لماذا تختلف سلسلتي نسب المسيح في متى ولوقا؟


تكثر الاتهامات التي يوجهها النقاد للكتاب المقدس وبصفة خاصة للأناجيل التي يزعمون كثرة الأخطاء التاريخية بها. والسؤال الخاص بالتناقضات المزعومة بين سلسلتي نسب المسيح المذكورتين في إنجيل متى وإنجيل لوقا يدخل تحت هذا التصنيف. إذ يدّعي الناقد أن الاختلافات قد تعني أن أحدهما –أو كليهما– على خطأ، أو أن شخصًا ما أضافهما لاحقًا لإثبات أن يسوع هو حقًا المسيح–أي المسيا المنتظر بينما هو ليس كذلك. وفي كل الأحوال، بحسب هذا الادعاء، فإن الخطأ سهوًا أو عمدًا ينفي عن الأناجيل صفة الوحي الإلهيّ المعصوم من الخطأ. وبالتالي فنحن في حِلِّ من سلطانها، ولنا الحق أن نقبل منها ما نريد ونرفض ما نريد حسبما يتناسب مع منظورنا الشخصي للصواب والخطأ أو للمقبول والمرفوض.

فقد يقبل واحد تعليم المسيح بمحبة القريب، لكنه يرفض تعليمه عن محبة الله أو عن الخطية. وقد يرى غيره أن المسيح مُعلّم أخلاقيّ عظيم، لكنه يرفض أن يكون المسيح ربًا وسيدًا عليه، وينكر عليه حقه كالديان لمن لا يؤمن به. وقد يرفض آخَر من الأساس أن يسوع كان حقًا شخصية تاريخية، وبالتالي فالصليب، والقيامة، والمجيء الثاني للمسيح، ودينونة الأحياء والأموات كلها من ضروب الخرافات الدينية التي لا يلزمه أن يؤمن بها.

لذلك من الضروريّ أن نأخذ السؤال الخاص بالاختلافات بين روايات الأناجيل –وتحديدًا في هذا المقال بين سلسلتي النسب– بمنتهى الجدية. لكن من الضروريّ أولاً أن نتعامل مع الفجوة التي بين الكاتب والقارئ، وأن نقدم فكرة أساسيّة بخصوص فهم الأناجيل، ثم نلتفت أخيرًا لسلسلتي النسب.

الفجوة بين الكاتب القديم والقارئ المعاصر

هناك فجوة كبيرة من الثقافة واللغة تفصل القارئ المعاصر عن الكتاب المقدس، وعن أي كتاب قديم آخَر: كيف كان الناس يعيشون من ألفي عام؟ كيف كانوا يروون الأحداث ويكتبون التاريخ؟ هل كانت الكلمات حينها تعني ما تعنيه الآن أم أن هناك أبعادًا ثقافية لا بد أن نأخذها بعين الاعتبار لكي نفهم ما نقرأه فهمًا صحيحًا؟

كما أن الكاتب القديم –أيَّ كاتب قديم– لم يكن يكتب لنا، بل كان يكتب لمعاصريه الذي كانوا يفهمون جيدًا ممارسات وعادات وتقاليد زمانهم، لذلك لم يكن الكاتب عادةً مهتمًا بأن يشرح العادات ومعاني الألفاظ إلا إن دعت الحاجة، كأن يترجم مرقس مثلاً بعض الألفاظ الآرامية إلى اليونانية حتى يتسنى لقارئيه الأجانب عن اللغة والثقافة اليهودية فهم ما يحدث (انظر مثلاً مرقس ١٧:٣؛ ٣٤:٧).

في هذه الفجوة بين الكاتب القديم والقارئ المعاصر يجد الناقد ما يهاجم به الكتاب المقدس، كما يجد المؤمن المُخلِص ما يحيره من جهة صحة الكتاب. ومع اعترافنا بأن الفجوة كبيرة حقًا وأنه ليس لدينا إجابة قاطعة عن كل سؤال، إلا أننا نكتشف في كل مرة نتعامل فيها مع اتهام الكتاب المقدس بالتناقض أن الأمر يحتاج ألا نأخذ بالظاهر، بل أن نتعمق –ولو قليلاً– في البحث، لكي نحكم حُكمًا عادلاً.

