هل يمكننا أن نعرف الحق؟

ريتشارد د. فيليبس


تنزيل (PDF)

يسألوننا البعض هذا السؤال: ألن يكون من الأفضل أن نقف مع غير المؤمنين المحيطين بنا على أرضيّة مشتركة موضوعيّة معرفيّة (ايبستمولوجيّة)؟ ونجيب على هذا بأنه لا يمكن أن توجد مثل هذه الأرضيّة المشتركة الموضوعيّة إلا إن تطلب هذا في الوقت ذاته تجاهل المسيحيين لربوبيّة وسيادة يسوع. بكل أمانة وصدق لا يمكننا أن نفعل هذا. وهكذا ألم يتبق لنا ما نقوله سوى هذا الرد المرسلي المحبط: “كي تفهم لابد أن تولد ثانية”؟ لا أبدًا! فكما أننا نحن المسيحيين لدينا رسالة إنجيل نقدمها للعالم، هكذا أيضًا لدينا إجابات على أسئلة هامة بخصوص المعرفة وبخصوص الحق، وهذه الإجابات مركزيتها الله والمسيح.

أزمة الحق في هذه الأيام:

نحن نعيش في فترة زمنية تمتاز بالتوتر بين نموذجين أو نظريتين بشأن معرفة الحق: الحداثة وما بعد الحداثة. فقد تقدمت حركة الحداثة وتطورت على مدى أجيالٍ كثيرةٍ بناء على القناعة الراسخة بأن المنطق البشري المستقل يمكن أن ينجح وحده دون أي مساعدة في توسيع نطاق معرفته وتطبيق الحق. فكما أسفرت علوم فيزياء إسحاق نيوتن عن معرفة تخص حقيقة الجاذبية، هكذا أيضًا آمنت الحداثة بتقدم عقلانيّ منطقيّ تجاه معرفة الحق فعليًا في جميع مجالات الحياة.

واستمر هذا الفكر حتى زعزعت وقائع وحقائق القرن العشرين تلك القناعة الراسخة. فالمنطق المستقل الذي لا يحتاج إلى مساعدة لم يسفر عن نتائج جيدة من جهة “حقائق” ألمانيا النازيّة، أو شيوعيّة ما بعد الحرب العالمية الثانية، أو الإمبرياليّة الغربيّة. كما لم يتعامل علم المنطق العقلانيّ المستقل مع الكتاب المقدس وإنجيله بتأييد، فقد استبدلت المبادئ العقلانيّة نسخة يسوع الكتابيّة بصور وأشكال متنوعة على صورتها ومثالها.

وحتى حين سعى المسيحيون المعاصرون لهذا إلى استخدام مذهب أصالة العقل (rationalism) لدعم تعليم الكتاب المقدس، اكتشف المفكرون والمثقفون منهم بأن المنهج العقلي تجاه معرفة الحق المطلق لا يتوافق جيدًا ولا يتماشى مع الاتضاع المسيحي، وعمل الخير، والتعليم الذي يخص مشكلة خطية البشر. ولذلك، ففيما خطت الشهادة المسيحيّة نحو القرن الواحد والعشرين، سعينا إلى إبعاد أنفسنا عن مذهب أصالة العقل المنتمي لفكر الحداثة، وكنا مُحقين في هذا.

تقديرنا للمساهمات الخاصة بفكر ما بعد الحداثة:

في إطار الفكر العلمانيّ، تمخض انهيار الثقة في فكر الحداثة عن ابن متمرد ومراهق، وهو حركة ما بعد الحداثة، وكان هدفه الرئيسي هو الإطاحة بكل ما ينتمي للحداثة. وبشكل شبه عرضي، قامت حركة ما بعد الحداثة أيضًا بانتقاد الفكر المسيحي. وقد قام د. أ. كارسون في مقاله النقدي عن حركة ما بعد الحداثة بعمل قائمة ببعض نقاط القوة في هذا الفكر، في حالة تطبيقه على المنهجيات الإنجيليّة الحديثة لتناول علوم اللاهوت والدفاعيات.[1]

أولاً، على المؤمنين أن يقروا بالدور الذي يلعبه السياق البيئي والثقافي والظروف المحيطة بهم في تشكيل فكر ومعتقد أي شخص. فإن “الحق” دائمًا ما يتناوله أشخاص فعليون، يتم تشكيلهم بشكل كبير من خلال الثقافة، واللغة، والتراث، والمجتمع. ونتيجة لهذا، ستنشأ اختلافات، تتضمن نقاط قوة ونقاط ضعف على حد سواء، بين كيفية قراءة رجل غربيّ لنص معيّن من كلمة الله، وكيفية قراءة مؤمن أفريقيّ يعيش في جنوب الصحراء للنص عينه. على سبيل المثال، سيشدد الرجل الغربيّ على الأرجح على الجانب الفردي للنص، أما الأفريقيّ فسيشدد على الجانب الجماعيّ للنص عينه.

وبغض النظر عن قضية الحق المطلق نفسها، لكن حركة ما بعد الحداثة محقة في إشارتها إلى أن البشر الفعليين محدودون، ولذلك فهم يملكون فهمًا محدودًا وذاتيًا للحق. وكما يقول كارسون، إن الحق “يتم التعبير عنه بالتأكيد بوسائل وطرق محمَّلة بثقافة المجتمع، ويتم تصديقه أو معرفته من قبل أناس محدودين، تحدّهم أيضًا ثقافة مجتمعهم”.[2]

ثانيًا، علينا أن نشارك حركة ما بعد الحداثة قلقها حيال إمكانية صيرورة الحق وسيلة لممارسة السلطة أكثر من كونه وسيلة للتنوير. وفي هذا الأمر تطالبنا عقيدة الخطية المسيحيّة – بما في ذلك خطيتنا نحن – بأن نختبر ونقيِّم منهجنا في معرفة الحق. فإن الحق لا يتضمن بالضرورة قمعًا، ولكن البعض قد قاموا بالفعل بقمع آخرين مستخدمين الحق.

ثالثًا، إن نجحت انتقادات ما بعد الحداثة للمسيحيّة في أن تجعل المؤمنين (وآخرين أيضًا) يعارضون العقائد والمبادئ التي قد عفا عليها الزمن، فإننا حينئذ نكون شاكرين لأجل هذه الفرصة التي أتيحت لإعادة النظر في تلك التعاليم التي ربما قد صارت بالية عمليًا، ولإعادة صياغتها، وسردها من جديد. وهذا سنراه على وجه الخصوص في الكيانات الكنسيّة المؤسسة على إقرارات الإيمان والتي تجتهد لتبني وتؤسس تعاليم ومبادئ عقائديّة. فإن التساؤلات الحديثة بل وحتى الشكوك تتطلب من قادة الكنائس أن يعيدوا فحص ودراسة الأساس الكتابيّ لتعليمهم، وهذا قد يُسفر عن تقدم حقيقيّ أو إصلاح هم في حاجة ماسة إليه.

