الكنيسة: الجامعة والمحلية

التعريف

الكنيسة الجامعة هي جماعة سماوية وأخروية تضم كل من ينتمي إلى عهد المسيح الجديد وملكوته – من الماضي والحاضر والمستقبل. أما الكنيسة المحلية، فهي جماعة من أعضاء العهد الجديد ومواطني الملكوت، يشهد كل واحد فيها للآخر بأنه يتبع المسيح، ويُعرَفون ويتميزون باجتماعهم المنتظم باسم يسوع، من خلال كرازة الإنجيل والاحتفال بالفرائض المُقدسة.

الملخّص

الكلمة التي يُترجمها العهد الجديد إلى “كنيسة” هي (ekklesia) وتعني “جماعة”، ويقدّم العهد الجديد تصورًا لنوعين من الجماعات: واحدة في السماء، وأخرى (أو عدّة جماعات) على الأرض. هذان النوعان هما الكنيسة الجامعة والكنائس المحلية، على التوالي. وأن يُصبح الإنسان مسيحيًا يعني أن يصير عضوًا في الكنيسة الجامعة، حيث يُقيمنا الله مع المسيح ويُجلسنا معه في السماويات. لكن عضويتنا في الجماعة السماوية يجب أن تتجلى على الأرض، وهو ما يفعله المؤمنون من خلال اجتماعهم معًا باسم المسيح، بكرازة الإنجيل، وتأكيدهم المتبادل لانتمائهم له من خلال ممارسة الفرائض المُقدسة. بمعنى آخر، الكنيسة الجامعة السماوية تُنتج الكنائس المحلية الأرضية، وهذه بدورها تعكس الكنيسة الجامعة وتُجسّدها. مال بعض المؤمنين، عبر التاريخ، إلى التركيز على الكنيسة المحلية أو الكنيسة الجامعة مع إهمال الطرف الآخر، لكن الموقف الكتابي يدعو إلى التوازن بين الاثنين. هذا الموقف يتضمّن أن يسعى المؤمنون إلى النموّ بالتلمذة الفردية وسط كنيسة محلية، لكنها كنيسة منفتحة على الشراكة مع كنائس أخرى.


استخدامان لكلمة “كنيسة”

ما هي الكنيسة بالضبط؟ قد يجد المسيحي حديث الإيمان الذي يبدأ في قراءة الكتاب المقدس نفسه في حيرة وهو يحاول الإجابة عن هذا السؤال. ففي صفحة ما، يقول يسوع إنه سيبني كنيسته، وإن أبواب الجحيم لن تقوى عليها (متى 16: 18). وهنا قد يستنتج المؤمن المسيحي حديث الإيمان، بشكل صحيح، أن يسوع يتحدث عن كنيسة شاملة، تتكوّن من عدد كبير من الأعضاء من جميع أنحاء العالم، وعبر قرون من الزمن. ثم، وبعد بضع صفحات، يواجه هذا المؤمن، حديث الإيمان، قول يسوع لتلاميذه إنه عليهم أن يلجئوا ويخبروا “الكنيسة” إذا لم يتم التعامل مع خطية ما (متى 18: 17). وهنا يبدأ يتساءل: هل الكنيسة هي في الواقع جماعة محدّدة من الناس لها مكان معيّن؟

والأمر نفسه يظهر في رسائل بولس، حيث نجد استعمالين مختلفين لكلمة “كنيسة”. ففي لحظة ما، يتحدث بولس عن “حِينَ تَجْتَمِعُونَ فِي الْكَنِيسَةِ”، وكأنها جماعة محلية (1 كورنثوس 11: 18). ثم في الآية التالية تقريبًا، يكتب: “فوَضَعَ اللهُ أُنَاسًا فِي الْكَنِيسَةِ: أَوَّلًا رُسُلًا، ثَانِيًا أَنْبِيَاءَ، ثَالِثًا مُعَلِّمِينَ…” (1 كورنثوس 12: 28)، وكأنه يتحدث عن كيان أوسع بكثير.

ما يكتشفه هذا المؤمن حديث الإيمان، بطبيعة الحال، هو أن الكتاب المقدّس يستخدم كلمة “كنيسة” بمعنيين: كنيسة جامعة وكنيسة محلية.

