الخلق

أندرو م. دافيس


تنزيل (PDF)

توجد فئتان ينتمي إليهما كل ما في الكون، وتفصل بينهما هوة سحيقة: الخالق والخليقة. فإن الله وحده هو من لا بداءة له، ذاتي الوجود، ولا يعتمد استمرار وجوده على شيء. أما كل شيء آخر في الكون فهو مخلوق من قبل الله ولأجل الله. في هذا الفصل، وضعنا على عاتقنا مهمة تناول عقيدة الخلق، وفهم دلالتها وأهميتها، وتطبيق حقائقها على حياتنا.

طبيعة الخلق والغرض منه:

جميع المعلومات التي حصلنا عليها بشأن خلق الكون قد جاءتنا من خلال إعلان إلهي. والمصدران الرئيسيان لذلك الإعلان هما: الخليقة الماديّة المحيطة بنا، وكلمة الله التي تصف لنا هذا الخلق بدقة شديدة. فمنذ البدء، نسج الله كونًا يعلن عن وجوده وعن طبيعته الحقيقية، حتى نتمكن من معرفته وعبادته. وتؤكد رومية 1: 20 على الآتي: “لأَنَّ أُمُورَهُ [صفاته] غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ [المخلوقات]، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ”.

فقد خلق الله الكون كي يعلن هذا الكون مجده. وهذا بالتأكيد لم يكن لأي نقص في المجد من جانب الله، وكأنه كان في حاجة إلى شيء، بل لأجل رغبة منه أن يعطي بسخاء من عظمة كينونته ووجوده. فإن الأربعة والعشرين شيخًا الذين يحيطون بالعرش، كما نقرأ في سفر الرؤيا، يتمّمون بالفعل الغرض من الخلق حين يستخدمون الخليقة لمدح مجد الله: “أَنْتَ مُسْتَحِقٌ أَيُّهَا الرَّبُّ أَنْ تَأْخُذَ الْمَجْدَ وَالْكَرَامَةَ وَالْقُدْرَةَ، لأَنَّكَ أَنْتَ خَلَقْتَ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَهِيَ بِإِرَادَتِكَ كَائِنَةٌ وَخُلِقَتْ” (رؤيا 4: 11).

وحين خلق الله الكون، سكب من مجده في كل ذرة وفي كل نظام يتسم بالتعقيد، سواء في الكون أو في الكرة البيئيّة [المترجم: أي الموضع الصالح للحياة في الكون] (ecosphere). وكما يقول مزمور 19: 1 “اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ”. فإن الخليقة لن تخبر بمجد الله في المستقبل، بل هذا يحدث بالفعل في الوقت الحالي. أيضًا يعلن السيرافيم الذين يطيرون حول عرش السيد هذا باستمرار: “قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ رَبُّ الْجُنُودِ. مَجْدُهُ مِلْءُ كُلِّ الأَرْضِ!” (إشعياء 6: 3).

الغرض من وجود البشرية: معرفة مجد الله

تقدم لنا نبوة حبقوق الغرض من وجود البشرية (وغرض تاريخ الفداء) كالآتي: “لأَنَّ الأَرْضَ تَمْتَلِئُ مِنْ مَعْرِفَةِ مَجْدِ الرَّبِّ كَمَا تُغَطِّي الْمِيَاهُ الْبَحْرَ” (حبقوق 2: 14). وبما أن الأرض تعلن وتظهر بالفعل مجد الله، فإن كل ما تبقى هو أن تمتلئ هذه الأرض من معرفة ذلك المجد. وهذا لا يمكن أن يتم من خلال الغلاف الجوي للأرض، أو أرز لبنان العظيم، أو جبال الهيمالايا الشاهقة بنيبال، أو النسور المحلقة، أو الأيائل القوية. فعلى الرغم من أن جميع هذه الكائنات المخلوقة تعلن مجد الله، إلا أنها لا يمكنها معرفة مجد الله. وهكذا كُلِّف الجنس البشري بفعل العبادة الحيوي هذا، إذ قد خُلق على صورة الله ومثاله كي يستقصي ويعرف الأمور الظاهرة والخفية التي تعلن مجد الله في كل جانب من جوانب الخليقة.

إلا أن المأساة الفائقة الوصف لتمرد آدم في جنة عدن تمثلت في أن القلب البشري، الذي كان ينبغي أن يتلذذ بالله الخالق، تحول وعبد المخلوق دون هذا الخالق (رومية 1: 25). وهكذا ففي حين أثمر الجنس البشري وأكثر وملأ الأرض بدرجة كبيرة بصورة الله، إلا أن غرض الله الأصلي – أي امتلاء الأرض من معرفة مجده – لم يتحقق بعد حتى الآن.

ولكن توجد قوة واحدة وحيدة في الكون هي التي تملك السلطان لتحويل قلوب البشر الوثنية إلى قلوب تعرف مجد الرب كما هو معلَن في الخليقة، وهذه القوة هي قوة إنجيل يسوع المسيح. فمن خلال هذا الإنجيل تتغير قلوبنا الحجرية، ويصير فيها حياة لمجد الله المشع من كل مكان حولنا. كما أن تتميم هذا الوعد الشامل العظيم سيكون في السماوات الجديدة والأرض الجديدة، حين يضئ مجد الله على جميع المخلوقات، والأبرار أنفسهم “يُضِيئون كَالشَّمْسِ فِي مَلَكُوتِ أَبِيهِمْ” (متى 13: 43).

تعلُّم شخصيّ وعام عن اللاهوت:

لقد بدأ تعلمنا عن اللاهوت – أي وجود الله وصفاته – منذ اللحظة التي حُبل بنا فيها في رحم أمهاتنا، واستمر هذا التعلم يومًا فيوم قبل حتى أن نتعلم الحديث بفترة كبيرة. فقد تعلّمنا من خلال دقّات قلوب أمهاتنا، والشعور بالدفء، ومذاق ما كان يدخل أفواهنا، والضوء الشديد السطوع عند ولادتنا، وبريق الألوان، وعطر مفروشاتنا وملابسنا. يقول داود في مزمور 22: 9 “لأَنَّكَ أَنْتَ جَذَبْتَنِي مِنَ الْبَطْنِ. جَعَلْتَنِي مُطْمَئِنًّا عَلَى ثَدْيَيْ أُمِّي”. فحين كان داود طفلًا رضيعًا، علّمه الله كيف يطمئن بينما كانت أمه تمده بحاجاته الجسدية. فقد كان الله يعدّ داود كي يضع ثقته في الله ويطمئن له لأجل خلاص نفسه. وهكذا أيضًا تعدنا الخليقة الماديّة للإيمان المؤدي إلى الخلاص.

وحين كنا كأطفال نعبر في وسط غابة رائعة الجمال في روعة وفخامة فصل الخريف، وكنا نستنشق بعمق الروائح العتيقة المنبعثة من تربة الغابة، مستشعرين فوق وجوهنا نسائم الخريف الدافئة التي تهب بعد الظهر، مشدوهين ولاهثين فجأة من المجد الساطع لمشهد مسرحي تصويري خلاب — مثل وادٍ جبلي رائع الجمال، تتناثر فوقه ألوان حمراء وذهبية تنبض بالحياة لأشجار تستعد للشتاء القريب — كانت قلوبنا تتشكل وتُعَد لأجل الحقيقة المركزية لهذا الكون وهي: الله القدير.

هذا التعلم منتشر في جميع أنحاء العالم، وليس قاصرًا على أمة واحدة أو جزء واحد من الأرض، فإن مزمور 19: 3-4 يتحدث عن الكيفية التي بها تحدِّث السماوات بمجد الله بلغة عامة شاملة دون كلمات: “لاَ قَوْلَ وَلاَ كَلاَمَ. لاَ يُسْمَعُ صَوْتُهُمْ. فِي كُلِّ الأَرْضِ خَرَجَ مَنْطِقُهُمْ [صوتهم]، وَإِلَى أَقْصَى الْمَسْكُونَةِ كَلِمَاتُهُمْ”. وهكذا تعد الخليقة المادية تعلمًا شخصيًا عن علم اللاهوت لأجل البشر في جميع أنحاء العالم.

الكل بالمسيح وللمسيح قد خُلق:

لقد خُلق كلُّ ما في السماوات وما على الأرض، ما يُرى وما لا يُرى، بالمسيح وللمسيح:

كُلُّ شَيْءٍ بِهِ [بالمسيح] كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ. (يوحنا 1: 3)

الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ. فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ. (كولوسي 1: 15-16)

كَلَّمَنَا [الله] فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ، الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ. (عبرانيين 1: 2)

لقد أوجد الله هذا الكون من العدم بكلمة، بطريقة غامضة وغير معلومة، وكان المسيح هو هذه الكلمة الخالقة القديرة التي نطق بها الله (يوحنا 1: 3). كما أن هذا الكون قد خُلق لأجل المسيح (كولوسي 1: 16)، وجعله الله “وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ” (عبرانيين 1: 2). وبالتالي، تنتمي كل ذرة في الكون المادي وكل كيان في المجال الروحي بصورة مذهلة إلى المسيح كحق مشروع.