رابعًا، ربما يكون موقف المسيحيين تجاه هجوم حركة ما بعد الحداثة على فكر الحداثة هو موقف تحالف واتفاق. ولكن يشبِّه كارسون تقديرهم لحجج ما بعد الحداثة باتفاقيّة تحالف دول الغرب مع روسيا الشيوعيّة ضد ألمانيا النازيّة في أثناء الحرب العالميّة الثانية. فالمسيحيون ليسوا متفقين اتفاقًا تامًا مع حركة ما بعد الحداثة كما أن الديمقراطيّة الغربيّة لم تتفق اتفاقًا تامًا مع البلاشفة (الشيوعيين)، إلا أنه قد يرحب المسيحيون ببعض حجج ما بعد الحداثة المعارضة للمذهب غير المؤمن لأصالة العقل، كما أن تحالف دول الغرب كان ممتنًا لكل تلك الدبابات والمدرعات الروسيّة. وقد كتب كارسون الآتي:

لقد أثبتت حركة ما بعد الحداثة قدرتها، بتدبير الله وعنايته، على إطلاق مدفعيّة ثقيلة للغاية في وجه حركة الحداثة التي تطورت بدرجة كبيرة، على مدى أربعة قرون، حتى أنها استهزأت بشكل متزايد بالمسيحيّة المؤسسة على إقرار للإيمان. وهذا الوضع يثير فينا تهكمًا مثيرًا للضحك. إذ إن هذه الحداثة التي أصرت في غطرسة وجرأة على أن المنطق البشري هو الحاكم المطلق للحق هي نفسها قد أنجبت ابنًا غير شرعيّ كبر كي يذبحها.[3]

وبهذه الإسهامات الإيجابيّة لنظريّة ما بعد الحداثة المعرفيّة، سيكون علينا أن نُقرّ بفوائدها، وبهذا، يمكن أن نربح فرصة كي يسمعنا بعض أولئك الذين في وضع آخر سيرفضون الاستماع إلينا.

أزمة ما بعد الحداثة:

هذا التقدير الذي نبديه لا يعني التساوي والتوافق بين نظريّة المعرفة المسيحيّة وتشكّك حركة ما بعد الحداثة. فإننا نُقرّ باتضاع بمحدوديّة معرفتنا للحق، وبتأثير الظروف البيئيّة المحيطة بنا على كيفيّة تقديمنا للحق واستقبالنا له، وبأننا ربما نحتاج إلى إعادة النظر في العقائد والتعاليم التقليديّة القديمة. لكن المسيحيين، على خلاف كثيرين من تابعي حركة ما بعد الحداثة، يؤمنون بأن الحق شيء موجود بالفعل، وليس مجرد شيئًا يتم بناؤه وتكوينه [المترجم: النظريّة البنائيّة تقول إن الحق والمعرفة يتم تكوينها من خلال المجتمع والثقافة].

أما المسيحيّون الإنجيليّون، فهم يؤمنون بشكل خاص بأن الحق شيء مشتقّ من الله وهو الذي يعلنه. وهكذا فإن هذا الحق يمتلك سلطانًا. وهنا يكمن موطن الخلاف بين حركة ما بعد الحداثة وبين المسيحيّة التاريخيّة، إذ إن فكر ما بعد الحداثة يرفض حقيقة وجود الحق، مفترضًا نسبيّة ضمنيّة (وأحيانًا ظاهريّة) حيث لا شيء هو صحيح حقًا وبشكل تام. ومن خلال استطلاعات الرأي المتكررة، يظهر أن أسلوب التفكير هذا يسود ويهيمن على المجتمع الغربي اليوم: “هل تؤمن بالحق المطلق، أم أن الحق هو أمر نسبيّ؟” وتؤكد الغالبيّة العُظمى اليوم، حتى من المسيحيين الإسميين، على مبدأ حركة ما بعد الحداثة الذي ينفي الصحة المطلقة لأي شيء كان.

الأكثر من ذلك هو الإصرار الشديد والمستمر لحركة ما بعد الحداثة على أنه وإن وُجد ما يسمى بالحق المطلق، إلا أن الرجال والنساء المحدودين لا يمكنهم أن يعرفوه قط بصورة سلطويّة. فإن جماعة ما بعد الحداثة التي تحكم الآن المجتمع الغربي تتبنى هذه النسبيّة باعتبارها الثابت والمطلَق الوحيد لديها: لا أحد له الحق في أن يقول إنه يمتلك الحق بصورة مطلقة، مما يعني أن الآخرين مخطئون بصورة مطلقة. قد يختلف “الحق من وجهة نظري” عن “الحق من وجهة نظرك”. لكن الغريب هو أن فكر ما بعد الحداثة يبت بشكل قاطع ومطلق في أمر أي شخص يزعم امتلاكه للحق بشكل قاطع ومطلق (باستثناء مبدأ ما بعد الحداثة المناقض لهذا المبدأ). وناتج هذا يشبه ما نقرأه في قصيدة و. ب. ييتس الشهيرة: “صارت الأشياء تتهاوى بعيدًا، والمحور لم يعد يستطيع التماسك، وأُطلِق العنان للفوضى العارمة لتسود على العالم”.

إن أزمة حركة ما بعد الحداثة تمكن في كونها غير قادرة على الإيمان بادعاءاتها أو الحياة بموجبها. فهي لا تملك ما تؤمن به، بما في ذلك عدم إيمانها نفسه، على الرغم من حاجة البشر الماسّة إلى المعرفة وإلى الإيمان بشيء. ويروي لنا آر. سي. اسبرول لقاءه بسيدة على متن القطار كانت قد أمضت بعض الوقت في معسكر لحركة العصر الجديد “New Age”. وحين سألتها سيدة أخرى مهتمة بالأمر عما تعلمته في هذا المعسكر، أجابت هذه السيدة الشابة قائلة: “تعلمت أني أنا الله”. حينئذ رد اسبرول بهذا السؤال الدفاعي البارع: “أتؤمنين بهذا حقًا؟” فأجابت قائلة: “حسنًا، ليس تمامًا”. هكذا الأمر أيضًا من جهةهو الحال نمن  إنكار فكر ما بعد الحداثة التام للحق: فإن ادعاءهم ضد الحق هو ذاته حق لا يؤمن به تابعو فكر ما بعد الحداثة، حتى صارت نظرية ما بعد الحداثة المعرفيّة متاهة يضل فيها بانيها نفسه إلى الأبد.

ولهذا السبب، حين يؤكد بعض تابعي فكر ما بعد الحداثة على عدم وجود ما يسمى بالحق، وعلى أن كل حق هو شيء نسبيّ، يمكن للمسيحيين أن يجيبوا عن هذا بالسؤال الذي طرحه اسبرول على السيدة الشابة في القطار: “أتؤمنون بهذا حقًا؟” فإننا سنكون منصفين إن أشرنا إلى أن تابعي فكر ما بعد الحداثة لا يسلكون في حياتهم بمبدأ نسبية الحق هذا. ففي نهاية الأمر، يتوقع بالتأكيد تابعو نظرية التفكيك أو نظرية التشريح (deconstructionists) الأكثر نشاطًا منهم [المترجم: النظريّة التفكيكيّة هي نظريّة فلسفيّة نقديّة للكتابات الأدبيّة تقوم بفهم الكتابات عن طريق تفكيكها من ثقافة الكاتب وتأثره بما حوله لأنه لن يكون محايدًا تمامًا وبالتالي تقول إنه لا يوجد حق مطلق إذ أن العلاقة بين اللغة والحقيقة ليست موجودة وحتى إن وجدت فإنها ليست محل ثقة لأن بنية اللغة هي تصور ثقافي متوارث] أن تُفهَم كلماتهم. وإلا فهم لن يكتبوا كتبًا إن لم يعتقدوا في إمكانية المعرفة والفهم. فإن قام أحدهم بمعارضة حججهم التي قدموها ضد الحق، فهم يعارضونه ويجادلونه بأسبابٍ للدفاع عن حقيقة حجتهم وتأييدها!