على المستوى اللغوي الأساسي، فإن الكلمة اليونانية ekklesia، والتي تُترجم إلى “كنيسة” في الترجمات الإنجليزية والعربية، تعني “جماعة”. ومع ذلك، يستخدم الكتاب المقدّس هذه الكلمة للإشارة إلى نوعين من الجماعات: واحدة سماوية، وأخرى أرضية. ويُطلقالمسيحيون على هذين النوعين اسم “الكنيسة الجامعة” و”الكنيسة المحلية”، على التوالي.

الكنيسة الجامعة — جماعة سماوية

يجب أن تكون الكنيسة الجامعة هي أول ما يتبادر إلى ذهننا، لأن الناس “ينضمون” إلى هذه الكنيسة أو الجماعة السماوية عبر إيمانهم بالمسيح.

فالخلاص، في جوهره، هو خلاص عهدي. فبموجب العهد الجديد، اقتنى يسوع المسيح لنفسه ليس فقط أفرادًا، بل شعبًا، وذلك من خلال حياته، وموته، وقيامته. غير أنه باتحاده بهذا الشعب، جعلهم أيضًا في اتحاد بعضهم ببعض. استمع إلى كيف يعبّر الرسول بطرس عن ذلك:

الَّذِينَ قَبْلًا لَمْ تَكُونُوا شَعْبًا، وَأَمَّا الآنَ فَأَنْتُمْ شَعْبُ اللهِ.

الَّذِينَ كُنْتُمْ غَيْرَ مَرْحُومِينَ، وَأَمَّا الآنَ فَمَرْحُومُونَ. (1بطرس 2: 10؛ راجع أيضًا أفسس 2: 1–21).

يضع بطرس السطر الثاني، المتعلّق بنَيل رحمة الله المُخلِّصة، بالتوازي مع السطر الأول، الذي يتحدث عن صيرورتنا شعبًا لله. وهذان الأمران قد حدثا معًا.

إن أحد الاستعارات اللاهوتية المحورية للخلاص هي التبني (رومية 8: 15؛ غلاطية 4: 5؛ أفسس 1: 5). فأن يتبنّاك أب وأم يعني أنه يُصبح لديك مجموعة جديدة من الإخوة والأخوات. وهذه هي الكنيسة الجامعة، إنها كل الإخوة والأخوات الجدد الذين نلناهم من مختلف الأزمان ومن جميع أنحاء العالم، والذين ينتمون إلى شعب العهد الجديد.

لكن لماذا نقول إن الكنيسة الجامعة موجودة في السماء؟ يقول بولس أن الله قد “أَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” (أفسس 2: 6؛ راجع أيضًا كولوسي 3: 1، 3)، وذلك بموجب أنه خلّصنا بنعمته.

باتحادنا مع المسيح، نحن جالسين في السماويات، أي أن لنا مقامًا وموضعًا في عرش الله السماوي. وجميع الامتيازات والحمايات المرتبطة بذلك الموضع صارت لنا، لأننا أبناء الملك وبناته. نحن هناك بالفعل. لكن بولس يُكمل بأننا لم نُصالَح فقط مع الله على المحور العمودي، من خلال القيامة والجلوس معه في السماويات، بل أيضًا على المحور الأفقي، إذ يقول: “وأمّا الآن، فَفِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، أَنْتُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ قَبْلًا بَعِيدِينَ، صِرْتُمْ قَرِيبِينَ بِدَمِ الْمَسِيحِ… لأَنَّهُ هُوَ سَلاَمُنَا، الَّذِي جَعَلَ الْاثْنَيْنِ وَاحِدًا” (أفسس 2: 13–14). ومعنى ذلك: إن كنت جالسًا مع المسيح في السماويات، فأنت جالس أيضًا مع كل من هم جالسون هناك. هذه هي الجماعة السماوية، أو الكنيسةالجامعة، التي يتوسّع بولس في الحديث عنها في الاصحاحات التالية (أفسس 3: 10، 21؛ 5: 23–32).

ويُلقي كاتب الرسالة إلى العبرانيين الضوء على هذا الموقع السماوي لهذه الجماعة بوضوح أكبر أمام قرّائه من المسيحيين:

بَلْ قَدْ أَتَيْتُمْ إِلَى جَبَلِ صِهْيَوْنَ، وَإِلَى مَدِينَةِ اللهِ الْحَيِّ. أُورُشَلِيمَ السَّمَاوِيَّةِ، وَإِلَى رَبَوَاتٍ هُمْ مَحْفِلُ مَلاَئِكَةٍ، وَكَنِيسَةُ أَبْكَارٍ مَكْتُوبِينَ فِي السَّمَاوَاتِ، وَإِلَى اللهِ دَيَّانِ الْجَمِيعِ، وَإِلَى أَرْوَاحِ أَبْرَارٍ مُكَمَّلِينَ، وَإِلَى وَسِيطِ الْعَهْدِ الْجَدِيد (عبرانيين 12: 22–24).

