هل يمكن أو هل ينبغي أن نكلِّم أحباءنا الموجودين في السماء؟

راندي ألكورن


تنزيل (PDF)

أحب جدًا هذه الصورة التي رسمها صديقي رون ديسياني (Ron DiCianni)، كي توضع في الكتاب الذي قمنا بتأليفه معًا، بعنوان “أخبرني عن السماءTell Me About Heaven. فكما حملت الملائكة لعازر إلى السماء في الأصحاح السادس عشر من إنجيل لوقا، هكذا أـيضًا كان هذا الشيخ يُنقَل إلى يسوع.

أود أن أجيب هنا عن سؤالٍ طرحه أحدهم في تعليقٍ في المدوَّنة. وأتصور أن قراءً آخرين ربما قرأوا هذا السؤال، وربما كانوا مهتمين بمعرفة إجابته، بما أنه قد طُرح عليَّ مرات كثيرة عبر السنوات الماضية.

كان السؤال كالتالي: من وجهة نظر كتابيّة، هل تكمُن مشكلة في أن نكلِّم أحباءنا الذين رحلوا عنا ليكونوا مع يسوع؟

أولًا، هل هناك احتمال من الأساس أن يَعلَم شخص في السماء ما يَجري على الأرض، وأن يكون قادرًا على سماعنا؟ يفترض كثيرون أن الإجابة هي لا. لكن في الأصحاح السابع عشر من إنجيل متى، كان موسى وإيليا بالفعل يعلمان بوضوح الأحداث التي كانت تجري، حين ظهرا مع يسوع فوق جبل التجلي. وفي الأصحاح الخامس عشر من إنجيل لوقا، تكلَّم يسوع عن فرح يكون قُدَّامَ مَلَائِكَةِ ٱللهِ، ليس لدى الملائكة أنفسهم، بل قدامهم، كلما تاب خاطئ واحد، مما يدلل على أن شعب الله في السماء يفرحون بعمل الله في حياة البشر الموجودين على الأرض. وكي يفرحوا بهذا العمل، من البديهي أن يكونوا على علمٍ به. ويُظهِر لنا نص رؤيا 6: 9-11 منظرًا لشهداءٍ في السماء، كانوا على دراية واضحة بأن الله لم يوقع الدينونة بعد على من اضطهدوهم، ويتساءلون عن سبب هذا. وبالتالي، كان هؤلاء يعلمون بعضًا مما يجري على الأرض.

حسنًا، إن كان ممكنًا أن يسمعنا شخصٌ من السماء، فهل من الصواب أن نكلِّمه نحن؟ أولًا، هناك فرق شاسع بين التحدث إلى شخص ما والصلاة إليه، وإنه لأمر محوري أن نُبقي هذا الفرق واضحًا. حين يصلي الناس إلى مريم العذراء وإلى القديسين، فهم يلتجئون إليهم ويدعوهم باعتبارهم وسطاء، طالبين منهم التدخل وممارسة قوة ما في هذا العالم. لا يوجد أي أساس كتابي لهذا. وبما أن 1 تيموثاوس 2: 5 يقول إن المسيح هو الوسيط الواحد والوحيد بين الله والناس، فإن الصلاة إذن لمن هم في السماء ستكون بمثابة انتهاك لهذا المبدأ. علينا ألا نصلي إلى بشر أو إلى ملائكة، بل فقط إلى الله.

لكن هل تكمُن مشكلة في أن أقول: “لستُ على يقين يا أمي من استماعك إلى هذا، لكن إن كنتِ تسمعينني، فقط أريد أن أشكركِ لأجل اعتنائك بي دائمًا. أحبك وأشتاق أن أراك ثانية، وأتحدث معك، وأن تريني بعض الأماكن الرائعة هناك”.

هذا حديث مع شخص ما؛ لكنه ليس صلاة إليه، أو مطالبته بفعل شيء، أو بممارسة قوة ما، أو بالرد علينا.

فإن السعي إلى استحضار أرواح الأموات، أو الاستماع إلى أرواح الراحلين هو ممارسة سحرية محرَّمة (تثنية 18: 9-14). لكن يختلف هذا كثيرًا عن فعل ما وصفتُه لتوي.

بالنسبة لي شخصيًّا، بدلًا من الحديث إلى أحبائك، أنا أكثر ارتياحًا أن تصلي ببساطة إلى يسوع أو إلى الآب (هناك أمثلة كتابية عن الصلاة إلى كلٍّ منهما)، قائلًا: “يا رب، أيمكنك أن تعانق أمي، وتخبرها بأن هذا العناق مني؟” أعتقد أن والدتي ترى أحيانًا ما يجري هنا، وربما تسمع هذا حين أقوله، لكنني متيقن في المقابل أن الله يسمعني. وأنا على ثقة من أن الله يعمل الأفضل لي. هل هذا منطقي؟

لديَّ بعض الأصدقاء القدامى في السماء، من بينهم جريج وجيري، الذين أفكر فيهم أحيانًا وأطلب من الرب أن يحييهم نيابة عني. وسواء فعل الرب هذا أم لا، فالقرار يعود إليه. لكن كانت علاقاتي بهؤلاء الأخوة هبة من الله، ويومًا ما سأراهم ثانية في محضره. وأعتقد أن الله يسر بشعوري بالارتباط بهم، وهو بالتأكيد يدرك جيدًا روابط الصداقة. فقد دعانا يسوع “أحباءه” (في الإنجليزية “friends” أي “أصدقاءه”). وهو أفضل صديق قد حصلتُ عليه يومًا.