وقد استطاع أستاذ ما أن يثبت ويبرز هذا المفهوم بعد أن اجتمع ضده تلاميذ الفصل الذي كان يعلّم به في الجامعة مُصرّين على عدم وجود ما يُسمّى حق مطلق أو خطأ أخلاقيّ بالمعنى الموضوعيّ. ففي اليوم التالي أخبر الأستاذ تلاميذه بأنهم سيرسبون جميعهم بغض النظر عن أدائهم في الاختبار. وهنا أبدى جميع الطلبة معاً اعتراضهم قائلين: “لكن هذا خطأ!” وهنا كان قد نجح الأستاذ في إثبات حجته بخصوص النسبيّة. فلا أحد يمكنه أن يحيا بموجبها، ولذلك لا أحد يؤمن بها حقًا. إذًا هذه هي أزمة الحق في أزمنة ما بعد الحداثة: إن مجتمعنا يرفض الحق نظريًا بإصرارٍ وتصلب فكريّ، لكنه لا يمكنه أن يحيا هكذا عمليًا.

فإن خلف كل حق يقف إله الحق. ويعبر ييتس عن هذا في القصيدة التي استشهدت بها فيما سبق. فهو يشجب المحور غير المتماسك لدرجة أن “الأشياء تتهاوى بعيدًا”. وفي السطر السابق لهذا، يذكر ييتس العاقبة قائلاً: “نلف ونلف في دوائر تتسع/ والصقر عاجز عن سماع صوت صائده”.

ها هو حجم أزمة ما بعد الحداثة: أننا لا نستطيع سماع صوت الله دون الحق. فإن أولئك المتروكين لأنفسهم كي يبنوا ويشيدوا حقهم الخاص بهم يشبهون تلك السيدة التي كانت على متن القطار، إذ لابد لهم حينها أن يصنعوا آلهتهم الخاصة بهم. فإن داخل ذلك المسار الذي تميّزه النسبيّة، يفسح المنطق المجال لفقدان التفكير المنطقيّ والتعقّل، وهذا يسلم الإنسان إلى أيدي الأوثان.

المنهج المسيحي لتناول الحق:

يتطلب الدفاع عن الحق ما هو أكثر من مجرد حماية أنفسنا من عدم الإيمان. فإن نظرية المعرفة (ايبستمولوجيا) المسيحيّة تُعدّ أيضًا مكونًا حيويًا في تعريفنا بمحبة المسيح لعالم يقبع في أزمة. وهذا يعني عمليًا أن المؤمنين لابد أن يذهبوا إلى ما هو أبعد من إثبات خطأ إنكار فكر ما بعد الحداثة للحق. بل لابد أن ننادي بتعليم مسيحيّ مميز عن الحق، مؤسس على ما أعلنه الله لنا في الكتاب المقدس، ومتناسق ومتوافق مع اختبارنا.

فإن المسيحية تمثل طريقًا شرعيًا ثالثًا مقابلاً لكل من فكر الحداثة وفكر ما بعد الحداثة. فنحن نؤمن مع مؤيدي فكر الحداثة بأن الحق موجود ويسهل الوصول إليه، لكننا نرفض رفضًا باتًا قدرتنا على معرفة هذا الحق بشكل مطلق من خلال منطقنا العقليّ المستقل ودون تلقي مساعدة. كما أننا نتشكّك مثلنا في هذا مثل مؤيدي فكر ما بعد الحداثة في أن البشر المحدودين وغير المعصومين هم وكلاء للحق، لكننا نصرّ في المقابل على أن الحق هو شيء واقعيّ وموجود وأننا يمكننا أن نعرفه. ولذلك فإن نظريّة المعرفة المسيحيّة الناجحة لا تستجيب فحسب للإيمان المسيحيّ الإنجيليّ، لكنها أيضًا تمكننا من توصيل تعليمنا وعقيدتنا عن المعرفة إلى عالم يشكّ في معرفة الحق ولكنه أيضًا يرغب فيها بشدة.

الله، والحق، والواقع:

تبدأ نظرية المعرفة المسيحيّة الإنجيليّة بالتأكيد على أن الحق مرتبط بالواقع ويتوافق معه. فإن العالم الخارجيّ الذي يحيا فيه كل فرد ليس عالمًا نبنيه ذاتيًا من خلال خبراتنا الضئيلة والضيقة الأفق، بل إن الله هو من خلق الواقع وهو الذي يحفظه من خلال قانون عنايته الإلهيّة المستمرة.

وأساس هذه العقيدة المسيحيّة بخصوص الحق الفعليّ والواقعيّ هو وجود الله. هذا الافتراض المسبق يتناقض مع ذلك الشخص العقلانيّ المتبني لفكر الحداثة وأيضًا مع الشخص النسبيّ المتبني لفكر ما بعد الحداثة، اللذين يفترضان كليهما مسبقًا عدم وجود الله. وهكذا نرى أن مؤيدي الحداثة وما بعد الحداثة لا ينشئون نظرياتهم دون افتراضات مسبقة. بل يفترض غير المؤمنين المؤيدين للحداثة ولما بعد الحداثة مسبقًا عدم وجود إله، وكنتيجة لهذا ينتهي بهم المطاف داخل أزمة فقدان التفكير المنطقيّ. لكن المسيحيين يتفادون هذه الأزمة ليس في المرحلة الأخيرة من نظريتهم عن الحق بل في البداية، مفترضين مسبقًا، كما يقول فرانسيس شيفر: “وجود هذا الإله هنا” (the God who is there). وكما أننا قمنا بحث مؤيدي ما بعد الحداثة النسبيين على إعادة النظر في أزمتهم الناتجة عن إنكارهم لوجود الله، ندعوهم الآن إلى التفكير في أن الطريق للخروج من هذه الأزمة هو افتراضهم المسبق بوجود الله.

بالطبع لا يقتصر افتراض المسيحيّ فحسب على مجرد “وجود الله”، لكنه يفترض مسبقًا وجود إله الكتاب المقدس. فإن كلمة الله المقدسة تعلن أنه يوجد “إله واحد، موجود منذ الأزل في ثلاثة أقانيم متساوين في اللاهوت: الآب، والابن، والروح القدس، يعرفون ويحبون ويمجدون بعضهم البعض”.[4] هناك صلة وثيقة بين كل تصريح من هذه التصريحات والإيمان المسيحيّ بالحق. فبسبب وجود إله واحد، وليس آلهة كثيرة، توجد وحدة في كل ما خلقه الله. ولأن هذا الإله الواحد موجود في ثلاثة أقانيم إلهيّة، فهناك إذًا نوع من التواصل داخل اللاهوت ذاته. وبسبب هذا الثالوث، تعد المعرفة والإعلان أمرًا جوهريًا بالنسبة لله، وبالتالي بالنسبة لكل ما خلقه.

“اللهَ مَحَبَّةٌ”، هكذا كتب الرسول يوحنا (1 يوحنا 4: 8)، وطبيعة المحبة هذه هي أن تعرف وأن تُعرَف. بل ووفقًا للكتاب المقدس، إن شهوة الله هو أن يُعرَف مجده، كما أن مشيئة كل أقنوم في الثالوث هي تمجيد الأقانيم الإلهيّة الأخرى. وبالتالي، فإن هدف الله من الخلق هو إعلان مجده. فقد رنّم داود قائلاً: “جَعَلْتَ جَلاَلَكَ [المترجم: في الإنجيلزية “مجدك”] فَوْقَ السَّمَاوَاتِ” (مزمور 8: 1). وبحسب ما قاله الرسول بولس، يعد جوهر وأصل الخطية هو أن نرى الله من خلال خليقته ومع ذلك نرفض أن “نمجده ونشكره” (رومية 1: 21). ولهذا يؤكد إقرار الإيمان الذي وضعته هيئة “ائتلاف الإنجيل” على الآتي: “هو خالق كل الأشياء، ما يرى وما لا يُرى، ولذلك فهو يستحق أن يأخذ كل المجد وكل العبادة”.[5]

ونتيجة لإيمان المسيحيين بإله الكتاب المقدس، فهم يؤمنون أيضًا بأن الحق له صلة بالواقع. فإن هذا العالم ليس مجرد إسقاطًا من العقول البشريّة، بل قد خلق الله العالم بواقع فعليّ موضوعيّ متأصّل في وجودهِ الأزليّ. وهكذا فإن المخلوقات التي “تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ” (مزمور 19: 1) لابد أن تكون واقعيّة وحقيقيّة لكي تحقّق وتتمّم قصدها التي خُلقت لأجله.