ومرة أخرى، قد نتساءل كيف يمكن للقدّيسين على الأرض أن يكونوا مجتمعين في السماء الآن؟ لقد تم تبريرهم، أمام عرش الله، وجُعِلوا كاملين بفضل العهد الجديد في المسيح. وهناك، في السماء، يحسب الله جميع قدّيسيه، أحياءً وأمواتًا، على أنهم أصحاب مكانة حقيقية وثابتة.

وفوق ذلك، فإن هذه الجماعة السماوية تُمهِّد للجماعة الأخيرة في نهاية الأزمنة، حيث يجتمع كل القدّيسين الذين عاشوا في كل زمان حول عرش الله — ما يُسميه الرسول يوحنا بـ”جَمْعٌ كَثِيرٌ لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَعُدَّهُ، مِنْ كُلِّ الأُمَمِ وَالْقَبَائِلِ وَالشُّعُوبِ وَالأَلْسِنَةِ، وَاقِفُونَ أَمَامَ الْعَرْشِ وَأَمَامَ الْخَرُوفِ” (رؤيا 7: 9). ولهذا السبب، يُشير اللاهوتيون إلى الكنيسة الجامعة بأنها ليست فقط جماعة سماوية، بل أيضًا جماعة أخروية (أي خاصة بنهاية الأزمنة).

تعريف 1: الكنيسة الجامعة هي جماعة سماوية وأخروية، تتكوّن من جميع من ينتمون إلى عهد المسيح الجديد وملكوته — من الماضي، والحاضر، والمستقبل.

هذه هي الكنيسة التي وعد يسوع أن يبنيها في متى 16. إنها جسد المسيح الكامل، وعائلة الله، وهيكل الروح القدس. والعضوية فيها تأتي مع نوال الخلاص.

الكنيسة المحلية — جماعة أرضية

لكن عضوية المسيحي السماوية في الكنيسة الجامعة ينبغي أن تظهر وتتحقّق على الأرض، تمامًا كما ينبغي أن يُترجم البرّ المنسوب لنا في المسيح إلى أعمال برّ في حياتنا العملية (يعقوب 2: 14–26). فعضويتنا في الكنيسة الجامعة تعبّر عن واقعً “مكاني”، أي مكانة أو وضع سماوي أمام العدل الإلهي. وهذا الواقع حقيقي بقدر أي شيء آخر في الكون المنظور أو خارجه. ومع ذلك، يجب على المسيحيين أن يُظهِروا هذه العضوية العالمية بشكل عملي، بأن “يلبسوهاويجسّدوها ويعيشوها، تمامًا كما يدعونا بولس إلى أن “نلبس” برّنا المكاني من خلال أعمال البرّ الفعلية (أفسس 4: 24؛ كولوسي 3: 10، 14).

بمعنى آخر، لا يمكن أن تبقى عضويتنا في جسد المسيح السماوي والجامع فكرة مجردة. إن كانت حقيقية، فلا بد أن تتجسّد على الأرض — في زمان حقيقي، ومكان حقيقي، وبين أناس حقيقيين، بأسماء حقيقية مثل: بيتي وسعيد وجمار؛ أناس لا نختارهم نحن، بل يدخلون حياتنا، يُزعجوننا أحيانًا، يُخيّبون آمالنا أحيانًا، لكنهم أيضًا يُشجّعوننا ويساعدوننا على اتّباع المسيح. إن عضويتنا في الكنيسة الجامعة يجب أن تصبح مرئية في جماعة المؤمنين المحلية.

لتلخيص العلاقة، يمكننا القول أن الكنيسة الجامعة تُثمر كنائس محلية، بينما تقوم الكنائس المحلية بإثبات وجود الكنيسة الجامعة، وتقديم الدليل عليها، وتجسيدها، بل وحتى حمايتها، على النحو التالي:

لتتأمل فيما يعنيه هذا: إن قال شخص إنه ينتمي إلى الكنيسة، بينما لا علاقة له بأي كنيسة، فيحق لنا أن نتساءل عمّا إذا كان فعلاً ينتمي إلى الكنيسة، تمامًا كما نتساءل عن شخص يدّعي أن له إيمانًا، ولكن لا أعمال له.

