في محاضرة ألقاها مؤخراً في مكتبة لانيير اللاهوتية بهيوستن، تحت عنوان: “تجاوز العبارات المبتذلة: تأملات مسيحية في المعاناة والشر”، يقترح دون كارسون ستة أعمدة تدعم الرؤية المسيحية للعالم، وتوفر الثبات في أوقات المعاناة. فيقول:
إن الرؤية المسيحية للعالم ترتكز على أطر لاهوتية ضخمة، راسخة كتابياً؛ وهي أطر يجب قبولها بكليتها وفي كل حين. هذا البناء الضخم يتسم بالثبات والشمول بما يكفي لمنحك قدراً هائلاً من الاستقرار عندما تمر بساعاتك الأكثر حلكة.
بمعنى آخر، فإن هذه “الأعمدة” التي يقترحها ليست مجرد خواطر لطيفة أو عابرة، بل هي حصون منيعة وركائز حاسمة. وإليك هذه الركائز.
1. استبصارات من استهلال القصَّة الكتابيّة
يبدأ الكتاب بقصَّة الخلق. لقد خلق الله عالمًا فائق الجمال، يتميَّز بوجود الخير. جنَّة عدن كانت تمتاز بالنظام، والتناغم، والكمال، والحياة. لكن هذا المشهد لم يدُم طويلًا. بخلاف المبادئ الهندوسيَّة والأديان الأخرى، فإنَّ الكتاب المُقدَّس يؤكِّد أننا نعيش الآن تبعات ما حدث في تكوين 3، في عالم يعج بالخطيَّة والمعاناة، والشر، والفساد، والموت.
وفي تعليقه على تأمل يسوع حول المعاناة في (لوقا 13)، يلاحظ كارسون ما يلي:
“لقد أراد يسوع أن يخبر الناس أن كل المعاناة في العالم، سواء كانت من صنع الإنسان (مثل لوقا 13: 1-3)، أو بسبب كوارث طبيعية (مثل لوقا 13: 4-5)، ليست أمثلة استثنائية لدينونة تقع على أشرار بعينهم، بل هي بالأحرى شواهد على الحقيقة المجرّدة والقاسية: أننا جميعاً واقعون تحت حُكم الموت”.
2. استبصارات من الغاية النهائيَّة من القصَّة الكتابيّة
إنَّ غايةَ رجاءِ المؤمنِ تكمنُ في أنَّ النِّظامَ الخَلائقيَّ —الذي يرزحُ الآنَ تحتَ وطأةِ الاضطرابِ جَرَّاءَ تَبِعاتِ الخطيئةِ، سَيُعادُ تقويمُهُ وإصلاحُهُ يوماً ما (رومية 8: 18-25). ففي المسيح المَلِك، سيغدو كلُّ ما هو محزنٌ في دنيانا غيرَ حقيقيٍّ على نحوٍ مجيد.
لذا، فإن الفهمَ السليمَ لنهايةِ هذه السردية وتوقُّعَها يساعدنا على تجنُّبِ تلك “اليوتوبيا” الساذجة (والمدمرة في نهاية المطاف) التي قد نتبناها الآن. وكما يُذكِّرنا كارسون:
لقد خرجنا لتوِّنا من القرن الأكثر دموية في التاريخ البشري. هذا عالمٌ مُدان. والحياة البشرية لم تكن قط، وليست، ولن تكون يوماً قابلة للكمال ما دمنا نظن أنَّ حلَّ معضلاتنا يكمن فقط في إصلاح سياساتنا.
3. استبصارات من مَقام المعاناة البريئة
يُلاحظ كارسون قائلاً: “إنَّ الأصحاح الثاني والأربعين من سفر أيوب يمثل لبقية السفر ما يمثله الأصحاحان الحادي والعشرون والثاني والعشرون من سفر الرؤيا لبقية سفر الرؤيا؛ فليس الأمر مجرد إرساء للعدل، بل إن العدل يظهر جلياً للعيان وهو يتحقق.”
ولكن، إلى أن يسدل الستار، فإننا نعيش في “شتى أنواع الغموض حيث لا ندرك فكر الله، ولا نجرؤ على التصرف وكأن الله مدين لنا بتفسيرات تفصيلية.
ثمة أوقات يكون فيها أسمى عمل تقويّ يمكننا القيام به هو أن نردد مع أيوب: “إِنْ قَتَلَنِي، فَإِيَّاهُ أَرْجُو” (أيوب 13: 15). وفي الواقع، يشير كارسون إلى أنَّ “الله ينشد ثقتنا بأكثر مما ينشد فهمنا.”