وفي مقدمة هذه المخلوقات يأتي البشر، الذين خلقهم الله على صورتهِ حتى يتسنى لهم أن يعرفوه ويعلنوه لباقي الخليقة. فإن التعليم الكتابيّ عن خلق الله للبشر على صورتهِ يشمل قدرتهم على التفكير المنطقيّ بطريقة مشابهة لتفكير الله المنطقيّ، فهم يمثّلون صورة الله ليس عن جهل من جانبهم، بل من خلال معرفة الله التي هي هدف كل من الخلق والخلاص. فإن وعد العهد الجديد الذي قاله أرميا هو: “كُلَّهُمْ سَيَعْرِفُونَنِي مِنْ صَغِيرِهِمْ إِلَى كَبِيرِهِمْ، يَقُولُ الرَّبُّ” (إرميا 31: 34). ويقول يسوع: “وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ” (يوحنا 17: 3).

وبما أن رغبة الله هي أن يُعرَف في عالم قد خلقه وصنعه كي يعلن عنه، فإن المسيحيين يؤمنون بأن الحق المعلَن هو شيء حقيقيّ. فقد خلق الله عالمًا فعليًا، كما ويعلن الله الحق الفعليّ والحقيقيّ عن نفسهِ في هذا العالم ومن خلاله. باختصار، يعد الحق جزءًا لا يتجزأ من العالم الحقيقيّ الذي خلقه الله، ذلك العالم الذي يشمل البشر كمخلوقات مصممة خصيصًا لاستقبال الحق كي يعرفوا الله.

إلا أن تعليم الكتاب المقدس يشمل ما هو أكثر من الحقائق عن الخلق والخلاص. فإن الكتاب المقدس يعلم أيضًا بأن البشر قد سقطوا في الخطية وبالتالي أفسدوا طبيعتهم ومجتمعهم. وهكذا منعت الخطية البشر من استقبال الحق. وفي هذا أصاب فكر ما بعد الحداثة في قوله بأنه وإن وُجد ما يسمى حق فعليّ وحقيقيّ، لكن البشر عاجزون حقًا عن معرفته.

وهناك سببان لهذه المحدودية. أولاً، لأن البشر محدودون، حتى بدون الخطية، إذ يمكنهم معرفة الحق جزئيًا. وهكذا فإن معرفتهم ذاتيّة، وانتقائيّة، وناقصة. ثانيًا، هؤلاء البشر خطاة. وحين نضيف مشكلة الخطية، لا يعود البشر قادرين على معرفة الحق بشكلٍ سليمٍ وصحيحٍ على الإطلاق. ففي تمرد البشر الخطاة على الله، يميلون إلى أن “يَحْجِزُوا (يكتموا) الْحَقَّ بِالإِثْمِ” (رومية 1: 18). وقد تمادى بولس في حديثة بقوله إن الإنسان في طبيعته الخاطئة “لاَ يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ اللهِ لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ، وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَعْرِفَهُ” (1 كورنثوس 2: 14). كيف يمكن إذًا للمسيحيين أن يتحدثوا عن معرفة الحق بعد أن سقط البشر في هذه الحالة المروعة؟

الإجابة عن مشكلة الخطية هذه تكمن في الخبر السار بأن يسوع يخلصنا من خطايانا. فقد قال يسوع لبيلاطس البنطي: “لِهذَا قَدْ وُلِدْتُ أَنَا، وَلِهذَا قَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ لأَشْهَدَ لِلْحَقِّ” (يوحنا 18: 37). وقد أطلق يسوع على نفسه “نور العالم” (يوحنا 8: 12)، لأنه يخلص الخطاة من ظلمة الجهل وعدم الإيمان. ولم يأتِ يسوع ليعلن مجد الله في بشريته المُتجسّدة فحسب (انظر يوحنا 1: 14؛ 14: 9)، لكنه أيضًا يرسل الروح القدس ليحيي أرواح البشر الخطاة كي يعرفوا الحق ويؤمنوا به. وهكذا، في النص ذاته الذي يذكر بولس فيه بشكل مباشر عجز البشر الخطاة عن معرفة الحق، يعلن أن روح الله القدوس يحل هذه المعضلة بمنحه حياة جديدة للخطاة غير المستحقين: “وَنَحْنُ لَمْ نَأْخُذْ رُوحَ الْعَالَمِ”، ويستطرد مفسرًا: “بَلِ الرُّوحَ الَّذِي مِنَ اللهِ، لِنَعْرِفَ الأَشْيَاءَ الْمَوْهُوبَةَ لَنَا مِنَ اللهِ” (1 كورنثوس 2: 12).

ففي الخلق، والسقوط، والخلاص، تنبعث عقيدة الحق المسيحيّة من واقع وجود الله. فقد خلق الله العالم كي يعلن ويظهر مجده، وخلق البشر ليعرفوه ويعكسوا مجده. وتشتمل الخطية على رفض هذا الحق المعلَن عن الله، وهكذا فهي تقوم بتشويه كيفيّة استقبال البشر للحق. ويحدث الخلاص من خلال إعلان الله للحق الخاص بيسوع المسيح (انظر 1 بطرس 1: 23)، ثم تمكين البشر الخطاة تدريجيًا من معرفة هذا الحق وقبوله.

وحقًا قال هيرمان بافينك إنه “من المستحيل أن يعلن الله عن نفسه بالكامل لمخلوقاته وفيهم، إذ أن المحدود لا يمكنه استيعاب غير المحدود”.[6] ولهذا يُقرّ المسيحيون بأنفسهم بقصور محدوديتهم، وبصراعهم المستمر مع الخطية، التي تمنع أي إنسان من معرفة الحق بشكل تام أو كامل. ومع ذلك، يُصرّ المسيحيون، بفضل الله الخالق والمعلِن، على وجود ما يسمى بالحق، وعلى أن ذلك الحق مرتبط بالله وبواقعه المخلوق، وعلى أننا يمكننا أن نعرف هذا الحق لأن الله أعلن عن نفسه لنا في خليقته.

إذًا كيف للمسيحي أن يجيب غير المؤمن المؤيد لفكر ما بعد الحداثة والذي ينكر ببساطة وجود الله، وبالتالي ينكر وجود الحق؟ يقدم لنا فرانسيس شيفر جوابًا من حديث كان قد أجراه مع جماعة صغيرة من طلبة الجامعة. فقد أصرّ أحد الطلبة إصرارًا شديدًا على عدم وجود ما يسمى بالحق. فأراد شيفر أن يجعله يرى عدم إمكانيّة سلوكه بموجب هذا التصريح مهما أصرّ عليه.