الكنيسة المحلية هي المكان الذي نرى فيه الكنيسة الجامعة، ونسمعها، ونتفاعل معها بشكل مباشر — ليس بجملتها، بل كتعبير عنها.

إنها مركز أرضي، مرئي للجماعة السماوية. إنها أشبه بآلة زمن جاءت من المستقبل، لتُقدّم لمحة مسبقة عن تلك الجماعة في نهاية الأزمنة.

الاجتماع والتأكيد المتبادل والكرازة والفرائض

بشكل أكثر تحديدًا، تصبح الكنيسة الجامعة كنيسة محلية — أي تُصبح مرئية — من خلال: (١) اجتماع أو تجمع منتظم لمجموعة من الأشخاص، (٢) يؤيدون ويثبتون بعضهم البعض كمؤمنين، (٣) من خلال كرازة الإنجيل، (٤) وممارسة المعمودية والعشاء الرباني.

دعونا نرجع خطوة ونوضح الأمر. لكل أمة أو مملكة وسيلة لتحديد مواطنيها. اليوم، تستخدم الدول جوازات السفر والحدود. أما إسرائيل القديمة، فكانت تستخدم الختان وحفظ السبت كعلامتين للعهدين الإبراهيمي والموسوي على التوالي. الكنيسة ليست حاليًا مملكة أرضية ذات سيادة، ومع ذلك فإن هذه المملكة السماوية بحاجة أيضًا إلى طريقة ما لتأكيد هوية مواطنيها أيضًا على الأرض. فكيف يتم ذلك؟ كيف يعرف المواطنون السماويون هويّتهم، سواء من أجل أنفسهم أو من أجل الأمم؟

للإجابة عن هذا السؤال، قدّم يسوع علامات عهدية لأعضاء العهد الجديد: علامة الدخول وهي المعمودية، حيث يُعمَّد الناس باسمه (متى ٢٨: ١٩)؛ والعلامة المستمرة وهي العشاء الرباني، الذي من خلاله يشهدون كل منهم للآخر بأنه عضو حقيقي في جسد المسيح. (١ كورنثوس ١٠: ١٧). لم يكتفِ يسوع بذلك، بل منح الكنائس المحلية السلطان لتعلن أن أعضاءها مواطنين في ملكوته— لتشهد وتؤكد أن علامات العهد على أولئك الأشخاص، كما لو أن مدرّبًا يوزّع قمصان الفريق على لاعبيه. ومن أجل هذا، منح الله الكنيسة مفاتيح الملكوت لتربط وتَحلّ على الأرض ما هو مربوط ومحلول في السماء (متى ١٦: ١٩؛ ١٨: ١٨). هذا يعني أن للكنائس السلطان لإصدار أحكام تتعلق بماهية جوهر الإنجيل ومَن يُعلنونه — أي العقيدة والمُعترفون بها. وبموجب هذه المفاتيح، فوّض يسوع الكنائس لتقول: “نعم، هذا هو إعلان الإيمان الذي نؤمن به، والذي يجب أن تؤمنوا به لتكونوا أعضاء في الكنيسة.” وأن تقول: “نعم، هذا مُعترف حقيقي بهذا الإيمان. سنعمّده وندخله في عضوية الكنيسة.” أو: “سنعزل هذا الشخص من العضوية ومن مائدة الرب بسبب خطية لم يتب عنها.”

بعبارة بسيطة، أعطى يسوع هذه الجماعة المجتمعة مفاتيح الملكوت لكي تكتب إعلانات إيمان، وتملأ قوائم العضوية.

تعريف ٢: الكنيسة المحلية هي جماعة من أعضاء العهد الجديد ومواطني الملكوت، يؤيدون بعضهم بعضًا، ويُعرَفون باجتماعهم المنتظم باسم يسوع من خلال كرازة الإنجيل وممارسة الفرائض.

يصف يسوع هذه الكنيسة المحلية المجتمعة في متى ١٨. باعتبارها تعبيرًا عن جسد المسيح، وعائلة الله، وهيكل الروح القدس.