والأروع من هذا كله هو أن هذا الكون الذي خلقه الله يعتمد على المسيح لحظة بلحظة لأجل استمرار وجوده: “الَّذِي هُوَ [المسيح] قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ [يتماسك ويثبت] الْكُلُّ” (كولوسي 1: 17). تصور هذه الآية لنا كونًا معوزًا سينتهي وجوده إن لم يمارس المسيح مشيئته القديرة ليبقي عليه. وبالرغم من إمكانية تحليل وفهم القدر الكبير من هذا العالم الفيزيائي بمصطلحات فيزيائية تمامًا، إلا أن هذا بحسب الكتاب المقدس لا يلغي سيطرة الله السياديّة على كل جزء منه. فقد كان كُتّاب الكتاب المقدس يعلمون دورة المياه، لكنهم كثيرًا ما كانوا يفضِّلون التحدث عن الله جالب الأمطار، وكلا الفكرتين لا تلغي أحدهما الأخرى. أيضًا يسقط العصفور الجريح أرضًا بسبب الجاذبية الأرضية، لكن يسوع قال إن واحدًا من هذه العصافير لا يسقط من السماء دون إقرار من أبيه السماوي. وقد قام علم الفيزياء الحديث بتحديد أربعة قوى رئيسيّة تقيم كل الأشياء وتمسك بها معًا، لكن هذا لا يمنعنا من الإقرار بأن يسوع هو الذي يقيم الكل بكلمته القديرة.

خطر المذهب الطبيعيّ (naturalism):

في حقيقة الأمر، لا يوجد سوى تفسيران لوجود الكون: إما الخلق الخاص من خلال كائن إلهيّ، أو التطور الطبيعيّ من خلال قوى غير عاقلة. وإذا أخذنا بهذا المعنى القوي المباشر للتفسيرين، سيبدو لنا الخلق والتطور على طرفي النقيض، ولابد أن يستبعد أحدهما الآخر. لكن في واقع الأمر، لا يتم استخدام “الخلق” و “التطور” دائمًا بهذا المعنى المتناقض، ويساهم هذا الأمر في زيادة صعوبة البحث في هذه القضايا المعقدة بدرجة كبيرة.

وفقًا للكتاب المقدس، يصر الله على أن البشريّة الخاطئة، على الرغم من كونها محاطة ببراهين جليّة وصريحة عن وجود الله غير المنظور وعن طبيعته، تحجز الحق بالإثم (رومية 1: 18). بكلمات أخرى، نحن كبشر نبذل جهدًا متعمدًا لحجز ما نعتبره حقيقة مرة: وهو وجود خالق قدوس، كلي القدرة، نحن مسئولون دائمًا أن نعطي حسابًا عن أنفسنا أمامه. ولكن ما يدعو للسخرية هو أن هذا الحق نفسه يقر به الملحدون أنفسهم. فإن ريتشارد داوكينز يؤكد على هذا: “إن علم الأحياء هو دراسة أشياء معقدة تعطيك انطباعًا بكونها قد صُممت لغرض ما”.[1] بمعنى آخر، تدفعنا الأشياء من حولنا دفعًا كي نلاحظ أن هذا الشيء أو ذاك قد صُمم وأوجِد لأجل غرض ما، حتى أنك كي ترفض هذا سيكون عليك قمع هذا الصوت الملح وإسكاته!

من الجدير أن ندرك أن كلاً من العلماء ومفسري الكتاب المقدس بعيدون كل البعد عن الاتفاق من جهة مجال ونطاق دراستهم وبحثهم. أي أنهم يتبنون تفسيرات مختلفة إلى حد ما لكل من المعلومات العلميّة والكتاب المقدس. ولكي نضيف إلى هذه الحيرة نقول إن عددًا ليس بقليل يشغل كلا الدورين معًا، أي أنهم علماء ومفسرون مسيحيون لكلمة الله، ومثل هؤلاء لا يتفقون على الدوام مع زملائهم سواء من العلماء أو من مفسري الكتاب المقدس.

قد تفيدنا هنا بعض الأمثلة. فمن جهة الكتاب المقدس، يتبنى بعض المسيحيين نظرية الفجوة (أي نظريّة وجود فجوة غير محددة زمنيًا بين تكوين 1: 1 وتكوين 1: 2)، والبعض الآخر يتبنى نظريّة اليوم الدهريّ (أي أن كل يوم من أيام تكوين 1 يمثل دهرًا)، وآخرون يتمسكون بنظرية حداثة عمر الأرض (أي أن كل يوم من أيام الخلق يتألّف من 24 ساعة، وهذا الخلق وقع منذ فترة لا تزيد عن عشرة آلاف عام). آخرون يتبنون ما يمكن أن نطلق عليه الأسبوع الأدبيّ (أن كل يوم من أيام الخلق يتألف من 24 ساعة، لكن لم يكن المقصود من هذا الأسبوع إخبارنا “ماذا حدث” بالتحديد، بل كان الغرض أن يكون خلقًا أدبيًا، يهدف إلى ترتيب القصة لأسباب رمزيّة ولاهوتيّة، وهكذا يمكن فهمه بطرق مختلفة).

وتتوافق الكثير من هذه النظريات مع نظرية “التطور الإلهي”، لكن هذا المصطلح نفسه مبهَم إلى حد كبير. فهو بحسب فكر البعض يفترض مسبقًا وجود تطور لا يختلف عن التطور في فكر المذهب الطبيعيّ في شيء سوى في التأكيد على أن الله كان يشرف إشرافًا سياديًا طفيفًا على الاستعلان التدريجي لهذا التطور (بالطريقة ذاتها التي يشرف بها اليوم بعنايته الإلهيّة على شروق الشمس وسقوط الأمطار، مما يتيح لنا أن نقول إن الله هو الذي يُحدِث شروق الشمس ويجلب الأمطار). أما بحسب فكر آخرين، ففي حين يحدث التطور من خلال نوع ما من الانتخاب “الطبيعي” (الذي يشرف عليه الله)، إلا أن الله قد تدخل معجزيًا في مراحل معينة ليحدث نتائج لم يكن من الممكن حدوثها بصورة طبيعيّة (على سبيل المثال، خلق الله البشر مختلفين نوعيًا عن الكائنات الحيوانيّة الرئيسيّة الأخرى: فهم على صورته، ومعَدون للخلود).

بكل صراحة، يعتبر الكثير من المؤمنين هذه الخيارات خارجة عن المألوف، وقد يتقبلون خيارًا واحدًا أو اثنين منها. على سبيل المثال، يثار في كثير من الأحيان جدل حول عدم وجود سبب كتابيّ يجبرنا على رؤية مليارات ومليارات من السنين في تكوين 1. ولكن تلك الأسباب التي تجعل المسيحيين يجرون تعديلاً على تفسيرهم لذلك النص تأتي من خارج الكتاب المقدس: أي من الجيولوجيين والعلماء الذين يخبروننا بأن براهين كون عمر الأرض يبلغ مليارات السنين ساحقة ولا تقبل الجدل.

وبسبب هذه الحجج، يعيد بعض المسيحيين تفسيرهم لتكوين 1 كي يلائم الرأي العلميّ السائد، متبنين تفسيرات لم يكن من المفترض “إيجادها” داخل النص لو لم تظهر ادّعاءات العلم. وهم يصرّحون بالفعل بأن هذه النتيجة تحط من قدر الكتاب المقدس إلى مستوى العامة وتشوه معناه الواضح. ومع ذلك فهذه القضية بالغة التعقيد. فقبل ظهور العلم الحديث بفترة طويلة، أكد أوغسطينوس (في القرن الرابع) على صعوبة تفسير تكوين 1، وبسبب ما أعتقده أسبابًا كتابيّة ولاهوتيّة لافتة للنظر ولا يمكن تجاهلها، قال إن الكون قد خُلق في لحظة من الزمان، وإن أسبوع الخلق الموجود في تكوين 1 هو أسبوع أدبيّ رمزيّ، بغرض استعلان بعض التعاليم اللاهوتيّة وتسليط الضوء عليها، وبالأخص ترتيب الأسبوع البشريّ، وتأسيس يوم السبت. بمعنى آخر، هذه النظريّة الخاصة بالأسبوع الأدبيّ للخلق تسبق ظهور ونشأة العلم الحديث.