ما هي الأناجيل؟

الأناجيل هي تسجيل لحياة المسيح وتدخل تحت تصنيف كُتُب السيرة (biography genre). وهي ليست من اختراع البشيرين الأربعة، لكنها كُتبت بما يتسق مع مثيلاتها من ذلك العصر من حيث الطول والمحتوى والانتقائية.

كانت سِيَر العظماء تهتم في المقام الأول بالحياة العامة للشخص، مثل السيرة الذاتية ليوسيفوس (٩٩ م)، وسِيَر المؤرخ اليوناني بلوتارخ (٩٠-١٠٠ م)، والمؤرخ الروماني سوتونيوس (١٢٠ م)[1]. وبسبب تركيزها على الحياة العامة للشخص المعني، ومحدودية طولها الذي كان يتحدد بطول السفر الذي كانت تُكتب عليه، كانت السِيَرُ بطبيعتها انتقائية، تذكر فقط ما يراه الكاتب هامًا.

كما لم تكن تهتم دائمًا بالترتيب الزمني للأحداث، بل كانت تعيد ترتيبها بما يخدم الصورة التي يرغب كاتب السيرة في رسمها لذلك الشخص. هذه الطبيعة الانتقائية تجعلنا نجد في بعض كتب السيرة أنسابًا عندما يوافق ذكرُها هدفَ الكاتب، وهو ما فعله متى ولوقا، ولا نجدها في البعض الآخَر، مثل مرقس ويوحنا. بل وتجعل سلسلة النسب نفسها انتقائية من جهة مَن تذكر ومَن لا تذكر.

هذه الطريقة في التوثيق غريبة علينا نحن أبناء العالم الحديث، إذ أننا نفترض أن التأريخ موضوعي وشامل، وله معايير أكاديمية واضحة (والتي لم تكن موجودة قبل مئتي عام). وهذا ببساطة لم يكن واقع الحال في العالم القديم. لذلك من المهم أن نقرأ الأناجيل من خلال عيون زمنها قدر استطاعتنا.

الانتقائيّة والموضوعيّة

أخيرًا، أجيب باختصار عن سؤالين هامين قبل الانتقال للحديث عن سلسلة النسب. هل الانتقاء في حد ذاته خطأ؟ وهل كل تأريخ هو حقًا تأريخ موضوعي؟

من حيث المبدأ فكل توثيق تاريخي هو تأريخ انتقائي بدرجة ما، ولو كان فقط بسبب محدودية المؤرخ والمصادر. وافتراض أن التأريخ هو عملية موضوعية ومحايدة تمامًا وليست مُهدَّفة، هو افتراض غير واقعي إن لم يكن ساذجًا. ويكفي أن يشاهد المرء خمس دقائق من فيلم وثائقي يخالف رأيه في أي موضوع ليدرك ذلك.

المشكلة ليست في انتقائية التوثيق أو في وجود غرض للكاتب، بل فيما إن كان ما ينقله الكاتب حق أم باطل، وهل يرغب في إرشاد قارئه أم في تضليله.

لا توجد لدينا مشكلة على الإطلاق في أن نقول أنَّ البشيرين أعطونا أربع سجلات انتقائية ذات أهداف لاهوتية لحياة المسيح. بل إننا نفرح بتلك العطية الإلهية. لأن هدفهم الأساسي جميعًا –وهدف الروح القدس الذي كتب بهم– كان أن نؤمن بيسوع كابن الله الذي تجسد لكي تتحقق فيه كل وعود الله، ولكي تكون لنا إذا آمنا حياة باسمه (يوحنا ٣٠:٢٠-٣١). وإن كانوا قد وصلوا إلى ذلك الهدف من طرق مختلفة بحسب القارئ المُستهدف بكتاباتهم.

أسباب الاختلاف

لا بد أن نتوقع أن تتزايد صعوبة تلاقي القارئ المعاصر مع الكاتب القديم عند سجلات الأنساب لأنها تختصر آلاف السنين في فقرة واحدة. فإذا وضعنا القائمتين جنبًا إلى جنب نجد أنهما تشتركان في نسب يسوع لداود، ولإبراهيم، وفي جميع الأسماء من إبراهيم إلى داود، وفي ذِكر زربابل وأبيه شألتِئيل.