ففي حالة عدم وجود حق فعليّ، لن توجد أيضًا أخلاقيّات فعليّة وحقيقيّة. فقد سأله شيفر قائلاً: “ألست على صواب في قولي، على أساس فكرك هذا، إن القسوة وعدم القسوة أمران متساويان تمامًا، وإنه لا يوجد اختلاف جوهريّ بينهما؟” فأكد الرجل على صحة كلام شيفر. وحين سمع طالب آخر بهذا، أخذ إناء به مياه تغلي وتنبعث منها أبخرة، كانت على وشك أن تستخدم لإعداد الشاي، ووضعه فوق رأس غير المؤمن. وحين طلب هذا الملحد تفسيرًا لهذا التصرف، ذكَّره الطالب بأنه بما أنه لا يصدق وجود فارق حقيقيّ بين القسوة وعدم القسوة، فهو لن يمانع إذًا بسكب المياه المغليّة فوق رأسه.

وهنا ركض الرجل الذي أنكر وجود الحق خارج الغرفة، مبرهناً بهذا على صحة حجّة شيفر: إن من ينكر وجود الله، وبهذا لا يكون لديه أي أساس لوجود الحق، هو ببساطة لا يستطيع بل ولن يحيا بالفعل بموجب عقيدته هذه. وقد فسر شيفر هذا قائلاً: “إن الله يحصرنا في الواقع، وبالتالي لا يمكننا الهروب من هذا الواقع، بغض النظر عما نقول إننا نؤمن به أو نعتقده”.[7]

الله، والحق، والكتاب المقدس:

بما أن المسيحيين يؤكدون على وجود الحق المؤسس على إعلان الله، فهذا يتبعه إذًا أن الكتاب المقدس – أي إعلان الله المكتوب – ينقل الحق. ففي حين يعلن الله عن نفسه بصورة عامة في الخليقة، لكنه يعلن عن نفسه بصورة خاصة في الكتاب المقدس.

فبحسب الكتاب المقدس نفسه: “اَللهُ كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا” (عبرانيين 1: 1). هذا التصريح يوجز الرأي المسيحيّ بشأن الأسفار المقدسة التي فيها يتواصل الله مع البشر من خلال تصريحات (بيانات). فقد “تكلم” الله من خلال متحدثيه الرسميين من البشر، مقدمًا الحق الخاص بطبيعته ومشيئته، والخاص أيضًا بسجلات الأحداث التاريخيّة والفدائيّة، ومعناها، بالإضافة إلى حقائق أخرى تخص الخلق، والسقوط، وخلاص البشر. فكما يقدم ما أكتبه في هذه الفقرة ادعاءات بيانيّة (تصريحيّة) عن الحق، هكذا أيضًا إعلان الله المكتوب يعلن الحق الآتي من الله، ويفسره، ويطبقه.

يقول الكتاب المقدس إن الله هو كاتبه الأساسيّ، من خلال استخدام الروح القدس للكتاب البشريين، في عملية يطلق عليها اسم الوحي. والوحي ليس معناه أن الكتاب البشريين كانوا هم “مصدر الوحي” من تلقاء ذواتهم. بل قد أشرف الروح القدس على كتابتهم بشكل يجعل ما كتبوه يأتي في الأساس تمامًا من الله. ويشرح بطرس هذا قائلاً: “لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (2 بطرس 1: 21). كما كتب بولس: “كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ [مُتنفّس به] مِنَ اللهِ” (2 تيموثاوس 3: 16)، متفقًا بهذا مع تصريح الله نفسه حين قال: “كَلِمَتِي … تَخْرُجُ مِنْ فَمِي” (إشعياء 55: 11). وفي تناغم مع هذا التعليم، يقدم كل الكتاب المقدس نفسه باعتباره كلمة الله وليس أفكار البشر.

يركز المسيحيون تركيزًا شديدًا على صحة كلمة الله لأن الله نفسه هو الحق. فإن الله، باعتباره الإله الكامل غير المحدود، يعلن عن نفسه في الكتاب المقدس بشكل لا يقبل الخطأ، وبسلطان إلهيّ. ويتمسك المسيحيون بشدة بصحة كلمة الله ليس لقدرتهم على الرد على أي اعتراض قد ينشأ ضد صحة الكتاب المقدس (على الرغم من وجود تفسيرات جيدة وصحيحة تقريبًا على كل اعتراض)، بل بلجوئهم إلى كمال طبيعة الله الذي يعلن عن نفسه في كلمته. وبما أن الله الكامل يعلن عن نفسه في الكتاب المقدس، فإننا بالتالي يمكننا الوثوق في صحة الكتاب المقدس، ولا يصير لدينا أي مبرر أو حاجة كي نضع جانبًا أجزاء منه تبدو مثيرة للاعتراضات أو صعبة بشكل زائد عن الحد.

فإن الكتاب المقدس، باعتباره كلمة الله الصحيحة والمعلَنة، يتحدث بكل سلطان الله نفسه. فقد قال جون كالفن: “نحن ندين لكلمة الله بالتبجيل ذاته الذي ندين به لله، لأن مصدرها هو منه هو وحده”.[8] وبوضع المؤمنين لهذا في اعتبارهم، هم يصدقون على الكلمات التي تفوه بها مندوب كنيسة اسكتلاندا حين قدم كتابًا مقدسًا للملك الجديد في حفل تتويجه في بريطانيا العظمى: “هذا هو أثمن ما يقدمه هذا العالم، وأثمن ما يعرفه هذا العالم، كلمة الله الحيّة”.

هذا الكتاب المقدس، باعتباره إعلان الله الخاص الذي يحوي بيانات تصريحيّة، له قيمة وفائدة خاصة من جهة إعلانه للحقائق العقائديّة التي تخص الله والبشر. على سبيل المثال، يُعدّ حق لاهوت يسوع المسيح حقًا عقائديًا يعلنه الكتاب المقدس بوضوح (مثل تيطس 2: 13). بينما بعض العقائد الأخرى، مثل عقيدة الثالوث، معلنة في كلمة الله كاستنتاج ضمنيّ حتميّ من تصريحاته عن الله. وهكذا، فمن خلال التصريحات المباشرة للكتاب المقدس، والاستنتاجات الحتميّة المشتقة من كلمة الله، يمكن للمؤمنين أن يعرفوا الحق عن الله، وعن البشر، والخطية، والخلاص، وجميع الموضوعات الأخرى اللازمة للإيمان والتقوى (2 بطرس 1: 3).

نحن لا نعني بهذا أن الكتاب المقدس يتألّف حصريًا من ادعاءات بيانيّة عن الحق، أو أن رسالة الله للبشر قاصرة على الحق التصريحيّ. بل إن الكتاب المقدس يقدم كلمة الله المعلَنة في قوالب أدبيّة متنوعة، وعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر بعض القوالب الواضحة جليًا، كالسرد التاريخيّ، والصور المجازيّة، والأدب الرؤيوي، والوحي النبوي، والرسائل، والشعر. ولا يمكننا أن نحصر أي من هذه القوالب الأدبيّة إلى مجرد تصريحات. بل وعلاوة على ذلك، فإن شخصيّة الله وإرادته مقدمة كتابيًا بوسائل أخرى غير التصريحات.

فإن الحق الذي تقدمه كلمة الله المقدسة يفوق ما يمكن أن تنقله التصريحات وحدها، كما هو متوقع بما أن كاتبها هو الإله غير المحدود. ومع ذلك فإن الكتاب المقدس يقدّم بالفعل حقًا حيًا وفعّالاً في صورة تصريحيّة، إذ يمكن للتصريحات العقائديّة أن تنقل هذا الحق بدقة وإن لم تستطع توصيله بشكلٍ شاملاٍ. فإن الرسول بولس يؤيد العقيدة المسيحيّة بشكل صريح حين حثّ تيموثاوس قائلاً: “تَمَسَّكْ بِصُورَةِ الْكَلاَمِ الصَّحِيحِ الَّذِي سَمِعْتَهُ مِنِّي، فِي الإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” (2 تيموثاوس 1: 13).