في حين لم نتفق نحن كأعضاء هيئة ائتلاف الإنجيل بشأن جميع التفاصيل في هذا الأمر، إلا أننا جميعًا نصر على أن الله وحده ذاتيّ الوجود، وهو خالق كل شيء، وقد صنع الكل حسنًا. كما نصر أيضًا على أن آدم وحواء كانا شخصيّتين تاريخيّتين جاء منهما بقية الجنس البشريّ، وعلى أن المشكلة الرئيسيّة التي نواجهها نحن اليوم نتجت في المقام الأول عن عبادة الإنسان للأوثان وتمرّده، وعن اللعنة التي اجتذبها لنفسه. ويتعلق سبب عدم استعدادنا للتفاوض بشأن هذه الأمور بعدة نصوص من كلمة الله، وليس الأصحاحات الافتتاحيّة لسفر التكوين فحسب. على سبيل المثال، يقول بولس إن الله: “صَنَعَ مِنْ دَمٍ وَاحِدٍ كُلَّ أُمَّةٍ مِنَ النَّاسِ يَسْكُنُونَ عَلَى كُلِّ وَجْهِ الأَرْضِ” (أعمال 17: 26).

أما من جهة العلم، فكما هو الأمر من جهة التفسير الكتابيّ، وعلى الأقل في بعض القضايا، تزداد الاختلافات في الآراء وعدم اليقين بقدر أكبر مما هو معترف به بوجه عام. وعلى الرغم من تمسّك الغالبيّة العظمى من العلماء بنظريّة البيج بانج (الانفجار الكبير)، والتي تؤكد على أن الكون بأكمله كان بداخل جسم شديد الكثافة، وهذا الجسم في مرحلة ما انفجر إلى “نقطة تفرد” (في حدث ليست قوانين الفيزياء المعروفة هي العنصر الغالب فيه)، ليبرز، بعد حوالي خمسة عشر مليار عامًا، الكون كما نعرفه الآن، إلا أن أقليّة من العلماء لازالوا متشكّكيين فيها. والأهم من ذلك هو عدم وجود نظريّة مقبولة على نطاق واسع تفسر في المقام الأول مصدر هذا الجسم شديد الكثافة. وهناك نظريّة ما تُسلِّم بوجود كون يتمدد وينقبض بالتبادل، إلا أن التكهّنات التي تتضمّنها هذه النظريّة متطرّفة للغاية حتى أنها لم تحظ بالاهتمام اللازم.

وإن قمنا بتجاهل هذه الأسئلة المثارة حول مصدر هذا الجسم الكثيف، وجعلنا تركيزنا في المقابل على كوكب الأرض، سنرى أن النظريّات المختصة بتطور الحياة عبر تتابع تطوريّ قد تعرّضت لتغيرات وتعديلات متكرّرة. فإن السجل الأحفوري به عدد كبير جدًا من الفجوات في التتابع المتوقع للأشكال الانتقاليّة، حتى صار من الشائع الآن اتباع افتراض الراحل ستيفن جاي جود، واضع نظريات التطور بجامعة هارفارد. فهو افترض ضرورة أن نستبدل نظريّة النمو التطوريّ المتتابع من خلال الانتخاب الطبيعي بنظرية “التوازن المتقطع”، التي تفترض وقوع التطور على هيئة قفزات دوريّة من النشاط كانت سريعة للغاية حتى أن السجل الأحفوري لم يستطع التقاطها. علاوة على ذلك، وعلى الرغم من الجهود المضنية والجادة بشكل كبير في البحث، إلا أن مسار تحول المادة غير العضويّة إلى خليّة نشطة ومتكاثرة لا يزال غامضًا بصورة ملحوظة في افتراضات النظريّة الماديّة الفلسفيّة.

والأمر الأكثر تعقيدًا من هذا هو الجدل المثار مؤخرًا حول نظريّة التصميم الذكي. فتقريبًا خلال العقدين الماضيين، تباحثت مجموعة صغيرة من العلماء والفلاسفة بشأن تميز الكثير من الأجسام البيولوجيّة بما يسمى “التعقيدات غير القابلة للاختزال”، ويقصدون بهذا أنه كي تقوم مثل هذه الأجسام (مثل العين) بدورها، وكي يستمر وجودها، كان لابد أن يحدث الكثير من النمو التطوريّ في الوقت نفسه، حتى أن الاحتمالات الإحصائيّة في هذا تقترب من الصفر. فلم يكن ممكنًا أن تنمو مكونات ذا الكيان شيئًا فشيئًا إذ ليس لها دور ذو فائدة بعيدًا عن مكانها ودورها في الجسم البيولوجيّ الكامل. وهم يعتبرون هذا برهانًا مؤيدًا لنظريّة التصميم الذكي.

وقد كان رد فعل معظم العلماء على هذا الرأي بأنه شبيه بنظريّة “إله الفجوات” التي عفا عليها الزمن: فكلما عجز العلم عن تفسير شيء ما، نلجأ إلى الله، لكن النتيجة المؤسفة لهذا هو أنه كلما فسر العلم قدرًا أكبر من هذه “الفجوات”، تقلّص الله من المشهد أكثر فأكثر. لكن مؤيدي نظريّة التصميم الذكي يصرّون على أن ما يتباحثون فيه هو أمر مختلف تمام الاختلاف: فنحن بالفعل نفهم الكثير عن هذه الأجسام، فالبرهان الذي تؤكده هذه الأجسام، من العلم نفسه، هو أننا لابد أن نضع نظريّة التصميم الذكي في اعتبارنا في أثناء تفسيرنا لها.

ويزداد وضوحًا أمامنا أن ما يكمن وراء هذا الجدل هو نزاع أصيل حول طبيعة العلم ذاته. فإن جانبًا يعتقد أن العلم هو عبارة عن مجموعة من القواعد والنظريّات الخاضعة للاختبار، والعمليات القابلة للتكرار، والقياسات، والاستدلالات الضروريّة التي تمكّننا من أن ندرك منطقيًا طبيعة الواقع المادي ونفهمه بقدر أكبر. أما من يناقضون ويعارضون نظريّة التصميم الذكي فيعتقدون أن العلم هو مجموعة من القواعد والنظريات الخاضعة للاختبار، والعمليات القابلة للتكرار، والقياسات، والاستدلالات الضروريّة التي تمكننا من أن ندرك منطقيًا طبيعة الواقع المادي ونفهمه بقدر أكبر، لكن ليس بناء على أساس ينتمي للماديّة بشكل حصريّ، بل أيضًا على أساس افتراض أن مثل هذه المنهجيّات والنتائج لا يمكنها أن توجد أي شيء أو أي شخص خارج هذا الترتيب وهذا النظام الماديّ.

بكلمات أخرى، هذا الرأي العلميّ مخلص تجاه المذهب الماديّ الفلسفيّ الفعّال. مع استبعاد الله بطبيعة الحال من المشهد. والكثير من العلماء الذين يتبنّون هذا الرأي ليسوا بالطبع ملحدين، لكنهم يعتقدون أن ما نعرفه عن الله لا يتداخل مع الترتيب الماديّ، الذي لابد أن تظل قواعده الاستقصائيّة والنتائج التي يتوصل إليها خارج الفحص من قبل أي شيء آخر خارجها.

وبالطبع، تبرز السخريّة على السطح حين يتحدّث الكثير من العلماء، الذين أكثرهم ملحدون، عن ترتيب الكون، وروعة العلم، والأرقام بمصطلحات تبجيليّة، ليس في تقدير فحسب بل في عبادة أيضًا. ولكن عددًا قليلاً نسبيًا من العلماء الذين يكتبون عن هذه الأمور يتعاملون مع النظام الماديّ على أنه مجرد نتيجة لارتطام إحصائيّ للجزيئات، والأجسام الذريّة ودون الذريّة ببعضها البعض.

هذه الأفكار والتأملات تمهّد الطريق أمامنا لقراءة النصوص الكتابيّة بأكثر تركيز.

دراسة وتفنيد أسبوع الخلق: تكوين 1

تعد العبارة الأولى في الكتاب المقدس عبارة تأسيسيّة لكل ما يليها: “فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ” (تكوين 1: 1)، وهذه العبارة تقدم ثلاث حقائق هامة على الأقل:

  • كان وجود الله سابقًا لوجود الكون. فهو كان هناك في البدء، وأوجد كل شيء آخر.
  • هناك نقطة بداية للكون. فهو ليس أزليًا (كما يُعلِّم بعض العلماء)، كما أنه لا يسير أيضًا في دورات متكرّرة (كما تُعلِّم بعض الديانات الشرقيّة).
  • الله هو الذي خلق بنفسه كل ما في الكون. فلم يأتِ أي شيء من خلال قوى فيزيائيّة غير عاقلة، كما يُعلِّم علماء التطور الملحدون.

