الظاهر لم يباركهم الله والدليل وجود عيب ما فيهم. لكن ليس هذا ما فعله يسوع. إن من العناصر المهمة في إنجيل لوقا هو لفت الانتباه إلى نوع الناس الذين خلّصهم يسوع، وما يدهشنا إلى اليوم، هي الكرامة والبركات التي أعطاهم إياها.

في الواقع، ما نلاحظه في سرد لوقا للأحداث هو اهتمامه بالصغار والمُهمَلين والضالين، نرى لوقا يشدد على مسألة قلب الأوضاع. فالصغار والمُهمَلون والضالون يصبحون الأولين في ملكوت الله ومن أهم الناس فيه. ويهتم لوقا جدّاً إن صح التعبير، بالناحية الأخلاقية للإنجيل. فيسلّط الضوء على الفضيلة والأعمال الأخلاقية في خدمة يسوع، وهذا واضح في إنجيله وفي كتاب أعمال الرسل، مثل تركيزه وبشكلٍ واضح على الفقراء والنساء والمرضى والعجائز. ولا شكّ في أن لوقا يشدد على هذه الناحية أكثر من الأناجيل الأخرى. ففيما يدوّن متى موعظة يسوع، يقول: “طوبى للمساكين بالروح”، أما لوقا فيقول: “طوبى للمساكين”. وهذه نقطة محوريّة بالنسبة إلى لوقا لأنه يؤمن أن يسوع جاء لا ليتمم الفداء فحسب بل ليتمّم العدالة أيضاً. إذاً فمهمة يسوع هي أن يصوِّب كل نتائج السقوط السيئة. ونرى أنّ لوقا يشدد على أن يسوع هو مخلّص العالم برمّته، يسوع هو مخلّص جميع الناس، فيسوع لا يأبه إن كنتَ من أشراف المجتمع أو كنت من المتعلّمين أو من المعروفين ولا حتّى يأبه إن كنت من المنبوذين المُهمَلين، يسوع هو للجميع، ولوقا لم يُهمل التشديد على هذه الحقيقة. وحيث إنّ التمييز بين فئات الشعب كان قائماً ولا يزال حتّى يومنا، غير أنّ يسوع هو المخلّص، هو مخلّص الجميع بدون تمييز.

د. بِن ويذرنغتون

من أجل أغراضنا في هذا الدرس، سنكتفي بالنظر فقط إلى أربعة نماذج مذهلة من الناس يشير إليهم لوقا غالباً، بدءاً من الأمم.

يتحدث العهد القديم عن دخول الأمم في النهاية إلى ملكوت الله ونوالهم الخلاص والبركات. لكن اليهود في زمن إسرائيل كانوا ينظرون بازدراء إلى الأمم على أساس أنهم مستبعدون من بركات ملكوت الله الأساسية.

لكن في الوقت الذي كَتب فيه لوقا إنجيله، كانت الكنيسة المسيحية في العالم تتكوّن بصورة كبيرة من المهتدين من الأمم. وبرهن الله بوضوح عبر التاريخ، عن نيته ببركة الأمم بطرق مذهلة. وكما سبق ورأينا في هذا الدرس، فإن أحد الأسباب التي دفعت لوقا للكتابة، كان التأكيد للأمم بأنهم أحسنوا الاختيار بانتمائهم للمسيح. لذلك لفت لوقا الانتباه في كل الإنجيل إلى تلك المواضع التي امتد فيها الخلاص للأمم، كتحقيق لآمال العهد القديم ومقاصد الله فيه.

على سبيل المثال، في لوقا ۲: ۱۰-۱٤، أعلن الملائكة أن فرح الإنجيل سيكون “لجميع الشعب” و”للناس على الأرض”. وبدل القول إن ملك إسرائيل الجديد وُلد ليخلص اليهود، فقد تحدثت الملائكة عن خلاص أكثر شمولية. وفي لوقا ۲: ۳۲، أعلن سمعان أن الطفل يسوع سيكون “نور إعلان لجميع الأمم”. وبينما تستشهد الأناجيل الأربعة بإشعياء ٤۰ في قصة يوحنا المعمدان، أكمل لوقا وحده في ۳: ٦ الاقتباس ليشمل الكلمات “وَيُبْصِرُ كُلُّ بَشَرٍ خَلاَصَ اللهِ”.