في حين تعلن الكلمة المقدسة الحق النابع من الله في عدة صور وأساليب، متضمنة الكثير من المحتوى التصريحيّ، إلا أن استقبال الحق من خلال كلمة الله هو أبعد ما يكون عن السعي الفكريّ الجاف. فقد جاء الروح القدس بالكتاب المقدس إلى حيز الوجود من خلال كتّابه البشريين، وهو أيضًا من ينير البشر كي يفهموا الكتاب المقدس ويؤمنوا به. ولهذا يشبّه بطرس قراءة كلمة الله باختباره الشخصيّ عن رؤية يسوع في مجده: “وَعِنْدَنَا الْكَلِمَةُ النَّبَوِيَّةُ، وَهِيَ أَثْبَتُ، الَّتِي تَفْعَلُونَ حَسَنًا إِنِ انْتَبَهْتُمْ إِلَيْهَا، كَمَا إِلَى سِرَاجٍ مُنِيرٍ فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ، إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ النَّهَارُ، وَيَطْلَعَ كَوْكَبُ الصُّبْحِ فِي قُلُوبِكُمْ” (2 بطرس 1: 19). هذا يعبر بشكل رائع عن الإيمان المسيحي ليس في قيمة كلمة الله في كونها حقًا فحسب، بل في القيمة الروحيّة التي تأتي من استخلاص الحق من كلمة الله المكتوبة.

فالبشر دون عمل الروح القدس يصيرون عاجزين عن معرفة الله، بل وأيضًا لا يستطيعون حتى معرفة أنفسهم. فإن العالم من حولنا مروع للغاية، ويضاف إلى هذا الارتباك الذي يعمل بداخلنا من جرّاء تأثير الخطية المفسد، حتى أن ك. سكوت أوليفينت يقول: “ما لم تأتنا كلمة من الله، أي كلمة الله، وحتى يحدث ذلك، فإننا ببساطة لن نستطيع أن نعقل العالم من حولنا، أو ذلك “العالم” الموجود بداخلنا، ناهيك عن الحقيقة الأهم وهو كيفيّة إرضائنا لله”.[9] الكتاب المقدس وحده هو الذي يمكنه مساعدتنا لكي نفهم أنفسنا ونفهم أيضًا عالم الله.

الحق وحياة الله:

إن الحق موجود لأن الله موجود، وهذا الحق يُعرَف من خلال إعلان الله في الكتاب المقدس. علاوة على ذلك، هذا الحق مرتبط بالله وبالواقع ليس نظريًا فحسب، بل أيضًا بعلاقة عهديّة يتم معرفتها وأيضًا الحياة والسلوك بموجبها.

لطالما كان قطع العهد عملاً سياديًا، لذا فالله في قطعهِ للعهد يعبّر عن ربوبيته وسيادته على الخليقة ككل وعلى البشر بشكل خاص. ففي أي عهد، دائمًا ما يكون كلا الطرفين معنيين. ومن جانبه، ألزم الله نفسه طوال الوقت بخليقته. ويظهر التعبير الشهير عن هذا الالتزام في عهد الله مع نوح بعد انحسار مياه الطوفان العظيم. فقد وعد قائلاً: “أُقِيمُ مِيثَاقِي مَعَكُمْ فَلاَ يَنْقَرِضُ كُلُّ ذِي جَسَدٍ أَيْضًا بِمِيَاهِ الطُّوفَانِ. وَلاَ يَكُونُ أَيْضًا طُوفَانٌ لِيُخْرِبَ الأَرْضَ” (تكوين 9: 11). علاوة على ذلك، إن عهود الله دائمًا ما تلزمه بالبشر، ليس كطرفٍ مساوٍ لهم، بل كسيدٍ وربٍ، إذ يقول: “أَكُونَ لَكُمْ إِلهًا، وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي شَعْبًا” (إرميا 7: 23).

وبالمثل أيضًا ربط عهد الله البشر بالخليقة ككل. ويظهر هذا التلاحم بين البشر والخليقة في استخدام الله للتراب ليخلق به آدم، الإنسان الأول. “وهكذا نحن متصلون بالخليقة، من جهة، لأننا قد أُخِذنا منها، فنحن حرفيًا جزء منها”.[10] في الوقت ذاته، في حين الإنسان مرتبط بالخليقة، إلا أنه قد تفرّد عنها من خلال علاقته الخاصة بالله: “وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ تُرَابًا مِنَ الأَرْضِ، وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ. فَصَارَ آدَمُ نَفْسًا حَيَّةً” (تكوين 2: 7).

ثم بعد هذا عيَّن الله الرجل الأول والمرأة الأولى نائبين عنه في الخليقة، موصيًا إيّاهم أن يتسلّطوا ويسودوا عليها، جاعلين الخليقة تُثمر وتُكثر (تكوين 1: 28). ولهذا السبب خلق الله البشر بواجبات خاصة يقومون بها تجاه الخليقة وتجاهه. ويعلق أوليفينت على هذا قائلاً: “توجد رابطة لا تنفصم بيننا وبين العالم، هذه الرابطة قد أسسها الله، وقصد بها أن تعكس صفاته وشخصيته. ولهذا السبب، نحن البشر قد خُلقنا كي نعرف عالمنا وكي نتفاعل معه، وكل ذلك لمجد الله الثالوث، خالقنا”.[11]

وبسبب الطبيعة العهديّة للخلق، تحمل معرفة الحق في طيّاتها التزامات وواجبات إلزاميّة من نحو الله ومن نحو الآخرين في العالم المحيط بنا. وبالتالي يعني استقبالك لحق الله أن تحيا بموجب هذا الحق. كما قال موسى لشعب إسرائيل في الماضي: “الْمُعْلَنَاتُ لَنَا وَلِبَنِينَا إِلَى الأَبَدِ، لِنَعْمَلَ بِجَمِيعِ كَلِمَاتِ هذِهِ الشَّرِيعَةِ” (تثنية 29: 29).

ولهذا ليس بالأمر المفاجئ أنه حين أرسل الله ابنه إلى العالم، ظهر يسوع في صورة الحق المتجسّد، كما كتب يوحنا: “فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ” (يوحنا 1: 4). وقد صرح يسوع قائلاً: “أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ” (يوحنا 14: 6). فقد جاء ابن الله كي يجسّد حق الله، ويحيا بموجب هذا الحق في حياة ميّزتها الطاعة، وأيضًا كي يؤسس حق الله لأجل الخلاص من خلال موته الكفاريّ وقيامته المُخلِّصة.

“الحق إذًا يُعدّ رابطة وعلاقة متبادلة بين حياتنا بأكملها وبين قلب الله، وكلماته، وأفعاله، وهذه الرابطة تنشأ من خلال وساطة الكلمة والروح القدس”.[12] وهكذا يعتبر المسيحيون أن الكتاب المقدس يعلن حقائق عقائديّة هامة من خلال تصريحات. لكن من خلال ما تقصّه كلمة الله عن حق يسوع وحياته، يصل المسيحيون أيضًا إلى معرفة ذاك الذي هو الحق، ويتمكنوا من أن يحبوه، ويطيعوا حقه هذا. وكما دوّن صديق لي على كتاب مقدس أهداني إياه أن المسيحيون عليهم أن “يعرفوا الحق، ويحيوا بموجب الحق، وينادوا بالحق”، عالمين فوق الكل أن “يسوع هو الحق”، إذ هو الطريق إلى الله بالإيمان به، وهو أيضًا من يهب حياة حقيقيّة لكل من يقبلون كلمة إنجيله في إيمانٍ.