وهكذا تعد عقيدة الخلق أساسًا لكل ما يليها زمنيًا ولاهوتيًا، كما أن تاريخ الفداء يعتمد على الحقائق الموجودة بهذه العقيدة.

“وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً [دون شكل Formless] وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ” (تكوين 1: 2). لقد تطلَّب هذا الكون المعوز عملاً مستمرًا من الله كي يصل به إلى حالة من الترتيب الكامل والجمال التام. وتقدم لنا حقيقة كون “رُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ” فهمًا مبدئيًا عن الدور الذي يلعبه الروح القدس في الإمداد بالحياة، ذلك الدور الذي ظهر وانكشف تدريجيًا عبر كل الكتاب المقدس.

بعد هذا تكلم الله بكلمات سلطانه السياديّ وقال: “«لِيَكُنْ نُورٌ»، فَكَانَ نُورٌ” (تكوين 1: 3). هنا نتعرف على قوة الله المركزيّة وسلطانه في الكون: أي كلمته القديرة. فإن الله يخلق بكلمته، وبكلمته يملك على خليقته. “بِكَلِمَةِ الرَّبِّ صُنِعَتِ السَّمَاوَاتُ، وَبِنَسَمَةِ فِيهِ كُلُّ جُنُودِهَا” (مزمور 33: 6). ثم بعد هذا قام الله بتنظيم إيقاع الحياة الأرضيّة من خلال دورة دعاها “نهار” و”ليل”: “وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا وَاحِدًا” (تكوين 1: 5). هذا الإيقاع المتتابع للمساء والصباح، بالإضافة إلى إحصاء الأيام في تكوين 1 قد أنشأ وأسس نمطًا لتتابع الوقت كما نعرفه نحن البشر.

وأحد الأشياء التي تركّز عليها الدراسات المعاصرة بشأن تفسير تكوين 1 هو معنى كلمة “يوم”. ففي حين يمكن أن تشير الكلمة العبرية yom (أي يوم) إلى فترة ممتدة من الزمن، مثل حقبة من التاريخ، لكن تعد أكثر المعاني شيوعًا إلى حد كبير هو يوم يتألف من 24 ساعة أو فترة سطوع ضوء الشمس في مقابل فترة الظلمة (“نهار وليل”). وبالطبع يميل إيقاع عبارة “وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا وَاحِدًا [ثَانِيًا، ثَالِثًا، …الخ]” التي تتكرر كثيرًا في تكوين 1 إلى كونها أيام تتألف من 24 ساعة. وهذا الفهم يتأكد من خلال نص آخر: “لأَنْ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ صَنَعَ الرَّبُّ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا، وَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ. لِذلِكَ بَارَكَ الرَّبُّ يَوْمَ السَّبْتِ وَقَدَّسَهُ” (خروج 20: 11). وبالطبع لابد أن نقرّ أيضًا بأننا إن تبنّينا نظريّة أوغسطينوس بشأن رمزيّة هذا الإصحاح، أو ما يعادلها من النظريّات المعاصرة، فقد تكون هذه الأيام هي فترات تتألف من 24 ساعة كجزء من تركيب أدبيّ بلاغيّ من خلاله يتم تفسير حدث الخلق.

ويتضح لنا في هذا الإصحاح أن مبدأ الفصل كان مبدأ أساسيًا في الثلاثة أيام الأولى من الخلق — أي فصل هذا عن ذاك: النور عن الظلمة، المياه من فوق عن المياه من أسفل، والبحار عن اليابسة. وقد أقام الله حاجزًا يبدو هشًا بين أمواج المحيط القويّة والعاصفة وبين اليابسة، وهذا بشهادة أي شخص زار الشاطئ من قبل. فإننا أحيانًا ما نجد لافتات تحظر السير فوق الكثبان الرمليّة الموجودة عند الشاطئ، وذلك لئلا نطأ عشب هذه الكثبان الذي يمنع تآكل حافة الشاطئ فنقضي عليه. فإن هذه الحافة تحمينا من الأمواج العاصفة. ونجد هذا النوع ذاته من التأمل في إعلان الله عن نفسه لأيوب:

وَمَنْ حَجَزَ الْبَحْرَ بِمَصَارِيعَ [خلف أبواب] حِينَ انْدَفَقَ فَخَرَجَ مِنَ الرَّحِمِ. إِذْ جَعَلْتُ السَّحَابَ لِبَاسَهُ، وَالضَّبَابَ قِمَاطَهُ، وَجَزَمْتُ عَلَيْهِ حَدِّي، وَأَقَمْتُ لَهُ مَغَالِيقَ وَمَصَارِيعَ، وَقُلْتُ: إِلَى هُنَا تَأْتِي وَلاَ تَتَعَدَّى، وَهُنَا تُتْخَمُ كِبْرِيَاءُ لُجَجِكَ؟ (أيوب 38: 8-11)

بمجرد ظهور اليابسة، صارت لدى الله الآن لوحة زيتيّة خاليّة يخط ويرسم فوقها عجائب الحياة. وهكذا أوجد الله بكلمته الحياة النباتيّة للأرض، والنباتات التي تحمل بزرها من كل جنس. وتختص كلمتا بزر وجنس بالصفة الوراثيّة لكل نوع من أنواع النباتات، وبالقدرة على التكاثر والانتشار في جميع أنحاء سطح الأرض. فمن تفوته ملاحظة التنوع الرائع للنباتات على الأرض؟ فقد أوجد الله بكلمة منه أشجار السيكويا العملاقة، ونباتات السرخس الهشّة، وزهر الأوركيد العطر، والزهور البريّة الرائعة الجمال. وهو من نسج كل ما هو حي، وكل ما ينمو، وبهذه كلها جمَّل وزيَّن اليابسة، لتصير نظامًا بيولوجيًا معقدًا من الحياة النباتيّة، التي تأخذ غذاءها من التربة، وثاني أكسيد الكربون من الهواء، والطاقة من الشمس، كي تحيا وتنمو وتمد الحيوانات والإنسان الذين كانوا سيُخلَقون لاحقًا بالطعام.

وفي اليوم الرابع من الخلق، بدأ الله في نشر عجائبه وعظمته عبر النظام الكونيّ. فعلى الرغم من أنه كان قد خلق النور في البدء، إلا أنه أراد الآن أن يوكل مسئوليّة الإشراق بالنور على الأرض إلى كيانات مخلوقة — أي الشمس، والقمر، والنجوم. فعلى الرغم من أن النور الذي نعرفه اليوم يأتي بالكامل من الشمس والنجوم الأخرى، إلا أن هذه الأجسام السماويّة قد أضيفت في تكوين 1 لاحقًا.

تعد الشمس خليقة مذهلة، فهي تلك الكتلة الناريّة المشتعلة التي تعلن بشكل ما سمو الله على جنس بشري متعجرف. فلا يوجد شيء يمكن للبشريّة فعله تجاه الشمس، خيرًا كان أم شرًا. فلا يمكننا أن نجعلها أكثر سطوعًا أو أكثر إعتامًا، أكبر أو أصغر حجمًا، أقرب أو أبعد، أكثر حرارة أو أكثر برودة. فإن اتخذنا معًا قرارنا كبشر بتدمير الشمس، فلن يوجد في وسعنا ما نفعله حيال ذلك. وإن حشدنا جميع أسلحتنا النوويّة الحراريّة وأرسلناها على هيئة صواريخ بين المجرات كي تنفجر فوق سطح الشمس، فهي لن تصل قط إلى هناك، بل ستتحول إلى رماد على بعد ملايين الأميال من وجهتها. وفي الوقت الحالي، تخطط وكالة ناسا للقيام بمهمة استكشافية إلى الشمس، وهذه المهمة ستكون قادرة على الاقتراب منها فقط لمسافة 3.5 مليون ميلاً.

تستمر الشمس يومًا بعد يوم في الاشتعال دون أي نقص ملحوظ في قوتها، وهي شديدة السطوع حتى أننا لا نستطيع تثبيت أنظارنا عليها دون أن نصاب بالعمى. هذه الشمس تمجد الله بقوتها وسطوعها المذهلين، ومع ذلك فإنها صُممت في الأساس لأجل البشر، ساطعة في السماء “لِتُنِيرَ عَلَى الأَرْضِ” (تكوين 1: 17).

كما خلق الله القمر لأجل الغرض ذاته الذي مركزه الإنسان، لكنه على خلاف الشمس يعطي الأرض نورًا مكتسَبًا. إذ يعكس القمر نور الشمس عليها، نظيرنا نحن المؤمنين الذين يومًا ما سنسطع بنور المسيح في السماء. ثم بعد هذا تأتي هذا العبارة المقتضبة: “وَ[عمل] النُّجُومَ” (تكوين 1: 16). وقد أظهرت لنا التطورات الأخيرة في علم الكونيات، مثل مرصد (تلسكوب) هابل الفضائيّ الذي يدور حول الأرض عارضًا لنا صورًا في قمّة الروعة لمجموعة النجوم، مقدار ضخامة هذا الكون الذي خلقه الله.