إلا أنهما تختلفان في أن قائمة لوقا ترجع حتى آدم وتشمل ٥٧ اسمًا، بينما قائمة متى تبدأ من إبراهيم وتشمل ٤١ اسمًا. وتختلفان في جميع الأسماء من يوسف رجل مريم العذراء إلى زربابل، ومن شألتئيل إلى داود.

تُمثّل الأسماء الرئيسية المشتركة نقاطًا محورية في عمل الله الفدائي في التاريخ البشري: فإبراهيم هو مَن تلقى الوعد الإلهي بالنسل الذي سيبارك كل أمم الأرض وهو أبو اليهود (تكوين ١٥). وداود هو الملك الذي أعطاه الله عهدًا بأن من نسله سيأتي المسيا الذي سيملك، لا على إسرائيل فقط، بل على كل العالم (صموئيل الثاني ٧). أما زربابل الذي كان حاكم يهوذا بعد الرجوع من السبي، فيُذَكّر القارئ بأن الله لا زال يعمل برغم فشل شعبه الذي أدى به إلى السبي البابلي في المقام الأول. أي أن القصد من إدراج أسماء تلك الشخصيات الرئيسية هو أن يفهم القارئ أن الله لم يفشل في تتميم مواعيده بسبب فشل شعبه، وأن الوقت قد حان لكي تتم هذه المواعيد في يسوع.

نقاط ضرورية لتقليل الفجوة

لماذا إذًا الاختلافات، وكيف نفسر وجودها؟ هناك أولاً بعض النقاط الضرورية لتقليل الفجوة بين متى ولوقا من جهة، وبيننا من الجهة الأخرى.

  1. يبدأ متى سلسلة النسب بإبراهيم. لأنه يكتب للقارئ اليهودي الذي يهمه جدًا أن يعرف إن كان يسوع هذا من نسل إبراهيم، لكي يقبله كالمسيا المنتظر. بينما يكتب لوقا في الأساس للأمم. ويرجع بسلسلة النسب إلى آدم الذي دخلت به الخطية إلى العالم. لكي يقول أن يسوع هو مُخلّص وملك الجميع، وليس فقط مسيا اليهود. وهو ما يتسق مع ما نعرفه عن لوقا الذي كان رفيقًا لبولس رسول الأمم.
  2. عند قوله أن فلانًا “وَلَدَ” علانًا، يستخدم متى كلمة ἐγέννησεν. لكن هذا لا يعني في كل مرة أن فلان هو أبو علان، أي أنه الجيل السابق له مباشرة كما نفهم الآن هذه الكلمة؛ بل قد يكون أحد أجداده. فعلى سبيل المثال عندما يقول أن “دَاوُدُ الْمَلِكُ وَلَدَ سُلَيْمَانَ” فهو يعني أن داود كان أبو سليمان مباشرة. بينما عندما يقول أن “يُورَامُ وَلَدَ عُزِّيَّا”، فهو يقصد أن عُزيا هو حفيد أخزيا ابن يورام، وهذا يقودنا إلى النقطتين التاليتين.
  3. قلنا سابقًا أن هناك بالضرورة بعض الانتقائية في كتب السيرة وأحيانًا في سجلات النسب. وقد حذف متى ثلاثة أجيال من قائمته بين يورام وعزيا هم: أخزيا ويورام وأمصيا (أخبار الأول ١١:٣-١٢). وبالرغم من أنه لا يذكر السبب، إلا أننا يمكننا أن نستنتج أنه حذف الأسماء المرتبطة بعائلة آخاب ملك أسرائيل التي عبدت البعل بدل الرب، والذي استبدله الرب بياهو لفترة أربعة أجيال–وهي الثلاثة أجيال المحذوفة، بالإضافة إلى عثليا بنت آخاب (انظر ملوك الثاني ١٨:٨، ٢٦؛ ٣٠:١٠).
  4. قائمة لوقا تشمل جميع الأسماء الفعلية التي تنسب المسيح إلى داود عن طريق ابنه ناثان، بينما قائمة متى مختصرة وتنسب المسيح إلى داود عن طريق ابنه سليمان.

لماذا اختار متى ولوقا مسارين مختلفين؟

لماذا إذًا يختار متى ولوقا مسارين مختلفين من المسيح إلى داود؟ يعطينا متى نسب المسيح الملكي عن طريق زوج أمه يوسف، والذي كان ابنًا لداود عن طريق سليمان الملك. بينما يسرد لوقا نسب المسيح الفعلي عن طريق أمه مريم، والتي كانت أيضًا ابنة لداود، ولكن عن طريق ابنه ناثان.