الحق المسيحيّ في حيز الممارسة العمليّة:

كما ذكرت قبلاً، على المسيحيين أن يتمسكوا بالحق ويدافعوا عنه في عالم يميل إلى إنكاره. وعلي المسيحيين أن يتخذوا هذا الموقف تجاه الحق – وتجاه معرفة الحق – لأجل الله، ولأجلنا، ولأجل العالم غير المؤمن. ففي تصريحنا بصحة هذا الحق، نؤكد على وجود الله، الذي وحده يمكنه أن يفسر الواقع، والحق، والمعرفة.

المناداة النقيّة والطاهرة بكلمة الله:

إن أفضل وسيلة يتحدث بها المسيحيون عن الحق هو أن يحملوا كتابًا مقدسًا بين أيديهم، كما تهلل داود قائلاً: “نَامُوسُ الرَّبِّ كَامِلٌ يَرُدُّ النَّفْسَ. شَهَادَاتُ الرَّبِّ صَادِقَةٌ تُصَيِّرُ الْجَاهِلَ حَكِيمًا” (مزمور 19: 7). ومع ذلك ففي مناداتنا نحن المسيحيين برسالة الإنجيل، لا ينبغي علينا أن نعيِّن أنفسنا حكّامًا وقضاة عن الحق. وحتى حين نقدّم يسوع المسيح باعتباره إعلان الله التام والأصدق، فإننا نفعل هذا فقط كعبيد لسامعينا (انظر 2 كورنثوس 4: 5). فمع استماع المسيحيين لانتقادات من حولنا من مؤيدي فكر ما بعد الحداثة، ومع إقرارهم بتأثير وقاحة فكر الحداثة أحيانًا على مبادئنا وعقائدنا، يكون عليهم أن ينادوا بالحق في توبة طاهرة أقل تفاخرًا وتباهيًا من ذي قبل. فإننا نحن محدودون وساقطون، وهكذا فإن الرسالة التي ننادي بها لابد من مضاهاتها باستمرار مع الكتاب المقدس.

ولكن مع كل اتضاعنا في التحدث عن الحق، ومع كل طهارتنا في انتقاد ادعاءات الآخرين، إلا أننا لابد أيضًا أن نُصرّ على أن ما ننادي به من كلمة الله هو الحق.  فنحن نرفض كون عقيدتنا مجرد اختبارًا ذاتيًا لمجتمعنا من المؤمنين، بما أن الكتاب المقدس الذي ننادي به يقدم الحق المعلَن من قبل الله. وإن تحذرنا من هذا، نظل ملتزمين تجاه سلطان الكلمة المقدسة التي يتكلم الله من خلالها إلى البشر اليوم، وتجاه قوتها، وإعلانها المتفرّد.

شغف للحق والحياة:

كما أن المسيحيين لابد أن يصنعوا توازنًا بين المناداة المجترئة بالحق، وبين تقديمه في اتضاع، فهم لابد أن يسعوا أيضًا إلى صنع هذا التوازن بين الفهم الصحيح للعقيدة الكتابيّة، وبين الشغف الشخصيّ تجاه حياة مكرّسة ليسوع المسيح. فنحن نؤمن أنه “بينما الحق تصريحيّ، إلا أنه ليس شيئًا نؤمن به فحسب، بل شيئًا نقبله أيضًا في عبادة، ونمارسه في حكمة”.[13] فإن الحق المسيحي لم يكن قط مجرد نقل معلومات بل هو علاقة شخصيّة من الإيمان والمحبة. وهكذا، ففي كرازتنا وتلمذتنا للآخرين، لابد أن تنتابنا غيرة على العقيدة السليمة، يصاحبها شغف لحياة متغيرة. ولهذا السبب، تقوم كنيسة الله وشعبه بتوصيل الحق المسيحي بأصح صورة. فإن ممارسات الصلاة، والفرائض المقدسة، والشركة، والخدمة، والشهادة تجسّد وتظهر كيفيّة قبولنا لحق كلمة الله واستجابتنا له.

لسنا نعني بهذا أن المسيحيين لابد أن يبذلوا جهدًا لجعل الحق متوافقًا مع حياة التقوى، بل ما نعنيه هو أن غرض الله من إعلانه لحقه دائمًا ما يتضمن عملية تغيير في المحبة والقداسة. ولذلك فإن ما جمعه الله، لا ينبغي للمسيحيين قط أن يفرقوه! فإن المحبة المطلَّقة من الحق ليست محبة، والحق المطلِّق من المحبة ليس حقًا. ولذلك كتب بولس الرسول عن تعليمه قائلاً: “وَأَمَّا غَايَةُ الْوَصِيَّةِ [الترجمة الإنجليزيّة: غاية مهمتنا] فَهِيَ الْمَحَبَّةُ مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ، وَضَمِيرٍ صَالِحٍ، وَإِيمَانٍ بِلاَ رِيَاءٍ” (1 تيموثاوس 1: 5). فإن الحق المسيحي لا يشتمل قط على مجرد مظاهر خارجيّة، إذ “فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لاَ الْخِتَانُ يَنْفَعُ شَيْئًا وَلاَ الْغُرْلَةُ، بَلِ الإِيمَانُ الْعَامِلُ بِالْمَحَبَّةِ” (غلاطية 5: 6).

لقد نجحت جودي تيلكين في قيادة أبويها اليهوديين التقليديين إلى المسيحيّة حين كانت مكرّسة بشدة وحماس لحق الإنجيل بالإضافة إلى إظهارها للمحبّة المسيحيّة والقداسة. فقد أعطت صديقة لجودي بالجامعة كتابًا مقدسًا وساعدتها على دراسته، فآمنت جودي بيسوع المسيح. وعلمت أن عائلتها اليهوديّة ستعارض هذا التحوّل بشكلٍ مريرٍ، إلا أنها تكلمت بالحق في بسالة، وقالت هذا الكلام لأبيها ستان تيلكين: “أنا أؤمن بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله، وأؤمن أن يسوع هو المسيّا”. في البداية، شعر ستان بالخيانة الشديدة، وقال إنه كان من الأفضل له أن تخبره بأنها صارت حُبلى أو أنها طُردت من مدرستها ولا تخبره بأنها صارت مسيحيّة.

واستمرت جودي في إصرارها على الحق الكتابيّ باتضاعٍ وإيمانٍ راسخٍ، ودعّمت هذا بحياة مُتغيرة من خلال المحبة والقداسة. ثم أعطت والديها نسخًا من كتب العهد الجديد، قائلةً لهما: “لتقرآها بنفسيكما لتكتشفا إن كانت هي الحق أم لا”. أما ستان وقد ليَّنت قلبه محبة جودي، قبل التحدي، عازمًا على الإطاحة بإيمان ابنته الجديد. لكنه بدلاً من هذا، وصل في ثبات إلى الإيمان عينه الذي وصلت إليه ابنته، من خلال إعلان الله للحق له في كلمته المقدسة. وحين استجمع ستان شجاعته أخيرًا ليشارك زوجته بإيمانه بأن يسوع هو حقًا المخلّص، أقرت زوجته بهذا الإيمان ذاته من خلال دراستها الشخصيّة لكلمة الله.[14]

وكي تكون شهادة جودي فعّالة، حتى في وجه مثل هذه المعارضة العاصفة والشديدة الغضب كالتي كانت لدى عائلتها اليهوديّة التقليديّة، لم تكن مضطرة للتراجع عن شهادتها عن حق الإنجيل، لكن مع ذلك كان لزامًا عليها أن تدمج شهادتها باتضاعٍ حقيقيٍّ وأصيلٍ، ومحبة، وتقوى كي يتيح لها من يهتمون لأمرها فرصة كي يستمعوا لها. على جميع المسيحيين أن يبذلوا جهدًا وأن يصلّوا ليفعلوا بالمثل، دامجين الحق والمحبة معًا في قوة الروح القدس، حتى يتم الالتفات لشهادتهم عن الكتاب المقدس، كما يقول بولس عن هذا: “بُرْهَانِ الرُّوحِ وَالْقُوَّةِ [المترجم: في الترجمة الإنجليزية NIV: برهان قوّة الروح] (1 كورنثوس 2: 4).