وفي اليوم الخامس، ملأ الله البحار بمخلوقات تسبح فيها، والسماء بالمخلوقات الطائرة. وهذا التنوع الذي لا يُستقصى في أنواع الأسماك والطيور ليربك العقل ويحيّره بشأن مجد الله. فقد خلق الله الحيتان كي تكون أكبر الكائنات الحيّة على الأرض، ثم يفتح يديه ليطعمها ما يقرب من 2600 رطل من العوالق يوميًا. وتوجد أيضًا الأسماك الاستوائيّة رائعة الجمال، التي تعرض صورًا حيّة ورائعة تشع بجميع ألوان الطيف. كما توجد الأسماك قبيحة الوجه التي يطلق عليها بروتوليدا، والتي يمكنها التواجد تحت سطح المحيط على عمق يبلغ حوالي خمسة أميال. أيضًا تعلن الطيور إبداع الله المدهش في الخلق، إذ أن البعض منها، كالنسور، يمكنها أن تحلق عبر التيارات الحراريّة الصاعدة، ونادرًا ما ترفرف بجناحيها. لكن طيورًا أخرى مثل الطائر الطنّان، ترفرف بجناحيها حوالي 80 مرة في الثانية الواحدة. أما صقور الشاهين فهي أسرع المخلوقات في الطبيعة، إذ ترتحل حتى إلى 240 ميل في الساعة رأسيًا.

ثم بارك الله الأسماك والطيور، آمرًا إيّاها بأن تكثر وتملأ البحر والسماء.

وفي اليوم السادس، حوّل الله انتباهه إلى اليابسة وأوجد وحوش الأرض — البهائم والحيوانات البريّة، وكل المخلوقات التي تدب على وجه الأرض. ويعد التعقيد والتنوّع الشديد في هذه الأنواع والسلالات شهادة حيّة وواضحة على حكمة الله وصلاحه. فإن بعض هذه المخلوقات قويّة وجبّارة، كالفيل، الذي يمكنه بخرطومه رفع وزن يزيد عن ستمائة رطل. لكن البعض الآخر ضئيل وشديد الخوف، مثل الغرير الصخريّ، الذي يسكن فوق حواف الجبال ممتصًا الماء والرطوبة من نبات الأشنة الذي ينمو عند الجرف. وهكذا فإن الله هو من خلق الأسد العاتي كي يزأر، والقضاعة ليسبح، وفرس النهر كي يملأ الأنهار الأفريقيّة، والفهد كي يركض كالريح.

ذُروة عمل الخلق: صورة الله

بعد أن أعد الله هذا المسرح الرائع والجميل، وهذا الكون المكتمل، المُعد إعدادًا تامًا بعنايته الإلهيّة وتدبيره المحب، حان الوقت لبلوغ ذروة عمل الخلق: أي خلق الإنسان، ذكرًا وأنثى، على صورة الله:

وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ». فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ. (تكوين 1: 26-27)

يعد البشر مخلوقات متفرّدة لأن الله خلقهم على صورته. فهم لم يُخلَقوا كي يكونوا هم الله بل كي يكونوا على صورة الله. ومم تتألف هذه “الصورة”؟ من جانبين بالغين الأهمية: 1) من جهة طبيعتنا: فإننا نشبه الله في بعض الإمكانيّات والقدرات (القدرة على التفكير، والحكم المنطقيّ، والتخطيط، والمحبّة، والاختيار، والرغبة، والتواصل، إلخ)، وبعض الصفات (البر، والقداسة، والرحمة، والرأفة، والحكمة، وهكذا). 2) من جهة مكانتنا في العالم: فقد سلّط الله الجنس البشري على الأرض (تكوين 1: 26، 28).

أيضًا بخلق الله للإنسان، كان يُؤسّس نمط تنوع الجنس. فقد خلق الله البشر ذكرًا وأنثى، كلاهما متساويان في كونهما على صورته، ولكن مع بعض التميز في العمل والأدوار — وكل هذا كما عيّنه الله وصمّمه. أما المثليّة الجنسيّة والصور الأخرى للخلط في الأجناس فهي تعد تشوّهًا في هذه التميزات بين الذكر والأنثى. فقد قصد الله أن يكون التميّز في الأجناس شيئًا حسنًا ونافعًا من البداية، فحسن جدًا أن يكون الرجل رجلاً والمرأة امرأة.

كما عيَّن الله للبشر أن يثمروا ويكثروا ويملأوا العالم بصورة الله، وأن يكون هذا الإثمار نتيجة لبركته الخاصة لهم. فحين يبارك الله ذكرًا وأنثى (أي زوج وزوجة [امرئ وامرأة]، كما نتعلم أن نطلق عليهما من تكوين 2)، يولد الأولاد، وتنتشر صورة الله. وهكذا يُعد البنون بركة من الرب، وليسوا اللعنة الباهظة الثمن وغير المُحبّبة كما يعتقد بعض الأنانيّين في مجتمعنا.

وتظهر عناية الله المُحِبة بالجنس البشري وبجميع الحيوانات جليًا في نهاية رواية الخلق — كُلَّ بَقْل يُبْزِرُ بِزْرًا وَكُلَّ شَجَرٍ فِيهِ ثَمَرُ للإنسان، وللحيوانات كُلَّ عُشْبٍ أَخْضَرَ. وهذا يضع بشكل رائع للغاية أساسًا لعناية الله السياديّة بالكون لأجل استمرار الحياة. وكما ذكرنا قبلاً، لقد خلق الله كونًا معوزًا، وهو يتمجد بصورة رائعة في اعتماد الخليقة عليه. وقد كان صلاح الله في تدبيره للطعام هو الفكرة الرئيسيّة لتأمل كاتب المزمور في مزمور 104: “كُلُّهَا إِيَّاكَ تَتَرَجَّى لِتَرْزُقَهَا قُوتَهَا فِي حِينِهِ. تُعْطِيهَا فَتَلْتَقِطُ. تَفْتَحُ يَدَكَ فَتَشْبَعُ خَيْرًا” (عدد 27-28).

صلاح الله في حُسن خليقته:

يختم الله رواية خلقه للكون بهذا التقييم الشامل والساحق: “وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا” (تكوين 1: 31). هذا التصريح بالغ الأهمية، إذ يؤكد على الخير والحسن الأصليّ للمادة الملموسة. فقد أنكر الفلاسفة اليونان والمتصوّفون الشرقيّون خير وحسن العالم الماديّ، وخاصة جسد الإنسان. لكن الله أعلن أن كل ما خلقه حسن. لكن الأهم من هذا هو أن هذه الخليقة التي خلقها تعلن وتظهر صلاح الله نفسه.

نحن نعيش في كون أبدعه الله بفطنة ومحبة، ذلك الإله الصالح الذي يحب ما خلقه. كما أننا نحيا فوق كوكب أُعد خصّيصًا وبصورة فريدة للحياة البشريّة. فالأرض تدور بسرعة حوالي 66,600 ميل في الساعة حول الشمس. وهي السرعة المُحدّدة اللازمة لمعادلة قوة جاذبيّة الشمس والإبقاء على الأرض على مسافة ملائمة من الشمس كي تنمو الحياة فوقها. إن صلاح الله هو الذي جعل زاوية ميل محور الأرض هي 23.5 درجة بالنسبة للشمس، كي يشكل هذا تنوعًا رائعًا للفصول في نصفيّ الكرة الأرضيّة. فإن زادت هذه الزاوية ووصلت إلى 25 درجة، ستصبح حرارة الصيف أشدّ بكثير، وبرودة الشتاء أشدّ بكثير، وبالتالي ستفسد الحياة النباتيّة على الأرض. وهكذا كانت سرعة الأرض وموقعها “حسن جدًا” لأجل حياة البشر.