تاريخ الكنيسة المبكر: الميل نحو الكنيسة الجامعة

على امتداد تاريخ الكنيسة، ركّز الأفراد والتقاليد المختلفة على أحد الجانبين: إما على الكنيسة الجامعة أو الكنيسة المحلية.

في الأجيال الأولى التي تلت الرسل، تم توجيه التركيز — وبشكل سليم — إلى الجانبين معًا، على الأقل كما يتّضح من الرسائل المبكّرة الموجّهة إلى الكنائس وقادتها، التي كتبها رعاة مثل اكليمنضس الروماني وإغناطيوس. كما تشير وثيقة الديداخي من القرن الثاني إلى الأمر نفسه، إذ تُظهر تركيزًا مزدوجًا: من جهة على الجوانب العملية لحياة الكنيسة المحلية، ومن جهة أخرى على أمانة المؤمنين المسيحيين بشكل عام.

ومع ذلك، كما يميل بعض الناس أحيانًا إلى نقل وزنهم من الوقوف على القدمين إلى الاتّكاء على قدم واحدة، كذلك بدأت كتابات آباء الكنيسة، في القرون الثالث والرابع والخامس، تُظهر تركيزًا متزايدًا على الكنيسة الجامعة — وإنْ كان ذلك في إطار مؤسسي. وكانت هناك أسباب تاريخية لذلك؛ إذ ظهرت في تلك الفترة عدد من البدع اللاهوتية. كذلك، انقسمت الكنائس حول كيفية التعامل مع المسيحيين (وخاصة الأساقفة) الذين أنكروا المسيح تحت وطأة الاضطهاد، ثم طلبوا العودة إلى الكنيسة. هذه التحديات الرعوية دفعت شخصيات مثل قبريانوس وأغسطينوس للتأكيد على أهمية الاتحاد بالكنيسة الواحدة، المقدسة، الرسولية، والجامعة — أي الكنيسة الشاملة.

ومع الوقت، بدأ البعض يقول إن الوحدة مع الكنيسة الجامعة الحقيقية تتطلّب الوحدة مع الأسقف الصحيح؛ ثم تطور الأمر لاحقًا إلى القول بأن الوحدة مع الأسقف الصحيح تعني الوحدة مع أسقف روما، أي البابا. بمعنى آخر، تحوّلت الكنيسة الجامعة إلى واقعًا أرضيًا بقدر ما هي حقيقة سماوية، فقد ارتبطت بالهياكل المؤسسية التي تُوحّد الكنيسة على المستوى العالمي، بصورة رسمية — وتحديدًأ نظام الأسقفية الذي يُفترَض أنه يمتد تاريخيًا من بطرس ويتمحور حول السلطة البابوية.

كسر الإصلاح البروتستانتي هذا النمط السائد من خلال تقديم مفهوم روحي أكثر شمولية. وقد أكد المُصلحون أيضًا على أهمية وجود هياكل خارجية في حياة الكنيسة، لكنهم بدأوا يُميّزون بين الكنيسة المنظورة والكنيسة غير المنظورة. وقد جادلوا بأن الإنسان قد يكون عضوًا في الكنيسة المنظورة دون أن يكون عضوًا في الكنيسة غير المنظورة، أو العكس، لأن الخلاص لا يُنال بطريقة آلية من خلال المعمودية أو العشاء الرباني، بل فقط من خلال الولادة الجديدة والإيمان.

هذا التركيز على الكنيسة غير المنظورة أعاد فعليًا الشمولية لتكون صفة روحية، لا مؤسسية. بمعنى آخر، فإن الكنيسة الجامعة — بحسب هذا المفهوم — ستتجلّى في اليوم الأخير على أنها الكنيسة غير المنظورة المُمتدة عبر الزمان والمكان، وليست هي مجرد كل من اعتبروا أنفسهم أعضاء في كنائس منظورة.