فبينما كان متى ولوقا في منتهى الحرص على تأكيد ميلاد المسيح العذراوي المعجزي، إلا أن النسب اليهودي كان دائمًا عن طريق الرجل، وكان من المقبول قانونيًا أن يُنسَب المرء إلى زوج أمه، كما فعل متى. بينما سرد لوقا نسب المسيح مباشرة عن طريق العذراء مريم. بهذا المفهوم تكون القائمتان متكاملتين بدلاً من أن تكونا متناقضتين.

بعض الاعتراضات الأخرى

بالطبع تواجهنا هنا بعض الأسئلة:

1. لماذا نقول أن قائمة متى هي لعائلة يوسف؟

يقول متى أن “يُوشِيَّا وَلَدَ يَكُنْيَا وَإِخْوَتَهُ عِنْدَ سَبْيِ بَابِلَ” (متى ١١:١). وبسبب شر يكنيا قضى الرب ألا يكون ملك من نسله (إرميا ٣٠:٢٢). لا يمكن إذًا أن تكون مريم من نسل يكنيا، لكن يمكن ليوسف زوجها أن يكون من نسل يكنيا لأن يسوع لم يولد من يوسف، بل من مريم وهي عذراء.

2. لماذا يذكر متى أن يوسف هو ابن يعقوب، بينما يقول لوقا أنه ابن هالي؟

صحيح أن متى قال أن “يَعْقُوبُ وَلَدَ يُوسُفَ رَجُلَ مَرْيَمَ الَّتِي وُلِدَ مِنْهَا يَسُوعُ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ”، إلا أن لوقا لم يقلْ أن يوسف هو ابن هالي، ولم يستخدم في الأصل كلمة “ابن” في قائمته سوى في العبارة الأولى: “[يسوع] عَلَى مَا كَانَ يُظَنُّ ابْنَ يُوسُفَ”.

لكن استخدم لوقا حالة لغوية في اليونانية تشبه المضاف إليه في العربية وتعني: “المنسوب إلى” أو “الذي مِن”. يمكننا إذًا أن نقرأ قائمته كالتالي: “وَلَمَّا ابْتَدَأَ يَسُوعُ كَانَ لَهُ نَحْوُ ثَلاَثِينَ سَنَةً، وَهُوَ عَلَى مَا كَانَ يُظَنُّ ابْنَ يُوسُفَ، [المنسوب إلى] هَالِي، [الذي من] مَتْثَاتَ، [الذي من] لاَوِي… [الذي من] آدَمَ، [الذي من] اللهِ”.

يوسف إذًا هو ابن يعقوب، كما قال متى، لكنه نُسِب لهالي؛ أي حُسِبَ له ابنًا حسب الشريعة التي سمحت بذلك في حالة الرجل الذي يموت دون أن يكون له وريثٌ ذكر لإبقاء الميراث داخل السبط (عدد ١:٢٧-١١؛ ١:٣٦-١٢). وذلك في الأغلب لأن هالي لم يكن له أولاد، بل كانت له ابنتان فقط هما مريم العذراء وأختها (يوحنا ٢٥:١٩).

هناك إذًا أسباب تاريخية وثقافية وكتابية وراء الاختلافات يمكننا الوقوف عليها، إن قمنا ببعض البحث، والذي يكشف ليس فقط أن الكتاب المقدس خالٍ من الخطأ، بل يؤكد لنا أن كلمة الله لا تسقط؛ إذ أتى المسيح حقًا من نسل إبراهيم وداود دون أن يأتي من يكنيا الشرير، وأتى مُخلصًا لا لليهود فقط، بل لكل العالم الذي سبق وسقط في آدم.


[1] Lancaster, L. (n.d.). The Gospels are Ancient Biographies. Retrieved December 2021, from St. Peter Institute: https://www.stpeterinstitute.com/post/the-gospels-are-ancient-biographies

شارك مع أصدقائك

ق. هاني موسى

يدرس ماجستير الدراسات الكتابيّة واللاهوتيّة بكليّة اللاهوت المعمدانيّة الجنوبيّة بولاية كنتاكي الأمريكيّة.