أيضًا قام الله بضبط الغلاف الجويّ لكوكب الأرض بدقة على خلاف أي كوكب آخر في المجموعة الشمسيّة. ففوق رؤوسنا عاليًا، تحجب طبقة الأوزون بدرجة كبيرة أشعة الشمس المسبّبة لمرض السرطان. كما يقي هذا الغلاف الجويّ الأرض من النيازك والشهب التي تحرق ما يقرب من 70000 طن من الكتل الفضائيّة سنويًا. أيضًا يحتوي هذا الغلاف على 78% من غاز النيتروجين و21% من غاز الأوكسجين — وهي النسب الملائمة تمامًا للحياة. فبدون الأوكسجين، لن تتمكن الكائنات الحيّة المتحركة من البقاء على قيد الحياة، لكن إن زادت هذه النسبة على سبيل المثال إلى 25%، ستعم الحرائق أنحاء الأرض كلها في الحال، وربما يستحيل إطفاؤها. أما غاز النيتروجين فهو لا يخفف من تركيز الأوكسجين فحسب، لكنه أيضًا يمدّنا بسماد طبيعيّ للحياة النباتيّة. ومن المذهل أنه في أثناء العواصف الرعديّة (الكهربائيّة) التي تقع في جميع أنحاء الأرض، تقوم الصواعق الضوئيّة بمزج النيتروجين والأوكسجين معًا لتكوين مركّبات فعّالة ونافعة للحياة النباتيّة، وهذه المركّبات تُحمَل إلى التربة من خلال الأمطار. وهكذا فإن الغلاف الجوي “حسن جدًا” للحياة البشريّة.

أصدر عالم الفلك البولندي نيكولاس كوبرنيكوس، قبل وفاته مباشرة في مايو من عام 1543 م، كتابه الذي أحدث تأثيرًا شديدًا، بعنوان: “On the Revolution of the Celestial Spheres” [المترجم: عن ثورة الأجرام السماويّة]. وأثبت فيه أن الشمس، وليس الأرض، هي مركز النظام الشمسيّ. وقد أيّد العلم آراءه فيزيائيًا، إلا أن تكوين 1 لا زال يسلط الضوء على مفهوم رئيسيّ لا يمكن إنكاره أو شجبه كتابيًا: أن الأرض هي مركز مقاصد الله تجاه الكون. ووفقًا لما نقرأه في تكوين 1: 14-18، تمركزت جميع الأسباب وراء خلق الله للشمس، والقمر، والنجوم حول الأرض: لِتُنِير عَلَى الأَرْضِ، ولِتَفْصِلَ بَيْنَ النَّهَارِ وَاللَّيْلِ، وَتَكُونَ لآيَاتٍ وَأَوْقَاتٍ وَأَيَّامٍ وَسِنِينٍ. كما يؤيّد سفر الرؤيا — الذي فيه تصل الأحداث فوق سطح الأرض وفي التاريخ البشريّ إلى ذروتها — نظريّة مركزيّة الأرض في الكون، حين سوف تسقط نُجُومُ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ كَمَا تَطْرَحُ شَجَرَةُ التِّينِ سُقَاطَهَا إِذَا هَزَّتْهَا رِيحٌ عَظِيمَةٌ (رؤيا 6: 13). وهكذا، تعد الأرض محور خطة الله للكون.

سبت الراحة:

تُختتم رواية سفر التكوين عن أيام الخلق السبعة براحة أخذها الله في يوم السبت، وتأسيسه لهذا اليوم باعتباره يومًا مقدسًا ومباركًا (تكوين 2: 1-3). لا ينبغي بالتأكيد أن نفهم أن الله استراح في يوم السبت لأن عمله في خلق الكون قد أعياه، وكان يحتاج إلى شحن وتجديد قوته من جديد. فإن إشعياء 40: 28 يقول بوضوح: “إِلهُ الدَّهْرِ الرَّبُّ خَالِقُ أَطْرَافِ الأَرْضِ لاَ يَكِلُّ وَلاَ يَعْيَا.”

كما لا ينبغي أن نتوهّم أيضًا أن الله في راحته هذه توقف عن بذل طاقة وجهد تجاه الكون الذي خلقه، فهو خلق كونًا معوزًا يعتمد عليه في كل لحظة في وجوده. لكن تُعبّر راحة الله في يوم السبت عن أمرين: (1) إعلان عن حق الله السياديّ في حكم الكون، مثل ملك يسير في أنحاء بهو العرش، ثم يعتلي المنصة، ويلتفت ليواجه البلاط الملكي، ثم في هيبة وجلال عظيم يجلس فوق العرش ليحكم؛ (2) إعلان عن لطف الله ورأفته تجاه البشر، في إتاحته الفرصة لهم للدخول إلى راحته في هذا الدهر، في يوم من السبعة أيام، وأيضًا إلى الأبد في السماء بالإيمان بالمسيح (عبرانيين 4: 1-11).

الخلق الخاص للبشر: تفاصيل تكوين 2

واجه بعض المفسرين صعوبة في عقد صلح بين روايتي الخلق المختلفتين الموجودتين في تكوين 1 و2. ومع ذلك، وكما قال تشارلز سبرجن في أحد المرات بخصوص قضيّة لاهوتيّة أخرى: “لا أحاول قط عقد صلح بين الأصدقاء!” فإن تكوين 2 يعدّ تتمة رائعة لتكوين 1. إذ يقدم تكوين 1 الرواية الأكبر والأشمل لخلق الله للكون، وبشكل خاص مقاصده من جهة خلق البشر ذكرًا وأنثى على صورة الله. إلا أن تكوين 2 يلفت الانتباه بشكل خاص إلى تفاصيل لازمة وضروريّة تخص خلق الإنسان الأول والمرأة الأولى، ومقاصد الله الخاصة لكل منهما. فهذان الإصحاحان يشبهان خريطة ولاية كاليفورنيا التي تتضمن خريطة لوس أنجلوس في الصفحة ذاتها.

أرض مجيدة لكن معوزة تنتظر مجيء حاكمها والوكيل عليها:

يصور لنا تكوين 2 أرضًا يزينها مجد الله بالكامل، ومع ذلك هي معوزة، تقبع في انتظار مجيء حاكمها والوكيل عليها. وبالرغم من تصريح تكوين 1 بكون الأرض “حسنة جدًا”، إلا أن هذا لا يعني عدم إمكانية تطويرها وتحسينها. وبالتالي يتحدث تكوين 2: 5 عن فئة معيّنة من النباتات تحتاج إلى زراعة وعناية بشريّة كي تصل إلى كامل طاقتها والقصد منها. ومن أين قد يحصل الإنسان الأول على هذه المهارة؟ كان هذا من المفترض أن يأتيه بتعليمات مباشرة من أبيه السماوي، فقد قصد الله أن يدرّب آدم الذي هو ذريته في طرق العناية بالأرض. ويقدم لنا إشعياء 28 نصًا لافتًا للانتباه يشرح تدخل الله المباشر في تعليم الإنسان للزراعة:

هَلْ يَحْرُثُ الْحَارِثُ كُلَّ يَوْمٍ لِيَزْرَعَ، وَيَشُقُّ أَرْضَهُ وَيُمَهِّدُهَا؟ أَلَيْسَ أَنَّهُ إِذَا سَوَّى وَجْهَهَا يَبْذُرُ الشُّونِيزَ وَيُذَرِّي الْكَمُّونَ، وَيَضَعُ الْحِنْطَةَ فِي أَتْلاَمٍ، وَالشَّعِيرَ فِي مَكَانٍ مُعَيَّنٍ، وَالْقَطَانِيَّ فِي حُدُودِهَا؟ فَيُرْشِدُهُ. بِالْحَقِّ يُعَلِّمُهُ إِلهُهُ. إِنَّ الشُّونِيزَ لاَ يُدْرَسُ بِالنَّوْرَجِ، وَلاَ تُدَارُ بَكَرَةُ الْعَجَلَةِ عَلَى الْكَمُّونِ، بَلْ بِالْقَضِيبِ يُخْبَطُ الشُّونِيزُ، وَالْكَمُّونُ بِالْعَصَا. يُدَقُّ الْقَمْحُ لأَنَّهُ لاَ يَدْرُسُهُ إِلَى الأَبَدِ، فَيَسُوقُ بَكَرَةَ عَجَلَتِهِ وَخَيْلَهُ. لاَ يَسْحَقُهُ. هذَا أَيْضًا خَرَجَ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْجُنُودِ. عَجِيبِ الرَّأْيِ عَظِيمِ الْفَهْمِ. (إشعياء 28: 24-29)

الإنسان الأول يُخلق نفسًا حيّة:

يقدم لنا تكوين 2: 7 الخلق الخاص للإنسان الأول من تراب الأرض: “وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ تُرَابًا مِنَ الأَرْضِ، وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ. فَصَارَ آدَمُ نَفْسًا حَيَّةً”. أتذكر رسمًا رأيته في متحف بوسطن للعلوم لجسم إنسان، وداخل الرسم كانت هناك مجموعة من الزجاجات الكيميائيّة مختلفة الأحجام مليئة بالمركبات والمواد الجافة. وكان هذا الرسم يمثل جسدًا بشريًا انتزعت منه كل المياه (إذ يحتوي جسد الإنسان على ما يزيد عن 60% من المياه)، وكان ما تبقى هو حفنة من المركبات الكيميائيّة والمعادن، جميعها يمكن التنقيب عنها واستخراجها من الأرض! فإن الإنسان الأول من الأرض ترابي (1 كورنثوس 15: 47). أيضًا بعد سقوط آدم في الخطية، قال الله له إنه سيموت ويعود إلى الأرض (التراب): “تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ” (تكوين 3: 19).