وأعلن لوقا أن السامريين الذين اعتبرهم اليهود أعداءهم، يمكن أن يخلصوا هم أيضاً. ففي لوقا ۱٧: ۱۱-۱٩، شفى يسوع عشرة برص، لكن الأبرص الوحيد الذي عاد وشكره كان سامرياً. ولوقا وحده دوّن مثل السامري الصالح، الذي نجده في لوقا ۱۰: ۳۰-۳٧، والذي فيه كان السامري مثالاً لمحبة القريب.

إضافةً إلى ذلك، كتب لنا لوقا مرات أظهر فيها الأمم إيماناً حقيقياً بيسوع المخلص. على سبيل المثال، في لوقا ٧: ٩، قال يسوع عن قائد مئة:

لَمْ أَجِدْ وَلاَ فِي إِسْرَائِيلَ إِيمَاناً بِمِقْدَارِ هَذَا.

وكما رأينا سابقاً في هذا الدرس، تتبع لوقا سلالة نسب يسوع راجعاً فيها إلى الوراء إلى آدم، ما يدلّ ضمناً أن يسوع جاء ليخلّص الجنس البشري بكامله، ومن ضمنهم اليهود والأمم.

النموذج الثاني المذهل من الشعب الذي نال الخلاص في إنجيل لوقا هم الخطاة. طبعاً، يُحسب كل البشر خطاةً. لكن كان هناك أناس في زمن يسوع من ذوي الخطايا الكبيرة والعلنية لدرجة جعلتهم منبوذين في نظر المجتمع اليهودي، مثل المرأة الخاطئة في لوقا ٧: ۳٦-٥۰، وزكا جابي الضرائب في لوقا ۱٩: ۱-٩. كان جباة الضرائب خطاة لأنهم كانوا يجنون الأموال عن طريق تحميل أبناء شعبهم ضرائب باهظة لم تكن مطلوبة من الحكومة. لكن يسوع جاء ليخلّص حتى هؤلاء. وكان متلهفاً أن يمنح الخلاص إلى كل التائبين الراجعين إلى الله بالإيمان.

كمثل واحد فقط، استمع إلى هذه القصة من لوقا ٥: ۲٩-۳۲:

وَصَنَعَ لَهُ لاَوِي ضِيَافَةً كَبِيرَةً فِي بَيْتِهِ. وَالَّذِينَ كَانُوا مُتَّكِئِينَ مَعَهُمْ كَانُوا جَمْعاً كَثِيراً مِنْ عَشَّارِينَ وَآخَرِينَ. فَتَذَمَّرَ كَتَبَتُهُمْ وَالْفَرِّيسِيُّونَ عَلَى تَلاَمِيذِهِ قَائِلِينَ: لِمَاذَا تَأْكُلُونَ وَتَشْرَبُونَ مَعَ عَشَّارِينَ وَخُطَاةٍ فَأَجَابَ يَسُوعُ: لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى. لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَاراً بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ.

النموذج الثالث المذهل من الناس الذين خلصوا في إنجيل لوقا هو النساء. في عالم البحر المتوسط القديم حيث عاش يسوع، لم يكن للنساء أي حقوق في المجتمع، ولم تكن لهن قيمة كبيرة. لكن لوقا أعطى اهتماماً كبيراً للطرق التي من خلالها جلب يسوع الخلاص إليهنّ. في لوقا ٨: ٤۱-٥۳، شفى يسوع ابنة يايرس وَامْرَأَةٌ بِنَزْفِ دَمٍ مُنْذُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. وقد أظهر حناناً عظيماً نحو الأرامل الذين في مجتمع الآباء القديم لم يكن عندهنّ أي عون وكنّ عملياً بلا رجاء. في لوقا ٧: ۱۱-۱٧ و۱٨: ۱-٨ يصوّر لنا لوقا اهتمام يسوع وعنايته بهؤلاء المحتاجين.