روحانيّة الحق:

بما أن كلمة الله المقدسة تنقل حق الله، فإن معرفة الحق دائمًا ما يكون شأنًا روحيًا. فإننا في دفاعنا عن الحق وإعلاننا له، “لَسْنَا نَكْرِزُ بِأَنْفُسِنَا” (2 كورنثوس 4: 5). وهكذا فإننا لسنا نسمو فوق الآخرين، كما لا ينبغي أن نتعنّت ونتصلّب تجاه من يقاومون مبادئنا وعقيدتنا. فإننا ممتنون لله إذ أعلن عن نفسه لنا في المحبة. وتظل معرفتنا لله جزئيّة، وإن كانت دقيقة، ومع ذلك فمن خلال شهادة الروح القدس، يمكننا أن نتيقّن تمامًا من أننا قد أخذنا الحق المخلِّص. وبسبب الدور الذي يقوم به الروح القدس في إعلان حق الله داخل قلوبنا، فإننا “نعْرِفَ صِحَّةَ الْكَلاَمِ الَّذِي عُلِّمْنا بِهِ” (لوقا 1: 4). فإن حق الإنجيل المختص بمعرفة الله لم يصر لنا “بِالْكَلاَمِ فَقَطْ، بَلْ بِالْقُوَّةِ أَيْضًا، وَبِالرُّوحِ الْقُدُسِ، وَبِيَقِينٍ شَدِيدٍ” (1 تسالونيكي 1: 5).

هذه الفكرة الخاصة بروحانيّة الحق – أي الحق الذي تم نقله بالكامل إلى أرواحنا من خلال خدمة الروح القدس، ومن خلال كلمة الله الموحى بها من الروح القدس – تجيب عن السؤال المتعلق بكيفيّة تعاملنا نحن مع المحادثة التي أجريت في افتتاحية هذا الفصل. فقد أجاب جيمس بويس على اعتراضات السيدة التي جلست بجواره في الطائرة بالإصرار على الآتي: “ما يهم بالفعل هو ما هو حق”. وفي ضوء هيمنة النسبيّة في هذه الأيام، لم يعد غير المسيحيين يرجّحون قبول الحق كأرضيّة مشتركة. كيف بالتالي ينبغي على المسيحيين أن ينادوا بالحق في عالم لم يعد يؤمن به؟

إن الإجابة على التحدي الذي نواجهه في هذه الأيام لا تكمن بالطبع في تحولنا عن شهادتنا الكتابيّة لأجل الدخول في جدال حول نظريّات معقدة عن نظريات المعرفة وعلوم التفسير. لكن الموقف الأفضل هو أن يجيب المسيحيون في اتضاع كالتالي:

لقد أمدّنا الله بحاجتنا للحق بأن أرسل روحه القدوس كي يعطينا كتابه، أي الكتاب المقدس. وفي هذا الكتاب، يقدّم لنا الله الحق في صورة شخص، أي ابن الله، يسوع المسيح. وقد وعد يسوع بأن روحه القدوس سيعطي فهمًا لكل باحث عن الحق بصدق وإخلاص في كلمة الله. هل تسمح لي بأن أعطيك نسخة من هذا الكتاب المقدس كي تحتفظ بها؟ وأيضًا ها هي بطاقة تحمل رقم هاتفي. وسيسعدني كثيرًا أن أتواصل معك، كي أجيب عن أي سؤال قد يطرأ على ذهنك، وأستمع إلى أي اعتراض قد تبديه، لكني أعتقد بكل صدق أنك تستطيع إيجاد الحق في هذا الكتاب إن كنت مهتمًا بالفعل. وسأصلّي كي يرسل لك الله روحه ليقودك إلى الحق.

وهل سيستجيب المحيطون بنا من مؤيدي فكر ما بعد الحداثة لهذا النوع من الشهادة عن الحق؟ وفقًا للكتاب المقدس، قد يستجيبون أو لا، وهذا يعتمد على الكيفيّة التي يودّ بها الله استخدام شهادتنا. لكن يمكن أن نتأكد من أن الكثيرين، حتى أولئك الذين نستبعدهم، سيقبلون شهادة جريئة لكن متضعة عن حق كلمة الله. وكيف لنا أن نعلم هذا؟ لأننا نعلم أن يسوع قد تفوه بالصدق حين وعد بأن يرسل “رُوحُ الْحَقِّ، الَّذِي مِنْ عِنْدِ الآبِ يَنْبَثِقُ”، ومن خلال شهادتنا عن الحق والمحبة من كلمة الله، قال يسوع إن هذا الروح نفسه “يَشْهَدُ لِي” (يوحنا 15: 26).

ولأن يسوع هو “الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ” (يوحنا 14: 6)، فإن دعوتنا هي أن نعرف الحق من خلال كلمته، وأن نحيا بموجب هذا الحق في قداسة ومحبة، وأن نخبر بالحق من خلال شهادة مسوقة من الروح القدس عن كلمته. وهل سيكون لمثل هذه الشهادة تأثير على عالمنا اليوم؟ لقد أقرّ يسوع نفسه بهذا، بل وهو يمدّنا بيقين شديد في قوّة حقّه اليوم حين يرتفع إلى فوق، كما ارتفع يسوع قبلاً فوق الصليب. فهو يقول بالصدق: “وَأَنَا إِنِ ارْتَفَعْتُ عَنِ الأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ الْجَمِيعَ” (يوحنا 12: 32).

 

[1] D. A. Carson, The Gagging of God: Christianity Confronts Pluralism (Grand Rapids, MI: Zondervan, 1996), 96-102.

[2] Ibid., 99.

[3] Ibid., 100.

[4] إقرار إيمان هيئة “ائتلاف الإنجيل”.

[5] إقرار إيمان هيئة “ائتلاف الإنجيل”.

[6] Herman Bavinck, The Doctrine of God, trans. William Hendriksen (Edinburgh: Banner of Truth, 1977), 41.

[7] Francis A. Schaeffer, The God Who Is There, Collected Works of Francis A. Schaeffer, 5 vols. (Wheaton, IL: Crossway, 1982), 1:110, 178.

[8] John Calvin, cited in J. I. Packer, “Calvin The Theologian,” in John Calvin: A Collection of Essays, ed. G. E. Duffield (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 1966), 162.

[9] K. Scott Oliphint, “Non Sola Ratione: Three Presbyterians and the Postmodern Mind,” in The Practical Calvinist: Essays in Honor of Claire Davis, ed. Peter A. Lillback (Fearn, Scotland: Mentor, 2002), 382.

[10] K. Scott Oliphint, “The Old-New Reformed Epistemology,” in Revelation and Reason: New Essays in Reformed Apologetics, ed. K. Scott Oliphint and Lane G. Tipton (Philipsburg, NJ: P&R, 2007), 210.

[11] Ibid., 211.

[12] الرؤية اللاهوتيّة للخدمة المختصة بهيئة “ائتلاف الإنجيل”.

[13] نفس المرجع السابق.

[14] Stan Telchin, Betrayed! (Grand Rapids, MI: Chosen Books, 1981), 11, 22.