ولكن في حين أننا ترابيّون وأرضيّون، إلا أن التأمّل في تعقيد جسد الإنسان لا يزال يدهش العقل. فإن هذا الجسد يمتاز عجبًا في صنعه من تلك المكونات الأرضيّة المتنوعة (مزمور 139: 14). ويخبرنا علم الوراثة الحديث بأننا إن قمنا بتفكيك الحمض النووي (DNA)، الموجود في تريليونات الخلايا داخل إنسان واحد، من ذلك المركب الحلزوني المزدوج المعقد الموجود في كل خلية، وتم بسطه من بدايته وحتى نهايته، فإن طوله سيمتد لمسافة تقارب 10 إلى 20 مليار ميل. وكم بالحري هي روعة وعجب مخ الإنسان، الذي هو أكثر الأشياء الماديّة تعقيدًا على الإطلاق في خليقة الله، إذ يحتوي على مائة مليار من الخلايا العصبيّة (وهو تقريبًا عدد الأشجار في غابات الأمازون)؟

وصايا الله الخاصة:

بالرغم من نسج الله لعالم كامل ممتلئ بمجده، لكن الرب أعد موضعًا خاصًا لآدم وامرأته كي يبدآ فيه رحلتهما المثيرة من استكشاف وتطوير. وكان هذا الموضع “فِي عَدْنٍ شَرْقًا” (تكوين 2: 8)، وهناك وضع الله آدم الذي جبله. وأمد الرَّبُّ جنة عدن بكُلَّ شَجَرَةٍ شَهِيَّةٍ لِلنَّظَرِ وَجَيِّدَةٍ لِلأَكْلِ. وفي وسط الجنة وضع الله شجرة الحياة. وأيضًا في الجنة كانت شجرة معرفة الخير والشر. وكانت هاتان الشجرتان محور وصايا الله الخاصة التي كان على وشك أن يأتمن آدم عليها.

ويصف لنا تكوين 2: 10-14 أربعة أنهار، كان منبعها من داخل جنة عدن (وفي الحقيقة، لازالت الاكتشافات الأثريّة المدهشة بخصوص هذه الأنهار تظهر حتى اليوم). ثم بعد هذا يقول تكوين 2: 15 “وَأَخَذَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا”. والكلمتان “يعمل” و”يحفظ” هما كلمتان شائعتان للغاية في العهد القديم، ومعناهما الأصلي هو شيء ما من قبيل “يخدم” و”يحمي”. فقد كان على آدم أن يخدم جنة عدن بجهده وعمله، باذلاً هذا الجهد كي يصل بها إلى أقصى ما يمكن الوصول إليه تحت إرشاد ووصاية أبيه السماوي. فكان على الأعشاب والنباتات الأخرى المزروعة المذكورة في تكوين 2: 5 أن تلقى الرعاية اللازمة كي تنمو. أما الوصية الثانية فقد كانت أن يحفظ أو يحمي، والتي تحوي ضمنيًا أن خطرًا وشيكًا كان يهدد جمال وسكينة جنة عدن. وهذا الخطر يظهر جليًا في تكوين 3، حيث يأتي إبليس في صورة حيّة ليغوي حواء وآدم ويقودهما (مع جنة عدن) إلى الموت.

بعد أن وضع الله آدم في جنة عدن، أعطاه هذه الوصية الصريحة: “مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلاً، وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ” (تكوين 2: 16-17). وهنا أخضع الله آدم لقيد ما. وهذا القيد هو شريعة، أو تحذير، أو حدود. فقد ألقيت على عاتق آدم مسئوليّة الأرض بأكملها كي يتسلط عليها، لكن آدم نفسه كان لابد أن يخضع لله.

خلق حواء والزواج:

إن الذكر والأنثى كليهما مخلوقان على صورة الله، وكليهما كُلّفا بأن يثمرا، ويكثرا، ويملآ الأرض (تكوين 1: 26-27). إلا أن آدم خُلق أولاً وحده، وظل هكذا لبعض الوقت. وعلى الرغم من تصريح الله بأنه “لَيْسَ جَيِّدًا أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ” (تكوين 2: 18)، لكن لم يكن من قبيل الصدفة أن خلقه الله أولاً وسمح له بالبقاء وحده لفترة وجيزة. فقد فعل الله هذا ليجعل آدم رأسًا لامرأته، ولكي يُظهِر دورها باعتبارها “مُعِينًا نَظِيرَهُ [في الترجمة الإنجليزيّة: معينًا ملائمًا له]” (تكوين 2: 18؛ انظر 1 كورنثوس 11: 2-16؛ أفسس 5: 22-33؛ 1 تيموثاوس 2: 11-15).

فبعد أن دعا آدم الحيوانات بأسمائها (تكوين 2: 19-20)، تبين له بوضوح أنه لم يكن من بين هذه الحيوانات معين نظيره [ملائم له]. فهو لم يكن في إمكانه أن يثمر وحده، أو يحب وينشئ علاقة مع آخر كما تعيّن له كمخلوق على صورة الله أن يفعل. وهكذا أوقع الله سباتًا على آدم، وأخذ واحدة من أضلاع ذلك الامرء، وبنى من الضلع امرأة بينما كان هذا الامرء نائمًا. ثم أحضرها الله لآدم وقدمها له لتكون امرأته. وبنغمات شعريّة، تهلل آدم قائلاً: “هذِهِ الآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي. هذِهِ تُدْعَى امْرَأَةً لأَنَّهَا مِنِ امْرِءٍ أُخِذَتْ” (عدد 23).

وفي دعوة آدم لحواء باسمٍ، يتبيّن بوضوح سلطان الرجل في الزواج، لكن في احتفاله وتهلله بتماثلها الجوهري معه، يتبين أيضًا الشركة التي كانا عتيدان أن يحصلان عليها كمخلوقين متساويين على صورة الله. كان هذا هو أصل الزواج، أي أول علاقة بشريّة في الكتاب المقدس، وهو النمط والنموذج لجميع الزيجات المستقبليّة. كما كان هذا صورة للمسيح والكنيسة (أفسس 5: 32). وقبل أن يخطئ آدم وحواء أمام الله، كانا يتمتعان بالحرية التامة حتى أنها “كَانَا كِلاَهُمَا عُرْيَانَيْنِ … وَهُمَا لاَ يَخْجَلاَنِ” (تكوين 2: 25)، فلم يكن لدى أي منهما ما يخفيه، وهذا يختلف تمام الاختلاف عن الوضع المأساويّ والبائس الذي ساد بمجرد تغلّب الخطية عليهما.

سقوط مأساويّ للخليقة:

تختلف الخليقة المحيطة بنا اليوم تمام الاختلاف عن العالم الكامل الذي كان يحيط بآدم وحواء في جنة عدن. فقد أخفق آدم، كممثل للجنس البشري، في خدمة وحماية [أي عمل وحفظ] زوجته أو جنة عدن. فقد وقف مكتوف الأيدي بينما كان إبليس يغوي امرأته، ثم اقتاد بها في تمرد صريح على الله بأكله من شجرة معرفة الخير والشر (تكوين 3: 1-7).

ثم جاء الله باعتباره ديّان كل الأرض، وواجه آدم الأول، ثم حواء، ثم الحية. وصب لعنته على ثلاثتهم واحدًا فواحدًا، ومع لعنة آدم لُعنت الأرض ذاتها: “مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. وَشَوْكًا وَحَسَكًا تُنْبِتُ لَكَ، وَتَأْكُلُ عُشْبَ الْحَقْلِ” (تكوين 3: 17-18).

ومنذ ذلك الحين ظلّت الخليقة تئنّ تحت عبوديّة الفساد والبطل، متوقعة ومنتظرة بلهفة الاكتمال المجيد لخلاص البشر (رومية 8: 18-22). ونحن نرى يوميًا براهين على ذلك الأنين، وتلك العبوديّة، وذلك الفساد والبطل، ونحن أنفسنا أيضًا نئنّ مشتاقين ومتوقعين اليوم الذي فيه ستُعتق هذه الخليقة لتكون حرّة ومجيدة مرة أخرى.