4. استبصارات من سرِّ عناية الله السياديَّة
في هذه النقطة، يحاول كارسون التوفيق بين مسألتين كتابيَّتين شائكتين: (1) أنَّ الله ذو سيادة مطلقة، غير أنَّ سيادته لا تعمل أبداً على الانتقاص من مسؤولية الإنسان؛ (2) أنَّ الرجال والنساء كائنات مسؤولة أخلاقياً، غير أنَّ مسؤوليتهم الأخلاقية لا تجعل الله أبداً خاضعاً للمصادفة أو معتمداً بصفة مطلقة على أفعالهم.
5. استبصارات من مركزيَّة التجسُّد والصليب
لم يؤخذ الله على غِرة في “الجلجثة” (أعمال الرسل 2: 23؛ 4: 27-28). في الواقع، وبسبب سيادته السامية، يمكن للمسيحيين أن يعلنوا أن الصليب كان عرشًا. فبسرٍّ ومجد، ساد يسوع الناصريّ الدامي من حيث كان معلقًا.
وتتفرد المسيحية بكونها معزية للغاية، لأن الإله المسيحي هو الوحيد الذي غاص في أعماق المعاناة التي نختبرها. وهذا ما عبَّر عنه الشاعر إدوارد شيليتو في قصيدته بعنوان “يسوع المجروح”:
وحدها جراح الله تتحدث إلى جراحنا
وليس لإلهٍ جراحٌ سواك أنت وحدك
6.استبصارات من معنى حمل الصليب (كما هو الحال مع الكنيسة المضطهَدة في كل العالم)
على الرغم من أننا غالباً ما نفكر في المعاناة من منظور “السرطان أو الشيخوخة أو الفقر أو الحرب”، يلاحظ كارسون أنَّه عندما يتكلَّم العهد الجديد عن المعاناة فهو يقصد معاناة المؤمنين بسبب إيمانهم (انظر على سبيل المثال: أعمال الرسل 5: 40-42؛ رومية 8: 17؛ فيلبي 1: 29؛ 3: 10؛ 1 بطرس 2: 20-23).
ويُعلِّق كارسون على ذلك بقوله:
لقد شهد العالم من التحولات إلى المسيحية منذ عام 1800 ما يفوق مجموع ما شهده في الـ 1800 عام السابقة مجتمعة، كما سقط من الشهداء المسيحيين منذ عام 1800 ما يفوق مجموع من سقطوا في الـ 1800 عام السابقة مجتمعة. وإلى هذا قد دُعيتُم (1 بطرس 2: 21).
ويؤكد كارسون على أن وجود لاهوتٍ قوي ومتين للمعاناة هو أمرٌ ضروري ولكنه ليس كافياً بمفرده؛ إذ ثمة موقفان إضافيان على الأقل يُميزان المسيحيين الناضجين: (1) الإقرار بالذنب أمام الله: فهم يعترفون بتقصيرهم ويصرخون إليه طلباً للتجديد والنهضة (انظر نحميا 8، 9)؛ (2) المسارعة للتحدث عن صلاح الله المحض.
مما لا شك فيه أنَّ إطار كارسون اللاهوتي ليس بالضرورة هو الشيء الأكثر نفعاً لتقديمه لشخصٍ بدأ للتو في الدخول في “مخاض” معاناة رهيبة. ويتساءل كارسون:
“هل تريد الاستماع إلى هذه المحاضرة وأنت قد شُخِّصت للتو بسرطان من المرحلة الرابعة؟”
بالطبع لا، ولا ينبغي لك ذلك. فلا يمكن المبالغة في تقدير أهمية الحساسية في التعامل الإنساني وتقديم التعاطف الملموس في قلب الأزمة. فعندما تكون الاحتياجات فورية ومادية (مثل: الماء، والأمن، والمأوى)، يجب على شعب الله أن يكون سريع الاستجابة بالمحبة والعمل.
يخلص كارسون إلى أن كل مؤمن سيصنع خيراً لنفسه إذا ما تدبر في هذه الركائز الست على سبيل الوقاية؛ أي قبل أن تأتي أيام السوء. فبذلك وحده، سنكون في أفضل وضع لمواجهة تعقيدات المعاناة بثبات، وتواضع، وتعاطف، وفرح.