أستطيع أن أدرك كيف يمكن لحديث شخص مع أحبائه الراحلين، حتى وإن كان لا ينتهك الكتاب المقدس (بما أنه لا يصلي إليهم أو يطلب منهم شيئًا) أن يصير شيئًا غير صحي أو مرضيًا. لكن من المستبعَد أن يحدث هذا حين نتكلَّم مع الله عنهم. فهو يدعونا أن نتقدم إليه بكل ما يشغل أذهاننا وقلوبنا. وقطعًا يشغل هذا الشخص المحبوب ذهنك وقلبك. فسواء رحل ابنك أو زوجتك أو زوجك أو أبواك أو أقرب صديق إليك ليكون مع يسوع، يدرك الله رغبتك في أن تشعر بتواصلٍ معهم، وأن ترغب في أن يعرفوا مقدار محبتك لهم، وأنك تفتقدهم كثيرًا، وتشتاق إلى أن تراهم ثانية.

لديَّ كلُّ الأسباب التي تدعوني إلى الإيمان بأن الله سيحترم طلبك بأن ينقل تحيتك الدافئة إلى أحبائك. لكن مرة أخرى، يعود القرار إليه. فأن تطلب من الله شيء، بينما أن تصر عليه شيء آخر تمامًا. فإننا نحن المخلوقات، وهو الخالق. هو الفخاري، ونحن الجبلة. (ويا له من امتياز أن نكون جبلة في يده، وأيضًا أبناءه وبناته).

وهكذا، خلاصة القول، أقول لمَن طرح هذا السؤال إنه طالما لستَ تصلي إلى أحبائك، أو لأجل أحبائك (الذين ليسوا في حاجة الآن إلى صلاة)، بل إلى الله بشأن أحبائك، وبشأن ما تشعر به، ورغبتك في أن يعلَموا شيئًا ما، فأظن أن لا شيء في هذا ينتهك الكتاب المقدس. فقط احترس من أن يتحول هذا إلى أي شيء آخر يتعامل معهم كوسطاء، أو يؤدي إلى هوس مرضي، أو إلى السعي إلى التواصل معهم، وهو الشيء المحرَّم بوضوح.

هذه صورة لوالدتي في منزلنا، تحمل ابنتنا الأكبر كارينا. توفيت والدتي بعد ولادة ابنتنا أنجي بأربعة أشهر فقط. وقد تحدثتُ في عرس ابنتيَّ، في صيف عام 2001 م، معبِّرًا عن اعتقادي بأن جدتيهما تشاهدانهما الآن من السماء. وبما أن والدة زوجتي نانسي كانت كفيفة في سنواتها الأخيرة، فهي كانت ترى العرس آنذاك على نحو لم تكن لتقدر أن تراه قبل وفاتها.

لديَّ اعتقاد راسخ بصحة هذا؛ لكن حتى إن كنت مخطئًا (فإنني بالتأكيد لا أستطيع أن أعرف بالتحديد متى يسمح الله للناس برؤية الأحداث على الأرض ومتى لا يسمح لهم بهذا)، لن أكون مخطئًا إن صليتُ قائلًا: “يا رب، من فضلك أخبر أمي بأن حفيدتيها الغاليتين تحبانها من كل قلبهما، وأنهما تزوجتا من رجلين يحبانهما أيضًا. سيعني هذا الكثير لها”.

أعتقد أن والدتي تعلم هذا على أية حال، وأنها تستمع برؤية عمل الله في حياة أحفادنا، أي أبناء أحفادها الذين لم تتمكن بعد من معانقتهم. (يبدو أمرًا عجيبًا بالنسبة لي أن كثيرين جدًا يفترضون أن مَن في السماء يجهلون ما يجري هنا على الأرض حيث تتكشف الدراما العظيمة للفداء تدريجيًا — ألا نعتقد أنهم سيكونون أكثر استنارة بهذا، لا أقل؟).

ومع هذا، لا بأسَ أن نطلب من الله، واهب العلاقات المميَّزة والخاصة. فهو سخي ومتفهِّم لأفكارنا ومشاعرنا، ويدرك جيدًا مقدار محبتنا للأشخاص الأعزاء الذين وضعهم في حياتنا.

 

تمت ترجمة ونشر هذا المقال بالاتفاق مع هيئة “Eternal Perspective Ministries“.