الخليقة الجديدة:

أطلق إنجيل يسوع المسيح العنان لقوة الله كي تأتي بيوم العتق هذا. فقد بدأت حقبة جديدة من التاريخ الإنسانيّ مع قيامة المسيح. وصار جسد قيامة المسيح — “جسد روحانيّ” — هو نواة كون جديد. إذ كان هو “باكورة” من الأموات (1 كورنثوس 15: 20، 23). وفيما يشقّ إنجيل موت المسيح الفدائيّ وقيامته المجيدة طريقه في جميع أنحاء العالم، يُقبِل نسل آدم الخاطئ إلى التوبة ويؤمنون بالمسيح، ويجدون فيه فداءً لهم. وفي تلك اللحظة التي يؤمن هؤلاء فيها يصيرون روحيًا “خليقة جديدة” في المسيح (2 كورنثوس 5: 17)، ويبدأون في الاشتياق إلى أن يصيروا أيضًا خليقة جديدة ماديًا.

وهكذا يئنّ المؤمنون والكون على حد سواء في أنفسهم متوقعين في لهفة الفداء الأخير، أي قيامة الأجساد (رومية 8: 23). وعند المجيء الثاني للمسيح، سيتحقق هذا الرجاء الصادق والحقيقيّ، وستصير الخليقة نفسها جديدة. وسيُقام الكون، الروحيّ والجسديّ، بشكل ما مثلما ستقام أجسادنا. وهكذا سيحدث في الوقت ذاته استمرار واختلاف. وذلك الكون الجديد يحمل اسمًا مجيدًا: “سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً، وَأَرْضًا جَدِيدَةً، يَسْكُنُ فِيهَا الْبِرُّ” (2 بطرس 3: 13).

تطبيقات على عقيدة الخلق:

ينبغي لعقيدة الخلق أن تفتح عيوننا على أمجاد الله من حولنا، وأن تمكّننا من أن يكون لدينا سيل من أسباب لا تحصى تدعونا لتسبيح الله وعبادته. إذ لابد أن نكون على استعداد دائم أن نقدم الشكر لله على جمال وروعة الأرض، وعلى إعلانها عن صلاحه ومحبته، وعلى تنوّعها وتدبيرها الرائع لجميع حاجاتنا، على الرغم من جميع علامات اللعنة التي قد أصابتها.

ليست الخليقة بأكملها وحدها هي التي تعلن قوة الله الخالق، لكننا أيضًا ينبغي أن نتعجب ونندهش، مثلما فعل داود في مزمور 139، من أن الله نسجنا بشكل خاص في بطون أمهاتنا، وأنه يساندنا ويدعمنا في كل لحظة من لحظات حياتنا. ينبغي أن ندرك أننا “نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ” في الله (أعمال 17: 28). كما يجب أن ندرك أن الله “بِيَدِهِ نَسَمَتُنا، وَلَهُ كُلُّ طُرُقِنا” (دانيال 5: 23). وهذا لابد أن يدفعنا إلى نوع من الحميميّة المليئة بالمهابة في علاقتنا بالله، كالتي أبداها داود في مزمور 139: “اخْتَبِرْنِي يَا اَللهُ وَاعْرِفْ قَلْبِي!” (عدد 23).

يشبه التجديد الذي حدث لنا ما فعله الله في بداية الخلق: “لأَنَّ اللهَ الَّذِي قَالَ: «أَنْ يُشْرِقَ نُورٌ مِنْ ظُلْمَةٍ»، هُوَ الَّذِي أَشْرَقَ فِي قُلُوبِنَا، لإِنَارَةِ مَعْرِفَةِ مَجْدِ اللهِ فِي وَجْهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (2 كورنثوس 4: 6). وهذا يبيّن ويظهر بوضوح سيادة الله في رجوعنا إليه. فكما خاطب الله العدم المظلم عند الخلق قائلاً له: “ليكن نور” فكان نور، هكذا أيضًا خاطب الله العدم المظلم في قلوبنا ليخلق نورًا روحيًا — نور المسيح. هذه هي ماهيّة التجديد، ووحده الله صاحب السيادة هو من يستطيع إحداثه. ومتى أراد الله إحداثه، لا توجد قوة في الكون يمكنها إيقافه أو منعه!

تعدّ عقيدة الخلق من أبسط وأوضح العقائد التي يمكن أن تكون نقطة بداية في تعليم الآباء لصغارهم عن وجود الله وصفاته. وعلى الآباء أن يحمِّلوا لغتهم وحديثهم بكلمات الحمد والشكر لله الخالق باستمرار، ثم يلجأون إلى التشابهات والأمثلة الروحيّة المذكورة سابقًا كي يعلموا أبناءهم إنجيل يسوع المسيح.

تبدأ العديد من أسفار الكتاب المقدس عرضها لحق الإنجيل من خلال عقيدة الخلق (مثل سفر التكوين، وإنجيل يوحنا، ورسالة رومية، ورسالة كولوسي، ورسالة العبرانيين). وهذه تعدّ نقطة تلاقي يمكننا من خلالها التواصل مع عالم جاهل كتابيًا. وفيما نسعى لحمل رسالة الإنجيل إلى أقصى الأرض، إلى جماعات لم يصلها هذا الإنجيل بعد، فإن نقطة البداية في مناداتنا بهذه الرسالة حتميًا ستكون الخلق. وهذا ينطبق اليوم أكثر من ذي قبل على مجتمعنا أيضًا، إذ يتناقص عدد من يعرفون كلمة الله في العالم الغربي يومًا بعد يوم. كما لابد من ربط رسالة الإنجيل ذاتها ربطًا قويًا بالخلق.

لقد اؤتمنا على هذه الأرض من قبل خالقها، وبالتالي فإننا مجرد وكلاء على أملاك شخص آخر. وهكذا علينا أن نبدي احترامًا للأرض باعتبارها خليقة أبينا السماوي، وعلينا أن نعتني بها بمحبة وسرور. أي علينا أن نخدم الأرض ونحميها (نعملها ونحفظها)، كي نصل بها إلى كامل جمالها وإمكانياتها تحت إشراف الله ووصايته، وذلك دون أن نعبدها.

على جميع المؤمنين المدعوين لدراسة العلم أن يفعلوا هذا كعابدين في المقام الأول. إذ ينبغي على العلماء أن يعتبروا عملهم مجرد كشف الغطاء عن عجائب الله الخالق، جاعلين تلك العجائب متاحة لإخوتهم وأخواتهم لغرض العبادة ولفائدة البشريّة. فعلى العلماء ألا يتخلوا عن تكريسهم وإخلاصهم تجاه حق الكتاب المقدس في أثناء كشفهم لحقائق جديدة في الخليقة.

يعدّ الكتاب المقدس هو أعظم وأوضح إعلان عن فكر الله تجاه الجنس البشري، إلا أن هذا الكتاب ذاته يصير غامضًا وغير مفهوم بمعزل عن الخليقة المحيطة بنا. فالكتاب المقدس يخاطبنا بلغة هذا العالم، مستخدمًا تشبيهات ماديّة كي يعلمنا حقائق روحيّة. وقد كان يسوع يفعل هذا طوال الوقت: “تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ الْحَقْلِ” (متى 6: 28)، “اَلرِّيحُ تَهُبُّ حَيْثُ تَشَاءُ، وَتَسْمَعُ صَوْتَهَا … هكَذَا كُلُّ مَنْ وُلِدَ مِنَ الرُّوحِ” (يوحنا 3: 8)، “يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ خَمِيرَةً أَخَذَتْهَا امْرَأَةٌ وَخَبَّأَتْهَا فِي ثَلاَثَةِ أَكْيَالِ دَقِيق حَتَّى اخْتَمَرَ الْجَمِيعُ” (متى 13: 33).

وفيما نمضي حياتنا في هذا العالم الموضوع تحت لعنة الخطيّة، يمكننا أن نعيا ونصاب بالإحباط بسهولة. لكن مزمور 23 يقول: “يرد نفسي” (عدد 3). وكثيرًا جدًا ما يفعل الله هذا من خلال قوة خليقته المجددة والمنعشة. اجعل تجولك وسط الطبيعة أمرًا منتظمًا في مسيرتك مع المسيح. اذهب إلى ساحل البحر واستمع إلى تلاطم الأمواج. تسلق جبلاً وشاهد النسور المحلقة تمتطي التيارات الحراريّة. ارتحل إلى الأخدود العظيم (جراند كانيون) واكتم أنفاسك وأنت تشاهد ضخامته وألوانه الباهرة والساطعة. دع خليقة الله تنعش روحك.

تتحدث رومية 8 عن رجاء المؤمنين في قيامة الأجساد، وبالتالي قيامة الكون أيضًا. اقض حياتك راجيًا بحرارة مجيء الخليقة الجديدة. الهث توقًا لها، وصل لأجلها، وكرّس حياتك لهذا الرجاء، واطلب سرعة مجيئه بأن تكرز للضالين والخطاة.

 

[1] Richard Dawkins, The Blind Watchmaker (New York: Norton, 1991), 1.