أحد أساليب لوقا التعليمية الأكثر تأثيراً هو إبراز خلاص النساء المتواضعات بالتباين مع القادة الدينيين المتكبرين من الرجال. على سبيل المثال في لوقا ۱۳: ۱٤-۱٥، وصف يسوع رئيس المجمع بالمُرائي بينما في العدد التالي وصف المرأة المنحنية بأنها ابنة إبراهيم. نجد تبايناً مشابهاً في لوقا ٧: ۳٧-٥۰، حيث قبل يسوع توقير امرأة خاطئة له، في الوقت الذي أدان الفريسي المتكبّر.

وليعطينا نموذجاً مثالياً عن معنى محبة الله، روى لنا لوقا قصة مريم صديقة يسوع. في لوقا ۱۰: ۲٧، علّم يسوع أن أهم وصيتين هما أن نحب الله ونحب قريبنا. ثم في الأعداد ۳٨-٤۲، أعطتنا مريم مثلاً عن كيف يجب أن نحب الله من خلال إصغائها بطاعة إلى تعاليم المسيح. إنه يركز لا على بطرس ولا على يوحنا، وبالتأكيد لا يركز على القادة اليهود، بل على امرأة كانت النموذج للتقوى الإلهية.

أخيراً، النموذج الرابع المذهل من الناس الذين يخلصون في إنجيل لوقا هم الفقراء. بدأ لوقا إنجيله بالإشارة إلى أن عائلة مريم ويوسف كانت فقيرة. ونحن نعرف ذلك لأنه في لوقا ۲: ۲٤، كانت التقدمة التي أتيا بها إلى الهيكل تقدمة الفقير التي تأمر بها الشريعة في لاويين ۱۲: ٨.

وقد بيّن لوقا أيضاً أن يسوع فضّل الفقراء في مواضع معيّنة كمثل الغني الغبي في لوقا ۱۲: ۱۳-۲۱ وفي قصته عن الغني ولعازر في لوقا ۱٦: ۱٩-۳۱. واستمع مرة أخرى إلى لوقا ٤: ۱٨، حيث قرأ يسوع من إشعياء ٦۱: ۱:

رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ.

لوقا هو كاتب الإنجيل الوحيد الذي يخبرنا هذا الحدث. وقد ضمّنه في إنجيله ليكون نموذجاً لخدمة يسوع بكاملها. والنقطة التي شدّد عليها هي أن جزءاً من الإتيان بملكوت الله كان إعلان أخبار الخلاص السارة إلى الفقراء. اهتم لوقا بصورة خاصة بأن يشدّد على أن ابن الله تجسد ليخلص حتى أولئك الذين نبذهم المجتمع. فقد كان للأمم والخطاة والنساء والفقراء حقوق قليلة في المجتمع اليهودي ولم يكن يتوقع منهم أن يرثوا بركات ملكوت الله العُظمى. لكن يسوع رفض مقياس القيم هذا. وقدم قبولاً كاملاً في ملكوت الله وبركات دائمة لكل الذين قبلوه مخلصاً ورباً.