التاريخ الكنسي المتأخر: التوجه نحو الكنيسة المحلية

مع ذلك، ظل أوائل المصلحين مثل لوثر وكالفن وكرانمر، يركزون تفكيرهم على وجود شكل مؤسسي من الوحدة والشمولية (الجامعة). فقد كانت طوائفهم تتّسم بطابع ترابطي، أي أن الكنائس كانت مرتبطة رسميًا وسُلطويًا ببعضها البعض. ومن وجهة نظرهم، كان هذا الارتباط الرسمي شرطًا للوحدة، وبالتالي للشمولية. ولهذا السبب، لم يقتصر مفهوم الكنيسة المنظورة لديهم على الكنيسة المحلية — أي جماعة المؤمنين المجتمعة في مكان معيّن — بل شمل أيضًا الهياكل الهرمية لكنائس الأكبر، سواء كانت مجالس شيوخ شيوخ (presbyteries) أو الأسقفيات (النظم الأسقفية – episcopacies). لذلك أطلقوا على كنائسهم أسماء مثل: “كنيسة إنجلترا” أو “الكنيسة اللوثريةالألمانية”. وليس من المستغرب أن لاهوتهم قد ركّز أيضًا على التمييز بين الكنيسة المنظورة وغير المنظورة بقدر ما شدد – إن لم يكن أكثر- على التمييز بين الكنيسة المحلية والجامعة. إن ممارسة معمودية الرضع، واعتبار الرضع غير المُتجددين ومعاملتهم على أنهم أعضاءً في الكنيسة، زاد من أهمية الحاجة إلى التمييز بين المنظور وغير المنظور؛ إذ أن هؤلاء الأطفال ينتمون إلى الكنيسة المنظورة، لكن ليس إلى الكنيسة غير المنظورة.

لكن بعد عقدين من الإصلاح، أعاد الأنابابتست (أتباع المعمودية الثانية)، ولاحقًا المعمدانيون، مفهوم وحدة الكنيسة الجامعة بالكامل إلى السماء. فقد جادلوا بأن كل كنيسة يجب أن تبقى مستقلة مؤسسيًا، وأن تقتصر فقط على المؤمنين الحقيقيين. وبحسب رأيهم، فإن الكنيسة المنظورة على الأرض هي الكنيسة المحلية فقط، ولا شيء غيرها — أي الجماعة المجتمعة في موقع جغرافي محدد. كانوا يقولون إن “كنيسة إنجلترا” ليست كنيسة، بل هي كيان فوق- الكنيسة (parachurch) أو هيكل إداري يربط بين كنائس متعددة.

لكن وسط التيارات المعمدانية، ظهر خطر معاكس، وهو تحويل كل التركيز إلى الكنيسة المحلية، على حساب الكنيسة الجامعة. فبعض الاتجاهات داخل الكنائس المعمدانية، مثل حركة اللاندماركيين (Landmarkists)  التي ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ذهبت إلى حد الادّعاء بأن الكنيسة المحلية فقط هي الكنيسة التي لو تواجد فعلي، وأنه لا وجود فعلي لكنيسة جامعة. بل إنهم كانوا يرفضون مشاركة العشاء الرباني مع أي شخص ليس عضوًا في كنيستهم المحلية. لحسن الحظ، كانت مثل هذه التوجهات نادرة.

ما كان أكثر شيوعًا في الواقع هو تجاهل الكنيسة الجامعة من الناحية العملية من قِبل بعض قادة الكنائس المتأثرين بعقلية تجارية وتسويقية، لا سيّما في أواخر القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين.

فمثل هذه الكنائس قد تُعلن شفهيًا إيمانها بوجود الكنيسة الجامعة، وقد تشكر الله في عظاتها من أجل المسيحيين في أنحاء العالم. لكن الممارسات الكنسية المستقلة والاعتمادية على الذات تُظهر تجاهلًا فعليًا لهذا البُعد الجامع.

فعقلية السوق تستخدم لغة وأساليب في الخدمة تُروّج فعليًا لـ”الهوية الخاصة” للكنيسة — كما لو أنها علامة تجارية — على غرار مطعم للوجبات السريعة يُسوّق طريقته الخاصة في إعداد الهامبرغر.

وغالبًا ما يؤدي هذا — ولو دون قصد — إلى تنافس الكنائس مع بعضها البعض بدلًا من الشراكة.
فعلى سبيل المثال، بيانات الرؤية والرسالة التي انتشرت في العقود الأخيرة تسلّط الضوء على “تميّز” كل كنيسة، كما لو أن يسوع لم يُعطِ لكل كنيسة نفس مهمة الإرسالية (متى ٢٨: ١٨–٢٠).

ويؤدي هذا التركيز على “التميّز المحلي” بدلًا من “الشراكة العامة” إلى أن تعمل الكنائس بمعزل عن بعضها البعض، لا معًا. فعندما تمتلئ الكنيسة بالحضور، لا يكون رد الفعل الأول هو زرع كنيسة جديدة، بل غالبًا ما يتم إطلاق خدمة ثانية أو موقع جديد. وقد تدعو كنيسة ما راعيًا من بلد آخر ليتحدث ويقدّم طلبات صلاة على المنبر، لكنها لا تفعل الشيء نفسه مع الراعي الذي يخدم في الكنيسة المجاورة في نفس الحي.