من بين كتّاب الأناجيل جميعاً، يركّز لوقا بشكل خاص، يركّز على الفئات المهمّشة في المجتمع الفلسطيني في ذلك الزمن. فنراه يساوي بين الرجال والنساء ونراه يسلّط الضوء على السامريّين والفقراء. فلا نقرأ مثلاً قصة الغني ولا قصّة لعازر ولا مثل السامري الصالح إلا في إنجيل لوقا. وهذه النقاط في تعاليم يسوع تنسجم كل الانسجام مع برنامج موعظته في الناصرة حيث أعلن أن النبوة: “رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، وأَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ …” هذه النبوّة قد تمّت اليوم بالذات. وعلّم تلاميذه أنهم عندما يقيمون مأدبةً، عليهم أن يدعوا العرج والفقراء إلى المأدبة. وبالتالي يصوّر يسوع هنا أمراً بغاية الأهمية وهو أننا في علاقتنا بالآخرين الذين هم أيضاً على صورة الله، علينا نحن ألا نرتأي فوق ما يبنغي أن نرتأي، تماماً كما يشرحها لنا بولس. علينا أن ندرك أن يسوع تعامل بالنعمة مع كافة فئات المجتمع ودعا تلاميذه لكي يفعلوا ذلك هم أيضاً. وعلينا نحن أيضاً، وبكلّ تأكيد، أن نحذوَ حذوه. لقد استهزأوا بيسوع لجلوسه مع الزانيات والخطاة، أمّا هو فأجاب مؤكِّداً أنه لم يأتِ للأبرار بل للخطاة المساكين. فإن الوصول إلى شعب الله بكافة فئاته ليس انعكاساً لمهمة يسوع فحسب، بل هو إدراك لهويتنا الحقيقية، ولحاجاتنا الحقيقية أيضاً. نحن نحتاج كلّنا إلى نعمة الله وإلى الاعتراف بعدم استحقاقنا لعطّيته وبالتالي لا أعمالنا تنفع ولا مركزنا الاجتماعي، فنحن سواسية أمام الله وعلينا أن نتعامل بالنعمة مع بعضنا البعض ونمدّ يد العون للغير لأننا نتشارك الحاجات نفسها.

د. غريغ بيري

 


الخاتمة


 

استكشفنا في هذا الدرس، إنجيل لوقا بالنظر في خلفيته من جهة الكاتب والقرّاء الأصليين، ومناسبة الكتابة؛ كذلك بنيته ومحتواه، ومواضيعه الرئيسية التي تدور حول موضوع الخلاص. وإن أبقينا هذه الأفكار في ذهننا ونحن نقرأ إنجيل لوقا، يتكوّن لدينا مفهوم أفضل لمعناه، ونكون أكثر استعداداً لنطبّقه على حياتنا في الكنيسة وفي العالم.

يقدّمُ إنجيلُ لوقا يسوعَ كابنِ اللهِ المجيدِ الذي جاءَ إلى الأرضِ كمُخلّصِ العالمِ المُحبِّ. وهو يقدِّمُ بشارةَ اللهِ السارةَ إلى الجميعِ، بغضِّ النظرِ عن العِرقِ، والثروةِ والمَكانةِ الاجتماعيةِ. أكّد إنجيلُ لوقا للمسيحيين في زمنِه بأن الأممَ الوثَنيةَ لم يُخطئوا باتباعِهم المسيحَ الذي انتظره اليهودُ. وهذا يصحُّ في كلِّ عصرٍ. فمنذ القرنِ الأولِ كانت غالبيةُ المؤمنينَ في الكنيسةِ من الأممِ. ونحن أيضاً قمنا بالاختيارِ الصحيحِ. وكأتباعٍ ليسوعَ، نحن مطالَبون بأن نستمرَ بالكرازةِ بتلكَ الأخبارِ ذاتِها عن التوبةِ والإيمانِ للجميعِ في العالمِ، عالمينَ أننا نَملِكُ الرسالةَ الوحيدةَ التي تجلبُ الخلاصَ الحقيقيَ.

لنا الانتصارَ أيضًا. ونحن نَثبُتُ على هذا الرجاءِ إلى اليومِ الذي يرجِعُ فيه المسيحُ بمجدٍ ليعطيَنا ذلك الانتصارَ عند اكتمالِ ملكوتِه.

شارك مع أصدقائك

خدمات الألفية الثالثة

تقدم خدمات الألفية الثالثة تعليم كتابيّ ولاهوتيّ مجانيّ.