وبشكل عام، فإن الذهنية المتمحورة حول التسويق وبناء الهوية المؤسسية لا تُظهر عداءً صريحًا للكنائس الأخرى — كما هو الحال في المنافسة بين مطاعم الوجبات السريعة — لكنها تعني فعليًا إلى تجاهل الكنائس المجاورة بعضها لبعض. والأسوأ من ذلك، أن هذه الكنائس قد وضعت نفسها فعليًا في ساحة تنافس غير مُعلَنة، حيث يجذب الواعظون الأكثر جاذبية، والكنائس ذات الهوية البصرية الأقوى والبرامج الأحدث، الناس من الكنائس المحيطة.

وبالتالي، فإن الشراكة الفعلية بين الكنائس في نفس الحي أو المدينة أصبحت أمرًا نادر الحدوث.

التأكيد على الكنيسة المحلية والكنيسة الجامعة معًا

غير أن الرؤية الكتابية تُحمِّل ثقل الجسد الكنسي على كلتا القدمين — الكنيسة المحلية والكنيسة الجامعة — دون إهمال لأي منهما.

فالكنيسة الجامعة “تظهر” من خلال الجماعات المحلية، كما أوضحت في بداية المقال. ومع ذلك، ينبغي لها أن “تظهر” أيضًا في اتجاه كل كنيسة نحو الشراكة مع كنائس أخرى، تمامًا كما نرى بين كنائس العهد الجديد. فقد تبادلت كنائس العهد الجديد المحبّة والتحيات (رومية 16:16؛ 1 كورنثوس 16:19؛ 2 كورنثوس 13:13، إلخ). وتشاركت في المرسلين والوعّاظ (2 كورنثوس 8: 18؛ 3 يوحنا 5–6أ). وقدّمت دعمًا ماليًا لبعضها البعض بفرح وشكر (رومية 15: 25–26؛ 2 كورنثوس 8: 1–2). واقتدت ببعضها البعض في نمط الحياة المسيحي (1 تسالونيكي 1: 7؛ 2: 14؛ 2 تسالونيكي 1: 4). واهتمّت ببعضها البعض ماليًا وعمليًا (1 كورنثوس 16: 1–3؛ 2 كورنثوس 8: 24). وكانت تصلّي لأجل بعضها البعض (أفسس 6: 18). وغير ذلك الكثير.

قد يختلف المسيحيون اليوم حول ما إذا كان الكتاب المقدّس يقصد أن يُؤسِّس لوحدة مؤسسية أو ارتباط تنظيمي بين الكنائس (وأنا لا أعتقد أنه يفعل ذلك).
لكن كل كنيسة محلية ينبغي أن تُحب الكنيسة الجامعة، من خلال محبتها ودعمها وشراكتها مع كنائس محلية أخرى — بما في ذلك الكنائس الأقرب منها جغرافيًا. ينبغي أن نكون مستعدّين لأن نشارك مائدة الرب مع أعضاء معمَّدين من كنائس أخرى عندما يزوروننا.

كذلك، يجب على كل تقليد طائفي أن يُقِرّ بأن على المؤمنين أن ينضمّوا إلى كنائس محلية، لأن هذه الكنائس المحلية هي الصور المنظورة التي تعبّر عن الكنيسة الجامعة. لقد أرسل وطننا السماوي سفراءه للأرض، وأقام سفاراته هنا والآن. وهذه الكنائس المحلية المجتمعة تمثل نقطة تمهيدية للملكوت، ولمحة مُسبقة، ومجتمعًا سماويًا على الأرض يُجسّد صورة الاجتماع النهائي في حضرة الله. إن كنتَ تنتمي إلى الكنيسة، فستشتاق إلى الانضمام إلى كنيسة. فهي الموضع الذي نُجسِّد فيه إعلاننا، وإيماننا، وشركتنا، وعضويتنا في جسد المسيح.

شارك مع أصدقائك

جوناثان ليمان

شيخ في كنيسة شيفرلي المعمدانية في واشنطن العاصمة ، ومدير تحرير 9 ماركس، وله العديد من المؤلفات باللغة الإنجليزيّة.